|
بهاء الزواج بذرية طيبة
إن الهدف الأسمى للزواج هو إنشاء ذرية طيبة تحيا بها الأسرة حياة آمنة كريمة ، ولا يتحقق ذلك إلا بتربية الأولاد تربية قويمة بفرعيها ، ألا وهما (التربية البدينة ـ التربية الروحية). التربية البدنية للتربية البدنية شعبتان : الأولى ـ أثناء الحمل . الثانية ـ بعد الولادة. أثناء الحمل : 1 ـ يجتنب الزوج الخمر والبيرة والتدخين وتناول المخدرات ، ويعالج مرض فقر الدم والأمراض السارية . . خصوصا الزهرية منها إذا كان مصابا بها . ويجب أن يتم العلاج قبل الزواج . 2 ـ رعاية صحة الزوجة كما يأتي : (أ) أمنها من الانفعالات النفسية . (ب) تجتنب الخمر والبيرة والتدخين والمخدرات . (جـ) تتناول الأغذية الصحية التي مر ذكرها صفحة 58 . وإضافة إلى ذلك تتناول كوبين من اللبن «الحليب» يومياً لبناء عظام الجنين . (د) معالجتها لمرض السكر وفقر الدم والأمراض السارية ـ خصوصا الزهرية منها إذا كانت مصابة بها ـ ويتم ذلك قبل الزواج . بعد الولادة : أولا : أخي الزوج ! أختي الزوجة ! لا تعصيا ربكما واحذرا أن تتعاونا على إثم كبير وعدوان صارم على أولادكم بعدم تغذيتهم باللبن الذي أعده الله سبحانه وتعالى لهم في مستودعه الخاص ، وهو ثدي المرأة ، وذلك في مدة قررها لا تزيد على عامين قمريين ولا تنقص عن 21 شهراً قمرياً . وإياكما أن تغفلا عن زق الطفل بالمادة الصفراء التي تخرج من الثدي قبل اللبن ، وهي المسماة «اللباء» ، فإنها من أهم مقومات صحته . واعلما بأن حرمان الطفل من رضاعة الثدي يؤدي إلى تخلفات عديدة أهمها : (أ) فقدان الطفل لحنان أمه الذي يتلقاه أثناء مص الثدي ، فيؤدي ذلك إلى تخلفه عن النمو الكامل . (ب) سرعة حمل المرأة التي لا ترضع الرضاعة المقررة بصورة قد تضر صحتها . (جـ) تقلص رحم المرأة ببطء في حال إرضاع طفلها من غير ثديها . وذلك ما يهم الزوج بصورة ملموسة ... (د) يكون الطفل عرضة لأمراض عديدة منها ترتبط بالقلب وأخرى بالشرايين والأعصاب والدماغ ، وبالتالي يفقد المناعة ضد الأمراض العامة . والجدير بالذكر هو أن التغذية الصحيحة للمرضعة توفر الحليب الكافي للطفل . ومن أهم الأغذية التي تزيد كمية الحليب . . التمر «البلح» مع كوبين من لبن البقر صباحاً ـ العدس ـ الزيتون ـ التين . فلا تغفلا بصورة خاصة عن العدس الأسود أو الأخضر لا الأحمر ، وكذلك سبع تمرات على الاقل يومياً (راجعا صفحة 59) خصوصا الخبز الأسمر بنخالته . ثانياً : (أ) يتغذى الطفل بعد فطامه بالأغذية الحية التي مر ذكرها ، وأنادي الوالدين مرة أخرى لاجتنابهما عن الخبز الأبيض الذي نزعت عنه نخالته ، وليكرهانه إلى أولادهما . وأنبهما إلى البطاطس فهي من أحسن الأغذية ولكن بشرطين : 1 ـ تؤكل مسلوقة لا مقلية . 2 ـ لا يُنزع قشرها عند الأكل ـ كما ثبت في علم الأغذية ـ (النصحية للوالدين أيضاً) . (ب) يجتنب الأولاد شدة الحرارة والبرودة في الأطعمة والمشروبات فإنها تضر صحتهم ، خصوصا بالنسبة إلى «الللوزتين». (النصيحة للوالدين أيضا). (جـ) أيها الوالدان : مرنا أولادكما على المضغ الجيد للطعام ، ففي ذلك الفائدة العظمى لصحتهم . (النصحية لكما أيضا) . (د) أيها الوالدان : دربا أولادكما على النظافة ، خصوصا تقليم الأظفار مرة واحدة على الأقل خلال الأسبوع ، وعلى تنظيف الأسنان ورعاية صحتها[1] . وكذلك دربٌاهم على استقامة الظهر عند القراءة والكتابة بتهيئة ما يجتنبون به انحناء العمود الفقري . واحذرا أن يتعود أولادكم بالجلوس أمام التليفزيون بمسافة تكون أقل من مترين، ففي ذلك خطر على أبصارهم (النصيحة لكما أيضا). (هـ) أيها الوالدان : بادرا إلى معالجة مرض السعال إذا أصيب به أحد أولادكما، ويجب عليكما وقايته من المشروبات الباردة بشدة ، وتناول الحوامض والأطعمة الممزوجة بالفلافل والبهارات والمقليات. فالإهمال قد يؤدي إلى إصابة الرئتين بالتدرن (نعوذ بالله) وكذلك إذا شكا أحد أولادكما التهابا في إحدى أذنيه فلا تستهينا شكواه ، بل سارعا إلى درء الخطر قبل تفاقمه (النصيحة لكما أيضا). (و) أيها الوالدان : قويا إرادتكما وكونا مسيطرين على شهوتكما وهواكما بإتباع أمور تجلب لكما الصحة في تعذيتكما ، وربيا أولادكما على ذلك : (أ) اجتناب الشاي مع الطعام أو بعده مباشرة ، فإنه يصد نفوذ مادة الحديد الموجودة في الطعام إلى الدم ، فلا يُشرب إلا بعد ساعتين من تناول الطعام على الأقل (كما ورد في علم التغذية)[2] ومن ضعفت إرادته في طعام الصباح فليقو إرادته عند طعام الظهر والعشاء. (ب) كلا الفاكهة قبل الطعام (كما ورد إجماع الأطباء على هذا الأمر) ولا تتبعا ما هو المتعارف بين الناس. (جـ) حاولا أن تكون مائدة الطعام محتوية على ما يأتي : 1 ـ الملح (تناول مقدار نصف حمصة ابتداء ومثله اختتاما للطعام). 2 ـ الخضرة (البقدونس ـ النعناع ـ الفجل وغيرها). 3 ـ التمر «البلح». 4 ـ اللبن «الزبادي» . (د) وهذا الأمر الأخير هو أهم الأمور فإنه الإسراف في الطعام والشراب ، فقد ثبت في علم الطب أن أكثر الأمراض تطرأ نتيجة امتلاء المعدة بصورة كلية . ويكفينا تحذيرا قول الله سبحانه وتعالى : (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) وقد روى أن رجلا سأل الحسن بن علي عليهما السلام عن أمور يستغني بإتباعها عن الطبيب ، فأجابه قائلاً ما مضمونه « اقبل إلى الطعام وأنت تشتهيه ، وقم عنه وأنت تشتهيه ، وامضغ الطعام مضغاً جيدا، وعرض نفسك على بيت الخلاء عند النوم». (هـ) أيها الوالدان : أناديكما مخلصا مرة أخرى ، إذا كنتما مدمنين بالتدخين فأقول لكما باختصار : « عجبا لحالكما! كيف تفرحان وتبتهجان لإحراق سيكارتكما، ولا تحزنان لإحراق كيان صحتكما وصحة أولادكما[3] ، وكذلك الجنين في بطن أمه» فإن أعرضتم عن قولي فإنا لله وإنا إليه راجعون. التربية الروحية أيها الوالدان : اعلما وعلما أولادكما ما يأتي : أولاً : يجب على الإنسان أن يعلم بأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقه عبثاً، بل خلقه لتحقيق الهدف السامي وهو البحث عن كنه مسيره في هذه الحياة وبعدها ، فيسأل كيف بدأ المسير وإلى أين ينتهي ؟ فالجواب هو قول الله سبحانه وتعالى : (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)[4]. وقوله تعالى أيضاً : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[5] ولا تتحقق عبادة الإنسان لربه إلا بتشييده لبناء الدين الحنيف في قلبه ، وذلك هو بناء الإسلام الذي علمه سبحانه وتعالى كيفية إقامته ليكون قاعدة رصينة لتقويم مدنيته وحضارته ، وبالتالي لإحراز سعادته في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم)[6] . أجل : (علم الإنسان ما لم يعلم ) منذ وهبه الطاقات الجبارة للكشف عن كل مجهول ، وذلك بالتعبير الرائع (ما لم يعلم) . والجدير بالذكر هو أن الله سبحانه وتعالى فرض على الإنسان أن يتعلم بقلب واع يتحلى بحرية البحث، ويتخلى عن الشهوات والأهواء ، ويتنزه عن التحيز لما لديه من الآراء والتعصب لإتباع الآباء ، فلا يبني عقيدته وسيرته على ما لقٌنه وعلٌمه أبواه فيُلقى الشك على ما هو عليه ، ويبدأ باحثا متحررا التحقيق الحق ودحض الباطل. وأقدم للقراء الأعزاء شخصية نبيلة قد تحررت من قيود تقليد الآباء ، وتنزهت عن الأهواء والعواطف ، ألا وهي شخصية الدكتور « نظمي لوقا» الذي نصٌره أبواه فكان مسيحيا ، ولكن نور الحرية الفكرية قد سطع في قلبه فبحث ومحص وفكر وتدبر في الأديان والعقائد ، وكانت النتيجة أنه اعترف بأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم النبيين ، وقد أرسله رب العالمين إلى الناس أجمعين ، وقد اصدر هذا الدكتور كتابين قيمين : (وامحمداه ـ محمد الرسالة والرسول) بين فيهما للقراء الأحرار عظمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدق رسالته . أيها القراء الأعزاء : تدبروا قوله الرائع في كتابه « محمد الرسالة والرسول : «من شك في صدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فمعناه أنه قد شك في مظهر الصدق في العالم ، ويجب عليه أن يطعن في كل من يراه أو يسمع به يزعم التحلي بفضيلة الصدق » . وتدبروا وفكروا أيضا في قوله المجيد الذي جاء في كتابه « وامحمداه »[7] « فأي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من أبي القاسم ـ يعني محمداً (صلٌى الله عليه وآله وسلم) الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة رب العالمين . ومن الضياع والانحلال إلى السمو والإيمان ، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام ؟ « حفاظا على معنى الشرف ، وصيانة لحق المروءة ، أوجبت على نفسي ذلك الإنصاف لشخص أبي القاسم ، وللرسالة التي حملها إلى الناس في أمانة وصدق وتحرج لا يباري . . .» . «أوجبت ذلك على نفسي منذ عرفت قدره ، وأدركت خطره ، والواجب فرع ـ عند ذوي الأمانة عن الإدراك ... فشهادة الحق من أوجب الأمانات ، والساكت عن الحق شيطان . . . فمن يجهل الحق لا لوم عليه . . . والملام كل الملام على من يدرك الحق كرائعة النهار ، ثم يتخاذل عن إعلانه ويترك رايته تنتكس بين السفلة والطغام ، وتوطأ بأقدام الجهلة والظلمة واللئام... وساء ذلك صنعا إنه كان إثما وبيلا...» . « ضنا بنفسي عن هذا الخزي الموبق تصديت لتلك الغاية ، ولا جناح على من اتخذ إلى ربه سبيلا ... » . ونهاية المطاف : أنادي القراء الأعزاء الذين ابتغوا غير الإسلام دينا وابتغوا دين آبائهم ـ خصوصا غير المسلمين ـ فأرسلها إليهم صيحة ناصحة مخلصة : إنكم ستحشرون جميعا يوم القيامة بعد موتكم ، وسيحاسبكم ربكم على دينكم . فكيف بكم إذا سأل كل طائفة منكم بهذا السؤال ؟ هل فكرتم ؟ هل بحثتم في دينكم وعرفتم أنكم على الحق والأديان الأخرى هي الباطل ؟ فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا. ولا أدري كيف يكون حال غير المسلمين إذا وقفوا أمام رب العالمين يوم القيامة ، فسألهم : « لماذا لم تكونوا مسلمين ، والإسلام اشترط كمال الإيمان بالاعتقاد بالأنبياء السابقين ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام ؟ لماذا اقتصرتم على الاعتقاد ببعض الأنبياء ولم تعتقدوا بجميعهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ لماذا أصبح الدكتور المسيحي « نظمي لوقا » مسلما ( كما مر ذكره سابقا ) وكذلك كثير من العلماء الأوربيين[8] غير المسلمين استناروا بنور الإسلام ، وأنتم بقيتم على دينكم؟ ليس الجواب إلا أن تعترفوا قائلين : « ربنا إنا كنا لآبائنا تابعين ومقلدين ، ولو كنا نبحث أو نفكر ما كنا عن الإسلام معرضين » ، فويل يومئذ للكافرين الذي كذٌبوا الصادق الأمين محمداً سيد المرسلين وخاتم النبيين ، صلى الله عليه وآله وأصحابه المنتجبين الميامين . ثانيا : تعلما كتاب الله ـ أيها الوالدان ـ وعلماه أولادكما ، وهو القرآن المجيد الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهو النور الساطع الذي يهدي البشرية جمعاء إلى سبل السلام ، ويخرجهم من ظلمات الباطل إلى نور الحق . . من ظلمات الجهل إلى نور العلم . . من ظلمات الخوف إلى نور الأمن .. من ظلمات الفقر إلى نور الغنى . . من ظلمات المرض إلى نور الصحة . . من ظلمات الذل إلى نور العزة . . من ظلمات الضعف إلى نور القوة ، وهو الحصن الراسخ الشامخ ، والظهير النصير لصد عدوان المعتدين ومكافحة المستعمرين الظالمين والمستعبدين الطاغين . لذلك نرى أحد رؤساء وزراء إحدى الدول الغربية في القرن التاسع عشر ، وقف أمام مجلس البرلمان وقد أمسك بيده القرآن ، وتحدث في صراحة فقال : « ما دام هذا الكتاب بين أيدي العرب والمسلمين ، فلن يقر لنا قرار في بلادهم »[9] . والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لنبينا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ). ومعنى المعجزة هو صدور حادث أو وقوع أمر من قبل الله تعالى على يد نبيه لإثبات نبوته ، ولا يستطيع الناس ويعجزون عن الإتيان بمثل ذلك الحادث أو الأمر . فالاختراع مثلا ليس معجزة ، لأنه قد يظهر اختراع آخر يماثله ويضاهيه . وينقسم الإعجاز القرآني إلى ثلاثة أقسام : أولا : الإعجاز البلاغي : وهو أن البلغاء والمتفننين والبارعين في اللغة العربية لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن ، بل بسورة من مثله ، مع العلم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة . والدعامة الرصينة المتينة التي يتركز عليها الإعجاز البلاغي هي التحدي والإعلان بالعجز . ولإيضاح ذلك أقدم مثلا واحداً للقراء الأعزاء : إذا وجد رسام بارع في مدرسة وكان متفوقا على جميع التلاميذ في فن الرسم ، فهل يستطيع أن يتحدى التلاميذ بقوله : «إن جميع التلاميذ لا يقدرون مجتمعين أن يأتوا بمثل رسمي ؟» كلا ، لأنه لا يعلم ذلك ولا يدري ما في العقول من ملكات وقابليات للإنتاج خصوصا إذا اجتمعت وأتحدث ، فلا يتفوه بذلك ولا يزج نفسه في ميدان الفشل والخجل المجتمعين ، وكذلك الحداد والنجار وغيرهما إذا كانا متفوقين على غيرهما ». والآن : نأتي إلى القرآن الكريم ، فإذا كان من إنشاء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) . ـ نعوذ بالله ـ فمعنى ذلك أن محمدا قد كذب في دعوته ، فكيف إذن يستطيع أن يعلن بما يأتي : (أ) (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)[10]. (ب) (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين)[11]. أيها الإخوان ! أيتها الأخوات ! تدبروا الآيتين وأمعنوا النظر إليهما وفكروا فيهما بوعي وإخلاص ، خصوصا في الجملة (ولن تفعلوا) من الآية الثانية ، فإنهما دليلان حاسمان على أن القرآن ليس من كلام البشر كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه لا يستطيع أن يتحدى ويخاطب البلغاء والخطباء والشعراء والمتفوقين في البلاغة بالجملتين : 1 ـ (لا يأتون بمثله) في الآية الأولى . 2 ـ (ولن تفعلوا) في الآية الثانية بل إنهما تصدران ممن هو عليم بذات الصدور ، ذلك هو رب العالمين . ثانيا : الإعجاز العلمي : لقد ذكر القرآن بعض الأسرار العلمية ، واكتشفها العلم الحديث ، فذلك دليل على أن القرآن ليس صادر من بشر ، لأن البشرية في زمن صدور القرآن لم تكن عالمة بتلك الأسرار ، وقد بينت منها سابقا[12] للقراء الكرام ، وأضيف هنا آيات أخرى لتركيز الإيمان في النفوس ، وقد درست وبحثت كما يلي : (أ) (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)[13] : لقد أثبتت البحوث العلمية الأخيرة أن حجم الكون آخذ في الزيادة شيئا فشيئاً ، وكلما ازداد حجمه ازدادت المسافة بين أجرامه ، وقد اكتشف التحليل الطيفي لرصد الأجرام السماوية أن المجرات تبتعد عنا بقياسات مختلفة من السرعة تثير الدهشة كل الدهشة ، فمنها ما يبتعد عنا بسرعة (25) ألف كيلومتر في الثانية وبعضها بسرعة (65) ألف كيلومتر في الثانية[14]. فأين تكون نهاية السماء ؟ وأين حافتها ؟ ! ! فليس للتفكير إلا أن ينقلب خاسئا وهو حسير. فلقد سبق القرآن الكريم هذا الاكتشاف بمئات السنين بقوله : (وإنا لموسعون) والله علم. (ب) (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون)[15] : الله أكبر ! سبحان الله ! لماذا قال في (ظلمات ثلاث) ولم يقل في ظلمة واحدة وهي جوف البطن . قال ذلك ليعلمنا قبل العلم الحديث أن الجنين له ثلاثة أغشية سماها (ظلمات) وهي : (الغشاء المنباري ـ الغشا الخوربوني ـ الغشاء اللفائفي)[16] مع أنها لا تظهر بالتشريح الدقيق ، وتظهر كأنها غشاء واحد بالعين المجردة (والله أعلم). (جـ) (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما)[17] تبين هذه الآية أن النار كلما أكلت جلود الكفار بدلهم الله جلودا غيرها . والحكمة في ذلك هي أن أعصاب الألم في الطبقة الجلدية ، وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية فالإحساس فيها ضعيف . ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة الداخلية ، لأنه مع شدته وخطره لا يُحدث ألما كثيرا . فالله تعالى يقول لنا : إن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب ، نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع .. وكان الله عزيزا حكيماً[18] (والله أعلم). ثالثا : إعجاز الإخبار بحوادث المستقبل : لا يستطيع الإنسان أن يتنبأ بحوادث المستقبل بصورة حاسمة إلا ما يتعلق بالعلوم المادية ، كالأنواء الجوية والحوادث المرضية ، والطوارئ الجيولوجية وغيرها . وقد يخطئ أحيانا في بعض التنبؤات . أما التطورات الاجتماعية فيستحيل معرفة مستقبلها ، مع العلم أننا الآن في القرن العشرين في عصر الذرة والرادار والأقمار الاصطناعية والعقل الإلكتروني . فلو كان ذلك ممكنا لعلمت كل دولة بمستقبلها وعملت لدرء أخطاره واجتناب شروره. ولكننا نرى القرآن قد اخبر ببعض حوادث المستقبل في مناسبات خاصة ، وكان صادقا في ذلك فتجلى البرهان على أنه ليس من كلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بل هو كلام الله الذي يحيط بكل شيء علما . ومن أهم تلك الحوادث ما يلي : (أ) جاء في أوائل سورة الروم : (الم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون). الشرح : جرت معركة بين الروم والفرس في أوائل الإسلام ، فانتصر الفرس على الروم فضاقت صدور المسلمين لأن الفرس كانوا يؤمئذ مجوسا يعبدون النار ، والروم كانوا يعبدون الله وهم أهل كتاب، فوعد الله المسلمين بعودة نشوب الحرب بين الروم والفرس خلال بضع سنوات ـ وهي دون العشر وفوق الثلاث[19] ـ وبشرهم بانتصار الروم على الفرس . . فتحقق ذلك كما أخبر الله سبحانه وتعالى . فهذه الحادثة تثبت لنا أن الآيات التي مر ذكرها (أوائل سورة الروم) هي من الله سبحانه وتعالى وليست من (محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك لإخبارها بحادث غيبي في المستقبل ، وهو غلبة الروم على الفرس مع تحديد المدة وهي « بضع سنين » (كما فسرت الآيات ) والله أعلم. (ب) ذُكر أن « الوليد بن المغيرة » عرض المال على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليرجع عن دينه ويتخلى عن دعوته. فأنزل الله تعالى آيات وبخه بها : (ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم) . . . . . (سنسمه على الخرطوم)[20] . المعنى سنضع علامة على أنفه وقد جرى ذلك فعلا في وقعة بدر فخطف أنف الوليد بالسيف (كما فسرت الآية) والله أعلم. [1] خصوصا المضمضة مباشرة بعد تناول السكريات السائلة ، والأطعمة الحلوة ، بعد إخراج أجزائها بالعيدان أو الخيوط الطبية ، وكذلك تنظيفها بالفرشاة والمعجون عندما النوم . [2] تتركز حيوية الإنسان وقوته على غنى دمه بالحديد ، فنعوذ بالله من مرض «فقر الدم». [3] يتلوث هواء المسكن بالدخان فيضر الساكنين [4] المؤمنون / 115 [5] الذاريات / 56 [6] أوائل سورة العلق [7] صفحة (22 ـ 23) [8] اقرأ كتاب (أوربا والإسلام) للدكتور عبد الحليم محمود . [9] راجع كتاب (الإسلام على مفترق الطرق) للمؤلف (ليوبولد فايس) الذي أسلم وسمى نفسه «محمدا». [10] الإسراء : 88 . [11] البقرة : 23 ، 24. [12] رجاء راجع صفحة (4 ، 17). [13] الذاريات: 47 [14] راجع الكتابين : «السماء وأهل السماء ـ عبد الرزاق نوفل» . «المُحيرات الفلكية ـ الدكتور عبد الرحيم بدر». [15] الزمر/ 6 [16] كتاب الإسلام والطب الحديث . تأليف الدكتور عبد العزيز إسماعيل [17] النساء/ 56 [18] الإسلام والطب الحديث ـ الدكتور عبد العزيز إسماعيل . [19] إشارة إلى معنى كلمة (بضع أو بضعة). [20] القلم (10 ـ 16).
|