محاولة مُزيٌفة لتشويه الحق

 

يحاول بعض الجاهلين الغافلين الذين لم يفكروا بوعي وإخلاص تشويه الحقيقة للرسالة المحمدية ، فيزعمون أنهم يعتقدون بأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان صادقا أمينا متحليا بسلامة السريرة وإخلاص النية ، ولكنهم يشكون في نزول القرآن من الله سبحانه وتعالى عليه ، فيحتملون أن مفاهيم القرآن هي انطلاقات إنسانية فاضلة صدرت من عقله الكامن المتصف بالفضيلة ، وجرت على لسانه وتُليت على من حوله .

أقول : إن الاحتمال الذي صدر من هؤلاء الشاكين في صدور القرآن من الله سبحانه وتعالى باطل ، لظهور أمور عديدة هامة تطمس معالم ذلك الاحتمال وتنسف بناءه .

الأمر الأول : نرى عشرات من الآيات القرآنية تتضمن كلمة (قل ) فمن تدبرها وأمعن النظر فيها وجد أن هناك مُخاطباً ومُسمعاً ومُلقيا للكلام غير محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الله سبحانه وتعالى . وإليكم من الآيات :

(أ) (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد...)[1].

(ب) (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)[2].

(جـ) (قل هو الله أحد . . . . )[3] .

(هـ) (قل أعوذ برب الفلق . . . .)[4] .

(و) (قل أعوذ برب الناس . . . .)[5].

(ز) (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق)[6].

(ح) (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)[7] .

الأمر الثاني : إذا اعتقد هؤلاء بصدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنزهه عن الافتراء على الله الكذب ـ كما زعموا ـ فكيف يحتملون صدور ما يخالف صدقه وأمانته بانطلاق ألفاظ تصدر من عقله الكامن المتصف الفضيلة ـ كما تصوروا ـ وتخاطبه معلنة انه رسول الله سبحانه وتعالى ؟!!

فليتدبر القراء الأعزاء الآيات الآتية :

(أ) (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا)[8].

(ب) (يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم)[9] .

(جـ) (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا)[10] .

(د) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين)[11] .

الأمر الثالث : وهو من أهم الأمور التي تركز الإيمان برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك أن القرآن قد أعلن بأن الرسالة قد ورد ذكرها سابقا في التوراة والإنجيل . . كتابي موسى وعيسى عليهما السلام ، كما قال الله سبحانه وتعالى : (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . . . .)[12] .

فلو لم تكن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة لا شك فيها ولا في ورودها في التوراة والإنجيل ، لم يصدر الإعلان ليكذبه ويفضحه علماء اليهود والنصارى . وبالفعل لم يصدر تكذيب منهم ، ولكن التعصب والهوى صدٌا استنارتهم بنور الإسلام . وأنبه القراء الأعزاء بأن التوراة والإنجيل المتداولين في العصر الحاضر ليسا هما الأصليين ، بل بُدلا وحُرفا لطوارئ تاريخية حققها الباحثون الواعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

الأمر الرابع : لقد ذكر القرآن أن محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو خاتم النبيين ، كما قال تعالى : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما)[13]

فهل يشك باحث عاقل بعد تدبر الآية الكريمة في صدور القرآن من الله سبحانه وتعالى ؟ وهل يحتمل صدوره من شخصية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ كلا ـ لأن الحكم بختام النبوة وبلوغ نهايتها يستحيل أن يصدر من إنسان نبوته باطلة ، لأنه لا مُحفز ولا داعي للإصدار ، فيدعى ذلك الإنسان النبوة ، ولا يفضح نفسه بنبوة إلهية حقة قد تظهر في زمانه ، ويركز شخصيته في قلوب الناس ويعتبر نبوته كالأنبياء السابقين الإلهيين الذين لم يتبين من أحدهم زعم لختام نبوته .

وأختم قولي : « اللهم إنا نعوذ بك من أن نشك في دينك أو أن نضل في هداك ، فلا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب » .

ثالثها : أيها الوالدان : اجتهدا بكل طاقاتكما في تركيز الإيمان بالله سبحانه وتعالى في قلوب أولادكما ، لأنه هو أصل الدين وأساسه الذي يقوم عليه بناء الأعمال الصالحة ، فليراجع جميعكم بدقة وتكرار مواضيع الإيمان بالله في هذا الكتاب ، واقرأوا واحفظوا بصورة خاصة الموضوع الذي عنوانه «خمس كلمات» فإنه نور الله الساطع .

رابعاً : أيها الوالدان : يجب عليكما أن تقيما فريضة الصلاة بصورة صحيحة ، وعلماها أولادكم عند بلوغهم سبع سنين ، وذلك كما يأتي :

(أ) مراجعة موضوع تارك الصلاة من هذا الكتاب لبيان أهمية الصلاة .

(ب) تطهير البدن واللباس من النجاسات ، وهي :

البول . الغائط[14] . المني . الدم[15] . الكافر . الكلب . الخنزير . الخمر والبيرة . الميتة ، ونجاسات أخرى[16] . . وقد اختلف الفقهاء في نجاسة بعض ما ذكر فعلى القارئ العزيز أن يبحث ذلك عند من يثق به من علماء الدين . وأخص بالبحث هنا حول البول والغائط للإنسان ، وهو كيفية التطهير منهما بأمور عديدة :

1 ـ يخص الذكور وهو التأكد من عدم بقاء أجزاء من البول ، فبعد الانقطاع تُجرى عملية تسمى «الاستبراء» ، وهي المسح بقوة ثلاث مرات من مخرج الغائط ( بعد غسله طبعا ) إلى أصل عضو البول ـ والمسح بقوة ثلاث مرات أيضا من أصل عضو البول الى نهايته ـ والمسح ثلاث مرات أخُرى شبه العصر للحشفة ، ثم التطهير بالماء بعد دلك المخرج لاحتمال خروج مادة جنسية وترسبها عليه قبل التبول تسمى « المذي » أو خروج مادة بعد الانتهاء من التبول تسمى « الودي » ، وبعد الدلك يُجرى المُتطهر الماء على المخرج مرتين يجب أن تكونا منفصلتين ( على الأحوط ) ، ثم تطهير اليد مرتين منفصلتين كذلك لتنجسها بالدلك .

2 ـ وأما الأنثى فلا استبراء لها ، بل تشترك مع الذكر في ذلك المخرج وكيفية إجراء الماء ومع ذلك فليراجع القارئ العزيز للتأكد من التطبيق علماء الدين المتقين . وأنادي الآباء والأمهات راجيا أن يمرنوا أولادهم الصغار بكيفية التطهير في بيت الخلاء « الحمام » وليحذروا إهمالهم يتبولون واقفين لا يعبأون بأي نجاسة تصل إليهم .

3 ـ غسل الجسم مع النية وتطهيره من الأحداث الثلاثة ( الجنابة ـ مس الميت ـ خروج دم الحيض والنفاس والاستحاضة ( في بعض أحوالها ) ، وسيأتي شرحه بمشيئة الله بعد موضوع الوضوء .

(د) الأداء الصحيح لألفاظ الصلاة وأفعالها ـ أما الألفاظ فتجب القراءة باللغة العربية الصحيحة ، لذا يجب على المسلم أن يصحح قراءته من أول الصلاة إلى نهايتها عند علماء الدين المتقين ، فلا عذر له يوم القيامة. فيجب الاتصال بهم بواسطة كتبهم أو مقابلتهم أو بواسطة التلفون فإنه ـ كما قلنا ـ نعم العون. يجب على المسلم أن يصحح كل كلمة وكل حرف خصوصا مخرج الظاء أخت الطاء ، والضاء أخت الصاد ، فلا يتلفظهما « بالزاء » فيقرأ « المغزوب . الزالين . العزيم » كما أسمع ذلك من بعض العرب وبعض الأعاجم. وهنا أقول منبها أن القراء الأعزاء الذين لا يستطيعون بكل محاولاتهم إلا التلفظ بحرف « الزاي » في سورة الفاتحة فهم معذورون . أما في الركوع فلا عذر لهم لأنهم يستطيعون أن يبدلوا الذكر الذي دأبوا عليه بكلمة « سبحان الله » ثلاث مرات ، فبدل « سبحان ربي العزيم وبحمده » يسبحون هكذا ( سبحان الله ـ سبحان الله ـ سبحان الله ) .

وأما الأفعال فيجب ثبات البدن عند الوقوف والقراءة ، وثبات البدن عند القراءة في الركوع ، فلا يقرأ إلا بعد أن يُثبت انحناءه ، ثم يقول من الركوع ويثبت قليلا ، ثم يهوى إلى السجود فلا يقرأ إلا بعد أن يُثبٌت تماما المواضع السبعة « الجبهة ـ باطنا الكف ـ الركبتان ـ حافتا الإبهام » ثم يرفع رأسه من السجود ويجلس تماماً ويثبت قليلا ، ثم يهوى مرة أخرى إلى السجود ويُثبت نفسه كالمرة الأولى ثم يقرأ[17].

وأنبه القارئ العزيز بأنه إذا لم يطبق ما مر شرحه من أفعال الصلاة ويتسعجل في حركتها ، يكون حاله ـ كما روى ـ كالأعرابي الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعجل في صلاته فقال في حقه ما مضمونه أنه نقر كنقر الغراب ، فان مات وتلك صلاته فليموتنٌ على غير دين الإسلام ( نعوذ بالله ) ـ فلينتبه الغافلون وليحذر الساهون اللاهون الذين هم بصلاتهم مستخفٌون .

استدراك لأقوال الصلاة :

(أ) يجب ـ على الأحوط ـ أن تكون تكبيرة الإحرام ( الله أكبر ) وهي المدخل إلى الصلاة منفصلة في اللفظ عما قبلها وعما بعدها من الألفاظ ، فنقف قليلا بعد تلفظ ما قبلها ، ونقف قليلا قبل تلفظ ما بعدها ، ولا أقصد بالوقفة القليلة أن تكون بارزة كثيرا ، بل بصورة لا يبرز الوصل فيها .

(ب) كذلك لا يجوز الوصل بالسكون بين الآيات بصورة عامة ، بل يجب أن يقف عند كل آية قليلا (بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين) . . . . . وهكذا إلى الآية الأخيرة ( ولا الضالين) . وهنا يجب مد حرف الألف بعد الضاد لأنه أحد الحروف الثلاثة « الألف . الواو . الياء » التي يجب مدها إذا جاء بعد أحدها السكون أو الهمزة ( انتبه وطبق ) .

(هـ) أداء الوضوء بصورة صحيحة : يجب على المسلم ابتداء أن يُحرز عدم وجود أي حاجب على أعضاء الوضوء يعترض وصول الماء إليه ، فيفحص أطراف عينيه وحاجبيه وأنفه وشفتيه ويديه ، وأظفاره التي مرٌ الحث على تقليمها ، مرة واحدة على الأقل خلال الأسبوع ، ويختبرها كل مرة عند الوضوء . وكذلك يفحص رجليه ويزيل الأوساخ خصوصا ما في الأظفار . ثم يبدأ بالوضوء مع النية . وهنا ملاحظات هامة :

1 ـ لا يجوز تخليل الشعر عند مسح الرأس ، بل يكون المسح على ظاهر الشعر فقط ، ولا يجب وصوله إلى الجلد . أما صاحب الشعر الكثير كالمرأة وبعض الشباب فيجب إعداد مساحة طويلة تشبه الخط على مقدم الرأس قبل الوضوء والمسح عليها . ولا يجوز تكرار المسح بل يقتصر على مرة واحدة لا أكثر ـ احتياطا ـ والجدير بالذكر هو أن المصلي يجب عليه أن يحرز إزالة أثر الدسومة على شفتيه ويديه بعد الغسل بالمسح بقوة ، ولا يقتصر على الصابون فقط . وكذلك يزيل قبل الوضوء مادة الصابون المترسبة على ممسك مصب الماء لئلا يلصق شيء منها على يديه وتكون حاجبا . ويجري نفس الفعل قبل الغسل أيضاً « كما يأتي » .

2 ـ يجب على المصلي أن لا يكتفي في وضوئه بوصول الماء إلى كفيه وخلال أصابعه عند غسل يديه ابتداء ، فإن ذلك ليس من الوضوء بل هو من مقدمات ومستحباته ، إنما الواجب هو إيصال الماء وإجرائه حتى يصل إلى الكف وجميع أطراف الأصابع عند غسل اليدين ، والأحوط وصول الماء إلى جزء قليل من باطن العينين والأنف والفم لإحراز استيعاب الماء لظاهر الوجه وبراءة الذمة[18].

كيفية غسل الجنابة والحيض والنفاس وبعض أحوال الاستحاضة :

أولا : بعد التبول وتطهير محل البول وتطهير محل الدم ، وإزالة الحواجز كالصابون والدسومة والأوساخ كما مر في الوضوء ، ويضاف إلى ذلك أطراف الأذنين والسرة وتحت الثديين وبين الأصابع والأظفار ـ خصوصا أصابع الرجلين ـ وإزالة النجاسات الحاصلة على البدن . بعد ذلك كله ينوي ويُجري الماء على بدنه بصورة قررها الدين الحنيف وهي : أولا ـ غسل الرأس والرقبة ، ويتأكد من وصول الماء إلى الجلد بتخليل الشعر ، ويزيد قليلا ويتجاوز الرقبة .

ثانيا : غسل القسم الأيمن من البدن ، ويتجاوز قليلا إلى القسم الأيسر. وفي الأثناء يدلك الرجل مخرج البول ، والمرأة تدلك المخرج التناسلي إذا كان الغسل من الجنابة، لاحتمال خروج مادة جنسية بعد الملامسة أثناء القيام بالغسل .

ثالثا : غسل القسم الأيسر ويتجاوز قليلا إلى القسم الأيمن[19] . والأحوط أن يغسل السرة والعورتين مع كل قسم ، ويغسل نصف الرقبة الأيمن مع القسم الأيمن ، ونصف الرقبة الأيسر مع القسم الأيسر .

ويجب عليه ألا يغفل عما بين أصابع رجليه ، فبالتصاق بعضها ببعض لا يتحقق جريان الماء على جميع أجزائها .

وأما صلاة الأخوات : فيجب عليهن أن يسترن أبدانهن أثناء الصلاة إلا الوجه والكفين ، بشرط ستر أطراف الوجه إلى نصف الخدين ، وتجاوز الرقبة بقسم قليل من الفك الأسفل ، وستر الشعر ـ فأنادى أخواتي مخلصا أن يُتقنٌ الحجاب للصلاة أمام المرآة قبل القيام بها ، ويأخذن بها زينة الروح ، كما يقفن أمامها لأخذ زينة البدن[20].

تنبيه هام : لقد سلكت سبيل أفضلية الاحتياط فيما مر ذكره من الأحكام الفقهية المتعلقة بأفعال الصلاة ومقدماتها ، لأنني وجدت اختلاف الفقهاء في الفتوى واختلاف الناس في الرجوع إليهم .

وخلاصة القول : إن الصلاة هي كالسيارة تسير بصاحبها إلى رضوان الله سبحانه وتعالى ، فإذا نقص أو زاد أو اعوج جزء من أجزائها لا يتحقق السير ، فهناك وحشة الطريق ، وهناك العناء والبلاء . ( نعوذ بالله ) والجدير بالذكر هو أن الصلاة لها درجات مختلفة من الثواب والنعيم في الجنة ، وأدناها هي الإتيان بها صحيحة في ألفاظها وأفعالها ومقدماتها ، وبأقل الواجبات وعلى درجاتها هي إقامتها مع نوافلها المقررة ، بشرط استنارتها بنور الخشوع والخضوع ، والتدبر لكل كلمة من ألفاظها . والمقصود من الخشوع والخضوع هو أن يتصور المصلى بأنه قائم بين يدي أعظم العظماء ، خصوصا عند نطقه بجملة « الله أكبر » . لذلك نرى أن الله سبحانه وتعالى قال (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون) أوائل سورة « المؤمنون » فقد ركز سبحانه وتعالى تحقيق الفلاح في إقامة الصلاة بخشوع المصلين ، فلم يقل « قد أفلح المؤمنون المصلون » . وأهم ما يحفز المسلم لإقامة صلاته بخشوع ، هو أن يصلي صلاة مودع لها ، فيتوقع ويحتمل موته أثناء أدائها أو بعدها[21] .

ونهاية المطاف : يجب على المسلم بصورة خاصة أن يتعلم مسائل الشك والسهو في الصلاة لكثرة ابتلائه بهما ، ولا يجوز إبطال صلاته الواجبة وإعادتها عند حصولهما إلا في بعض أحوال الشك .. ولا مجال لشرح تلك المسائل في هذا الكتاب ، فليراجع المؤمنون الكتب الفقهية أو علماء الدين المتقين .

خامساً ـ أيها الوالدان : لقد كتب الله سبحانه وتعالى على عباده الصوم ، لذا يجب عليكم ألا تتهاونا في أدائه وتمرين الأولاد وحثهم بجد وتشديد على أداء هذه الفريضة ، خصوصا البنت إذا أكملت تسع سنوات قمرية . فلا يغرنكما الشيطان ويوسس فيكما بأن البنت صغيرة في السن

وأنكما تظلمانها باستجابتها لكما . فبذلك تصدان عن سبيل الله الحكيم الذي اقتضت حكمته أن يكلف البنت حسب ما خلقها وكونها ، وهو أرحم بها منكما ، فأسلما لحكمه وهو أحكم الحاكمين .

ابحثا عن مفاهيم الصوم ولا تغفلا عن تعليمها للأولاد كما يأتي :

(أ) لبيان أهمية الفريضة راجعا موضوع تارك الصوم من هذا الكتاب .

(ب) الصوم هو الإمساك والاجتناب عن أمور اختلف فيها الفقهاء ، والأحوط[22] هي عشرة ، وذلك بالنية ابتداءً من بضع دقائق قبل طلوع الفجر إلى دقائق بعد دخول الليل ، لتحقيق استيعاب النهار وبراءة الذمة .

الأول والثاني : الأكل والشرب عمداً ، فلا يبطل الصوم بنسيانهما ، ولكن يجب البصاق عدة مرات[23] إذا تذكر الناسي مباشرة .

الثالث : تعمد القيء ، فلا يبطل بدون اختيار كالمرأة الحامل مثلا :

الرابع : إيصال الغبار والدخان وبخار الماء إلى الحلق .

الخامس : تعمد الكذب على الله والأنبياء وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

السادس : رمس ( غمس ) الرأس في الماء .

السابع : الحقنة بمادة سائلة ، أما الجامدة فالأحوط اجتنابها كذلك .

الثامن : الملامسة الجنسية الباطنية ، وإن لم يحصل الإنزال ، وتحدث بها الجنابة .

التاسع : الاستمناء ( إخراج المادة الجنسية التي يبلغ بها صاحبها منتهى شهوته ) .

العاشر : تعمد البقاء على الجنابة وعدم الاغتسال عند طلوع الفجر ، أما إذا استيقظ من نومه بعد طلوع الفجر ووجد نفسه جنبا بالاحتلام ، فلا يبطل صومه ، وكذلك الاحتلام أثناء النهار لا يبطل الصوم ، ويلحق بهذا الفرع الأخير المرأة التي ينقطع دم حيضها أو نفاسها قبل الفجر ولم تغتسل[24] وعند ضيق الوقت يجب التيمم .

والآن تعالوا إلى كيفية التيمم :

(أ) نضرب الأرض الطبيعية ( التراب أولا[25] وبعدمه ، فالحجر الأرضي الغير مصنوع ) بباطن الكفين معا ، ثم نضرب وندلك أحدهما بالا´خر ، ثم نصف الكفين مع ضم الأصابع الأربع لكل منهما وفصل الإبهامين عنهما ، ثم نضع أسفل الكفين بالصورة السابقة على قصاص الشعر ، ثم نمسح بهما الجبهة إلى طرف الأنف الأعلى والجبينين ( الطرفان الصغيران المجاوران للجبهة ) معا يمسحان بالإبهامين ( أرجو الانتباه ) .

( ب ) ثم نمسح ظاهر كف اليد اليمنى بعد ضم الأصابع الخمس لها بباطن كف اليد اليسرى ابتداء من قسم قليل من الساعد ، ونزيد بالمسح قليلا معية إلى الأطراف الثلاثة الأخرى له ( لاستيعاب الظاهر وإحراز براءة الذمة ) ثم نمسح ظاهر كف اليد اليسرى كما مر سابقا ( بدون ضرب الأرض ) .

( جـ ) نضرب الأرض بباطن الكفين مرة أخرى ( احتياطا ) خصوصا إذا كنا في حال الجنابة ، ونمسح ظاهر الكفين فقط ـ كما مر شرحه سابقا ـ مرة أخرى .

تنبيه هام

( أ ) يجب عند التيمم ثبات الرأس عند المسح ، وثبات الكفين عند مسحهما ، لكيلا يكون الممسوح ماسحا . وأكرر مؤكدا وجوب ثبات الرأس عند مسحه حال الوضوء .

( ب ) لا يجوز بصورة عامة الاكتفاء بالتيمم في حال الجروح والكسور ، بل يجب ـ احتياطا ـ ضم التيمم إلى الوضوء أو الغسل ، بغسل المواضع السليمة والمسح على غطاء الجرح أو الكسر ، بشرط طهارته والعجز عن كشفه . ويكفى في المغسل إجراء الماء كالتدهين لا بالسيلان ، وذلك لدرء العسر والحرج ، خصوصا عند الغسل ( وبالله التوفيق ) .

سادسا ـ أيها الوالدان ـ أيها الأولاد ، إياكم أن تتهاونوا في أداء فريضة الحج إن استطعتم ، وإليكم ما يأتي :

( أ ) راجعوا موضوع تارك الحج من هذا الكتاب .

( ب ) يجب عليكم أن تتعلموا مناسك الحج من كتاب مقرر لمرجعكم الديني ، وأتقنوا بحوثه عند أحد العلماء المتقين قبل السفر أو أثناءه .

( جـ ) أهم تلك البحوث :

1 ـ محرمات الإحرام ، بعضها يخص الرجال وبعضها يخص النساء .

2 ـ إتقان الطواف حول الكعبة بالأشواط السبعة ، وذلك بزيادة قليلة قبل الحجر الأسود عند الابتداء بالطواف ، وزيادة قليلة أخرى عند الانتهاء منه بتعدي الجهة للحجر باتجاه باب الكعبة ، وذلك بنية إحراز براءة الذمة في إتمام عدد الأشواط .

3 ـ الرعاية التامة لصحة صلاة الطواف ، ولو بتكرارها مرات عديدة بسبب الازدحام الذي يُعَسر الاستقرار والثبات في ألفاظ الصلاة وأنفالها . فيجب على الحاج ألا يتهاون فيها لأنها من أهم مقومات حجه ، والأحوط أن يستنيب من يصلي نيابة عنه إضافة إلى القيام بها بنفسه ، خصوصا إذا كان أميا وجاهلا باللغة العربية وبأحكام الصلاة .

4 ـ عند السعي بين الصفا والمروة تجاوز الدرجات إلى الأعلى بعد إنهاء كل شوط بنية استيعاب الشوط وإحراز براءة ذمة الإتمام ، حتى إذا كنت راكبا فغادر المركبة واصعد إلى الأعلى ثم عُد إلى مركبتك .

5 ـ يجب على الحاج معرفة مواقف الحج الثلاثة ( عرفات ـ المشعر الحرام ـ منى ) ويجب عليه أن يعين مواقعها وحدودها وينوي الوقوف فيها .

6 ـ يجب على الحاج أن يطبق أحكام الهدى الذي يذبحه يوم العيد، فيختبره بألا يكون هزيلا وناقصا في خلقه وتكوينه ، ويحرز سنه المقررة ، ويحتاط بالأكل من ثلث لحمه ، وإهداء الثلث الثاني إلى أحد المؤمنين ، والتصدق بالثلث الأخير على الفقير . ولدرء العسر والحرج يأخذ وكالة من فقير مؤمن في بلده أو بلد آخر في تحويل الصدقة والهدية إليه بتحريك الذبيحة قليلا مع النية بتسلمه ، ثم يصالحه عند العودة واللقاء بمقدار من المال .

ونهاية المطاف : أنادي إخواني الحجاج الكرام نداء مخلصا :

أولا : يجب عليهم ألا يكتفوا بقراءة السطور حول الحج ، بل عليهم أن يتأكدوا من صحة العمل بها ، ويتحملوا العناء في سبيل إتقان أفعالها ليأمنوا عناء يوم القيامة ، برحمة الله وفضله . فإن فريضة الحج تُؤدى مره واحدة خلال عمر الإنسان ، لذا يجب على الحاج أن يعمل جاهداً ليكون حجه مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى ، ويحذر أن يحج حجٌة مزيٌفة ليكون حاجاً عند الناس ، كما قال تعالى : (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)[26] وليتدبر قول الشاعر :

 

إليـك قصدي لا للبيـت والأثــر

*

ولا طوافــي بأركـان ولا حجــر

صفاء قلبي الصفا لا حيـن أعبره

*

وزمزمي دمعة تجري مـن البصـر

عرفانكم عرفاتي إذ منـى منــن

*

ومشعـري ومقامي دونكـم خطـري

زادي رجائي لكم والشـوق راحلتي

*

والماء من عبراتي والهـوى سفري

ومسجد الخيف خوفي مـن تباعدكم

*

والهدى جسمي الذي يغني عن الجزر

 

تنبيه هام

( أ ) يجب عند التيمم ثبات الرأس عند المسح ، وثبات الكفين عند مسحهما ، لكيلا يكون الممسوح ماسحا . وأكرر مؤكدا وجوب ثبات الرأس عند مسحه حال الوضوء .

( ب ) لا يجوز بصورة عامة الاكتفاء بالتيمم في حال الجروح والكسور ، بل يجب ـ احتياطا ـ ضم التيمم إلى الوضوء أو الغسل ، بغسل المواضع السليمة والمسح على غطاء الجرح أو الكسر ، بشرط طهارته والعجز عن كشفه . ويكفى في المغسل إجراء الماء كالتدهين لا بالسيلان ، وذلك لدرء العسر والحرج ، خصوصا عند الغسل ( وبالله التوفيق ) .

سادسا ـ أيها الوالدان ـ أيها الأولاد ، إياكم أن تتهاونوا في أداء فريضة الحج إن استطعتم ، وإليكم ما يأتي :

( أ ) راجعوا موضوع تارك الحج من هذا الكتاب .

( ب ) يجب عليكم أن تتعلموا مناسك الحج من كتاب مقرر لمرجعكم الديني ، وأتقنوا بحوثه عند أحد العلماء المتقين قبل السفر أو أثناءه .

( جـ ) أهم تلك البحوث :

1 ـ محرمات الإحرام ، بعضها يخص الرجال وبعضها يخص النساء .

2 ـ إتقان الطواف حول الكعبة بالأشواط السبعة ، وذلك بزيادة قليلة قبل الحجر الأسود عند الابتداء بالطواف ، وزيادة قليلة أخرى عند الانتهاء منه بتعدي الجهة للحجر باتجاه باب الكعبة ، وذلك بنية إحراز براءة الذمة في إتمام عدد الأشواط .

3 ـ الرعاية التامة لصحة صلاة الطواف ، ولو بتكرارها مرات عديدة بسبب الازدحام الذي يُعَسر الاستقرار والثبات في ألفاظ الصلاة وأنفالها . فيجب على الحاج ألا يتهاون فيها لأنها من أهم مقومات حجه ، والأحوط أن يستنيب من يصلي نيابة عنه إضافة إلى القيام بها بنفسه ، خصوصا إذا كان أميا وجاهلا باللغة العربية وبأحكام الصلاة .

4 ـ عند السعي بين الصفا والمروة تجاوز الدرجات إلى الأعلى بعد إنهاء كل شوط بنية استيعاب الشوط وإحراز براءة ذمة الإتمام ، حتى إذا كنت

راكبا فغادر المركبة واصعد إلى الأعلى ثم عُد إلى مركبتك .

5 ـ يجب على الحاج معرفة مواقف الحج الثلاثة ( عرفات ـ المشعر الحرام ـ منى ) ويجب عليه أن يعين مواقعها وحدودها وينوي الوقوف فيها .

6 ـ يجب على الحاج أن يطبق أحكام الهدى الذي يذبحه يوم العيد، فيختبره بألا يكون هزيلا وناقصا في خلقه وتكوينه ، ويحرز سنه المقررة ، ويحتاط بالأكل من ثلث لحمه ، وإهداء الثلث الثاني إلى أحد المؤمنين ، والتصدق بالثلث الأخير على الفقير . ولدرء العسر والحرج يأخذ وكالة من فقير مؤمن في بلده أو بلد آخر في تحويل الصدقة والهدية إليه بتحريك الذبيحة قليلا مع النية بتسلمه ، ثم يصالحه عند العودة واللقاء بمقدار من المال .

ونهاية المطاف : أنادي إخواني الحجاج الكرام نداء مخلصا :

أولا : يجب عليهم ألا يكتفوا بقراءة السطور حول الحج ، بل عليهم أن يتأكدوا من صحة العمل بها ، ويتحملوا العناء في سبيل إتقان أفعالها ليأمنوا عناء يوم القيامة ، برحمة الله وفضله . فإن فريضة الحج تُؤدى مره واحدة خلال عمر الإنسان ، لذا يجب على الحاج أن يعمل جاهداً ليكون حجه مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى ، ويحذر أن يحج حجٌة مزيٌفة ليكون حاجاً عند الناس ، كما قال تعالى : (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)[27] وليتدبر قول الشاعر :

 

إليـك قصدي لا للبيـت والأثــر         *        ولا طوافــي بأركان ولا حجــر

صفاء قلبي الصفا لا حيـن أعبره          *        وزمزمي دمعة تجري مـن البصـر

عرفانكم عرفاتي إذ منـى منــن          *        ومشعري ومقامي دونكـم خطـري

زادي رجائي لكم والشـوق راحلتي         *        والماء من عبراتي والهـوى سفري

ومسجد الخيف خوفي مـن تباعدكم         *        والهدى جسمي الذي يغني عن الجزر

              

ثانيا : يجب على الحاج أن يسعى ليكون حجه مبرورا ، وذلك بالاستغفار من ذنوبه . ويتحلل ممن ظلمه ولو بكلمة واحدة قد أهانه بها ، ويحذر أن يكون قاطعا للرحم فيصل أرحامه وإن قطعوه أو كانوا فاسقين حتى في ترك الصلاة ، ويحذر كذلك أن يكون هاجراً لأخيه المؤمن أكثر من ثلاثة أيام ( استفت العلماء ) . كذلك يجب عليه أن يزكى جميع أمواله ولا يقتصر على نفقة الحج فقط ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم )[28].

فهل يدري الحاج أنه سيرجع إلى بلده ليتمتع بأمواله التي جمعها وعددها ؟ كلا . فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت إن الله عليم خبير )[29].

ثالثا : هو أهم النداءات لأنه يهدف إلى زيادة الإيمان وتثبيته في القلب ، وذلك أن ينظر الحاج إلى سماء مكة المكرمة ويتصور تلك الطيور التي أرسلها الله سبحانه وتعالى وقد حُمل كل طير ثلاثة أحجار صغيرة بحجم ما بين العدسة والحمصة ، أحدها في منقاره والآخران في رجليه ، فرمت تلك الطيور بالأحجار ذلك الجيش العظيم الجبار الذي دخل مكة ليهدم بناء الكعبة ، فدمرته تدميراً كما قال تعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول ) معنى العصف : العلف الناتج من الحبوب . فالمقصود أن أفراد الجيش قد دُمروا جميعا بصورة أن أجسامهم قد أصبحت مطحونة كالعلف بعد أن يأكله الحيوان ( كما بحثت السورة ، والله أعلم ) .

فليفكر الحاج : هل هذه القصة خيالية ؟ كلا . إنها وقعت وتواتر وقوعها . فمن شك فيها كان مثله كمن شك في وجوده . لذلك خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ير الحادثة لأنه ولد في عامها « عام الفيل » بل رآها بوجدانه وعقله لشهرتها بين الناس ، وإجماع المؤرخين على حدوثها .

كيف وقعت الحادثة ؟ اتخذ العلماء الواعون هذه الحادثة من أعظم الدلائل على وجود الله سبحانه وتعالى ، لأن حدوثها خارج عن مظاهر الطبيعة وأسبابها وذلك كما يلي :

( أ ) هل الطبيعة تُحمل الطيور أحجاراً بالمظهر الذي مر ذكره ؟

( ب ) هل الطبيعة تولد تلك الطاقات الجبارة في تلك الأحجار الصغيرة لتبيد آلافا من الرجال وتقطع أجسامهم إربا إربا ؟

هيهات ، هيهات ! فإن حادثة الفتك والهلاك أحدثها رب محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ألم تر كيف فعل ربك ) وكذلك هو ربنا ورب العالمين ، وهو الذي نادى رسوله أيضاً (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )[30].

فليكن النداء الأول (ألم تر كيف فعل ربك ) منبها للحاج وللقراء الأعزاء ليتبعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وفي النداء الثاني (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وليسلكوا سبيله في عبادة ربهم حتى يأتيهم اليقين ( يعني الموت ) وليحذروا أن يأتيهم الموت بغتة وهم ساهون لاهون ، وعن طاعة ربهم معرضون فإن الله سبحانه وتعالى سيعذب المجرمين يوم القيامة بأحجار عذابها أكبر من الأحجار التي رمي بها أصحاب الفيل أضعافا مضاعفة في الشدة والمدة ويشاركهم أصحاب الفيل أيضا وذلك لأنها نارية ، ويمتد عذابها لمدة طويلة قد تكون آلافا من السنين ، أو أبدية مضافاً إليها مظاهر أخرى من العذاب ( نعوذ بالله ) كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)[31] .

أيها الآباء ! قفوا عند هذه الآية الكريمة بقلوبكم ، وتدبروها بوعي تام لتجدوا أنفسكم مسؤولين عن أزواجكم وأولادكم ، فأنتم قوامون عليهم . فليس المعنى أنكم تقومون عليهم بالاستعلاء والطغيان والظلم والعدوان ، بل هو أن تقوموا عليهم بتقويم أخلاقهم بعد تقويم أنفسكم ، لتكونوا آمنين من عذاب الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ، كما أشار الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة (قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) .

أيها الآباء ! احذروا عقاب ربكم في أن تمتعوا أنفسكم وأهليكم بخيرات الدنيا فقط ، وتعرضون عن العمل لخيرات الآخرة ( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ) فتبتهجون وتسرون لمظاهر الحياة الطيبة من أموال ومساكن وأولاد وأزواج ومناصب وغيرها من فروع الزينة والجمال . فإذا كانت تلك هي أكبر همكم لا تفرحون إلا بنيلها ولا تحزنون إلا لفراقها وفقدانها ، فسيكون جزاؤكم قول الله سبحانه وتعالى : ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا )[32] .

وقال تعالى أيضا : ( كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق * فلا صدق ولا صلى * ولكن كذٌب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) ( أواخر سورة القيامة ) .

أيها الآباء ! لا يغرنكم الشيطان فيوسوس في صدوركم فتقولون : « حالنا كحال الناس . أولادنا كأولاد الناس . أزواجنا كأزواج الناس « حشر مع الناس عيد » أخشوا يوما يحشر الله فيه الناس كما يقول سبحانه وتعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)[33] .

فالعيد سنقلب إلى عذاب الله الشديد في ناره التي يقول لها هل امتلأت وتقول هل من مزيد . ( نعوذ بالله ) . فبادروا وسارعوا إلى تأديب أنفسكم وأهليكم بآداب الإسلام .

أيها الآباء ! تدبروا الآيات القرآنية الآتية لعكم ترحمون ، باجتناب الغرور بأكثرية الناس وأغلبيتهم في هجر الحق .

( أ ) (وإن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)[34] .

( ب ) ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)[35] .

( جـ ) ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعكم تفلحون )[36] .

( د ) ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون )[37] .

أيها الآباء ! احذروا وحذٌروا أهليكم معاشرة الفجار الفاسقين ، وذلك بعد وعظهم ونصحهم واليأس من إهتدائهم ، فإنهم كالمرضى بالأمراض السارية يسري مرضهم إلى من يختلط معهم .

كما قال الشاعر :

لا تربط الجرباء حـول صحيحــة

*

خوفــي على تلك الصحيحة تجـرب

 

وهناك مثل آخر أشار إليه الشاعر الآخر :

صاحب أخا ثقة تحظـى بصحبتــه

*

فالطبع مكتسب من كــل مصحـوب

كالريــح آخذة مما تمـر بــــه

*

نتناً مــن النت أو طيباً من الطيـب

 

فراقبوا أزواجكم وأولادكم بجد واجتهاد ، ودققوا في اختيار سلوكهم خارج مساكنهم ، فإن الله سبحانه وتعالى سيسألكم ويحاسبكم على ذلك .

أيها الآباء ! احذروا وحذٌروا أهليكم هجر القرآن فرتلوه كل يوم ( صفحة واحدة على الأقل ) وزكوا أنفسكم بالاستماع له والإنصات من الإذاعات والمسجلات[38] وفكروا في معانيه ، واعملوا بأوامره وأحكامه ، فإن لم تفعلوا فسيشكوكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم القيامة الخطير ، كما يقول الله تعالى : ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا * وقال الرسول يا ربٌ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا )[39] .

فيا حسرة على قوم يقرأون عشرات من الكتب المدرسية والصحف والمجلات ليتمتعوا بها في دنياهم ، ولا يقرأون كتاب الله المجيد ليتمتعوا به في دنياهم وآخرتهم ( وما يذكر إلا أولو الألباب) .

أيها الآباء ! تعلموا الأحكام الفقهية من العلماء المتقين ، بدراسة كتبهم ولقائهم ومقابلتهم ، وعلموها أهليكم وزودوهم بها كما تزودونهم بالطعام والشراب واللباس ولوازم الحياة ، وبينوا لأزواجكم وبناتكم بصورة خاصة أحكام الدماء الثلاثة ( الحيض ـ الاستحاضة ـ النفاس ) لأن الجهل بها ـ كما مر سابقا ـ يبطل عباداتهن الصلاة والصوم والحج وغيرها من الأمور الشرعية .

أيها الآباء ! تدبروا قول الله سبحانه وتعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين )[40] .

فيجب عليكم أن تدرءوا الفساد عن أنفسكم وأهليكم ، ومن أخطر مظاهر الفساد هو الانحراف عن سبيل الرشاد في الحياة الجنسية، فاتقوا ربكم فيها فإنه قريب إليكم ورقيب عليكم ، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور من الشهوة الخبيثة ، فأطيعوه وانصحوا أهليكم بما يأتي :

( أ ) الحذر من النظر إلى الأفلام الخليعة والصور المثيرة للغريزة الجنسية .

( ب ) حذر الذكر من نظرته الخائنة إلى الأنثى والذكر ، وحذر الأنثى من نظرتا الخائنة إلى الرجل والمرأة . إن هذين الأمرين هما بمثابة شرارتين خطيرتين تؤديان إلى حرائق عاتية تشب في بناء الإنسانية فتدمر فضيلتها وكرامتها تدميرا . وتلك الحرائق هي . . الزنى ـ اللوط ـ المساحقة ـ العادة السرية ـ جرائم القتل ـ جرائم الانتحار . أمراض عصبية وأخطرها الهستريا وهي الناتجة من الكبت الجنسي .

أيها الوالدان . أيها الأولاد ! أودٌ هنا أن أرسلها إليكم صيحة ناصحة فأناديكم قائلا : « هل يطيق أحدكم أن يمرض بالتهاب بسيط في عينيه أياما قلائل ؟ كلا . فكيف بهما إذا التهبتا مع باقي الأعضاء من الجسد بلهب نار جهنم سنوات كثيرة ، قد تمتد إلى الآلاف ؟ ! ! ( نعوذ بالله ) وأعتقد بأنكم تميزون النظرة الخائنة في إحدى نظرتين :

الأولى : نظرة إلى طفل جميل أو طفلة جميلة .

الثانية : نظرة إلى شاب جميل أو فتاة جميلة .

فاستغفروا ربكم ( أيها الإخوة والأخوات ) ، فإن الله يغفر الذنوب جميعا .

ونهاية المطاف : إن الحصن المنيع ضد أخطار الجنس هو حجاب المرأة بصورة تصد إثارة الغريزة الجنسية ، وتكبح جماح شهواتها وأهوائها . وقد أسهب الكتاب وأطنبوا في بحوثهم حول الحجاب . ولكنني هنا أود بتوفيق الله تعالى أن أقدم للقراء الأعزاء خلاصة ما كتبوه ولب ما شرحوه ، ليكون منهاجا لأولي الألباب يثبتونه في قلوبهم ، فيقبتون بذلك على العفة والغيرة ، ويستقيمون على مكافحة ما يفسد النفوس ويهوي بها أسفل سافلين .                  

 


[1] نهاية سورة الكهف

[2] الأنعام/ 162

[3] سورة الإخلاص

[4] سورة الفلق

[5] سورة الناس

[6] الإسراء / 80

[7] الإسراء / 81

[8] الأحزاب / 46

[9] أوائل سورة يس

[10] الأحزاب/ 1 ـ 2

[11] المائدة/ 67

[12] الأعراف/ 157

[13] الأحزاب/ 40

[14] يُستثنى بول وفضلات الحيوانات التي يحل أكل لحمها ومنها الخيل والحمير على كراهة فلا نجاسة فيها .

[15] يُستثنى دم البعوض والسمك فهو طاهر ، إلا حين مصٌ البعوض لدم الإنسان .

[16] كعرق الجنب من الحرام على الأحوط .

[17] والجدير بالذكر هو أنه إذا طرأت للمصلى أثناء قراءته حركة غير اختيارية يجب عليه إعادة ما قرأه متحركا .

[18] ويثبت الرأس عند المسح لكيلا يكون الممسوح ماسحا .

[19] نؤدي هذا التجاوز وما قبله في الوضوء لأجل أداء ما في الذمة ، كبائع القماش الذي يزيد قليلا في القياس عند الابتداء والانتهاء .

[20] قال الشاعر :

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتــه * أتطلب الربح فيما فيــه خسـران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بــالجسم إنسـان

[21] راجع أبيات الشعر (19 ـ 20 ـ 21) رجاء

[22] من لم يرد الاحتياط فليعمل بفتوى من يثق به من العلماء المتقين .

[23] كذلك البصاق عدة مرات بعد المضمضة .

[24] كذلك المستحاضة التي يجب عليها الغسل .

[25] أيها القارئ العزيز : أنصحك مخلصا بأن تزود مسكنك وحقيبة السفر بكيس صغير من التراب للتيمم عند الوجوب .

[26] نهاية سورة الكهف

[27] نهاية سورة الكهف

[28] آل عمران / 92

[29] نهاية سورة لقمان

[30] نهاية سورة الحجر

[31] التحريم : 6

[32] سورة الانشقاق

[33] أوائل سورة الحج

[34] البقرة / 243

[35] الروم / 30

[36] المائدة / 100

[37] الأنعام / 116

[38] استجيبوا لنداء الرحمن الذي علم القرآن : ( وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) . واحذروا عداوة الشيطان في ندائه : وإذا غنى المغنون والمغنيات ، فاستمعوا لهم وأنصتوا لعلكم من رحمة الله تحرمون .

[39] الفرقان / 27 . . 30

[40] القصص : 83