|
قصص الزواج
( مقتطفات من تفسير القرآن الكريم وكتب قصص الأنبياء )
أولاً : زواج النبي إبراهيم عليه السلام : لقد كافح وجاهد النبي إبراهيم عليه السلام في سبيل ربه لهداية قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام وذلك في « بابل » في أرض العراق ، حتى آل الأمر أنه دمر أصنامهم بالطريقة المشهورة التي ذكرها القرآن الكريم[1] وكان « نمرود بن كنعان » قد بسط سلطانه عليهم فإنه قد طغى وتجبر حتى ادعى الربوبية . فلما جاء حدث تدمير الأصنام عزم قومه أن يحرقوا إبراهيم عليه السلام بالنار انتقاما لما فعله بآلهتهم ، فحبسوه في بيت كما قال تعالى : ( قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم)[2] ثم جمعوا له من أصلب الحطب وأصناف الخشب حتى إنه كانت المرأة إذا مرضت تقول : لئن شفيت لأجمعن حطباً لإبراهيم . وكانت تنذر لما تحب أن تدركه لئن أصابته لتحتطبن حطبا وتجعله في النار التي يحرق بها إبراهيم احتساباً في دينها . فكانوا يجمعون الحطب شهرا حتى إذا كثر وجمعوا منه ما أرادوا أشعلوا النار فتوهجت إلى درجة أنها إذا مر الطير بها يحترق من شدة وهجها . ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه ورموا به إلى النار في موضع شاسع ، فاستقبله جبريل عليه السلام فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا . قال جبريل : فاسأل ربك . فقال إبراهيم عليه السلام : « حسبي من سؤالي علمه بحالي ، حسبي الله ونعم الوكيل » أجل : إن الله سبحانه وتعالى قد نصره لأنه قد نصر دينه ، فقال تعالى : (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)[3] فانقلبت النار إلى روضة خضراء وإبراهيم جالس فيها (فاعتبروا يا أولى الألباب) ثم خرج بعد ذلك من بلده فارا بدينه إلى ربه ، وسكن ( حرٌان ) حوالي الشام ، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث ، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى ، وكانت زوجته « سارة » من أحسن النساء وأجملهن ، وكانت تقية مطيعة لزوجها ولا تعصيه في شيء ، وقد ذكر أن إبراهيم عليه السلام قد أودع زوجته « سارة » في صندوق حين سفره ، وذلك غيرة عليها من إشراف أنظار الناس عليها ، فلما وصل إلى مصر أجبره فرعون أن يفتح الصندوق . فلما رأى زوجته بذلك الجمال الرائع أهوى إليها ليتناولها بيده ، فيبست يده إلى صدره . فلما رأى فرعون الجبار ذلك أعظم أمرها وقال : سلي ربك أن يطلق يدي ، فو الله لا آذينك . فقالت « سارة » : « اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده » . فأطلق الله يده . وقد فعل ذلك ثلاث مرات قصد أن يتناولها فيبست يده . روى أن إبراهيم عليه السلام قال له : « إن الله غيور يحب الغيور » . فكن أيها الزوج غيورا على زوجتك ، ولا أقول لك أودعها في صندوق خشبي أو حديدي ، بل أودعها في صندوق العفة والحشمة لتكسب محبة الله وتأييده ونصره . ثم وهب فرعون مصر جارية اسمها « هاجر » إلى « سارة » إجلالا لما رآه من مكانتها السامية عند الله تعالى ، وبعد ذلك وهبت ( سارة ) جاريتها « هاجر » إلى زوجها إبراهيم عليه السلام » ، فقالت له : « إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله تعالى يرزقك منها ولدا » . وكانت سارة قد مُنعت الولد حتى أسنت[4] ، فتزوج إبراهيم عليه السلام بهاجر فولدت له « إسماعيل » عليه السلام . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما) . ثانيا : زواج النبي « موسى » عليه السلام : لما تآمر زبانية فرعون على قتل « موسى » عليه السلام ، خرج متوجها تلقاء أرض « مدين » داعيا الله أن ينجيه من القوم الظالمين ، وأن يهديه سواء السبيل . فلما ورد ماء مدين وجد جماعة من الناس يسقون مواشيهم من البئر ، ووجد من دونهم امرأتين تمنعان غنمهما . فسألهما عن ذلك ، فأخبرتاه بأنهما تنتظران حتى يفرغ الرعاء من السقي لأنهما لا تقويان على المزاحمة، ووالدهما كبير السن لا يستطيع الحضور للسقي . فرق قلبه لهما فأسرع إلى بئر كان على رأسها صخرة عظيمة ، وكان النفر من الرجال يجتمعون إليها حتى يرفعوها ، فرفع « موسى » عليه السلام الصخرة ، وأخذ دلوا لهما وقال لهما : قدما غنمكما . فسقى لهما الأغنام حتى أرواها ، فرجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس. فقال لهما : ما أعجلكما وأسرع رجوعكما . قالتا : وجدنا رجلا صالحا فرحمنا فسقى لنا أغنامنا . فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه إليٌ . فجاءته إحداهما وهي تمشي على استحياء قالت له : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فقام موسى ، فتقدمته وهو وراءها ، فهبت ريح فألصقت ثوب المرأة بردفها . فكره موسى أن ير ذلك منها ، فقال لها موسى : امشي خلفي ودليني على الطريق . فإذا أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجا ، فإنا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء ( تدبر هذا المشهد أيها القارئ العزيز ـ وخذ منه درسا رائعا للعفة والفضيلة الجنسية ) فنعتت المرأة الطريق لموسى إلى منزل أبيها ومشت خلفه ، حتى دخل على أبيها « شعيب » بناء على المشهور. وهناك من خالف هذا المشهور ورفض أن يكون « شعيب » والد ألامرأتين ، بل هو شخصية أخرى[5] . فسأل الوالد موسى عن حاله وقصته فأخبره الخبر . فقال له : لا تخف نجوت من القوم الظالمين . فقالت إحداهما وهي التي كانت الرسول إلى موسى : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين . فقال لها أبوها : إنك عرفت قوته من رفع الصخرة على البئر ، فكيف عرفت أمانته ؟ فأخبرته بما أمرها موسى من استدبارها إياه في الطريق . فازداد فيه الأب رغبة فزوجه ابنته التي جرت قصة الطريق منها . ورعى له موسى عشر سنين . ذكرى لأولى القلوب الواعية : أختي العزيزة : هكذا انتخبي الزوج ومحصى واختبري السلامتين في بدنه وروحه ، واحذري الاقتصار على اختيار صحة بدنه وجمال صورته . رواية طريفة : روى أن موسى عليه السلام لبث عند شعيب ما شاء الله ، ثم استأذنه في الانصراف مع زوجته واسمها « صفورا » فأذن له وقال له : ادخل هذا البيت وخذ عصا من العصى لتكون معك تدرأ بها السباع عنك وعن غنمك ـ وكانت عصا الأنبياء عند شعيب ـ فلما دخل موسى البيت وثبت إليه العصا فصارت في يده ، فخرج بها فقال شعيب : ردها وخذ غيرها . وذلك أن شعيبا كان قد أخبر بأمر العصا ، ولم يدر شعيب أن صاحبها هو موسى . فردها موسى إلى البيت فألقاها وذهب ليأخذ غيرها . فوثبت الأولى حتى صارت في يده . ففعل ذلك مرارا فقال له شعيب : ألم أقل لك خذ غيرها ؟ فأخبره موسى بما جرى ، فعلم شعيب أن ذلك أمر يريده الله تعالى ، فقال له : خذها . ثالثا : تزويج سعيد بن المسيب[6] : إنه شخصية إسلامية مشهورة ، فقد خطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته إلى ولي عهده « الوليد بن عبد الملك » ، وكانت من أحسن النساء جمالا وكمالا وأعلمهن بكتاب الله وسنة رسوله ، ولكن سعيد بن المسيب لم يتردد في الاعتذار عن ذلك ، وأصر عليه رغم ما أوقعه به عبد الملك من إيذاء ، حتى ضربه مائة سوط لما عرف به الوليد من مجون واستهتار . وعاد سعيد بن المسيب إلى المدينة المنورة فزاره عبد الله بن أبي وداعة أحد تلامذته فسأله عن حاله ، وعلم منه وفاة زوجته فقال له : « هلا استحدثت امرأة ؟ » فقال : يرحمك الله تعالى ، ومن يزوجني وما أملك سوى درهمين أو ثلاثة ؟ ! فقال له سعيد : أنا أزوجك . . ! قال : وتفعل ؟ ! قال : نعم . فزوجه ابنته على درهمين أو ثلاثة . وهكذا آثر سعيد بن المسيب الفقير التقى الذي توفرت له الكفاءة في الدين على الأمير الغني الذي يفتقر إليها . ولم يكتف بذلك بل بلغ به الاطمئنان والثقة في دين ذلك الفقير . يقول عبد الله بن أبي وداعة : « فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح . . فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وممن أستدين ؟ فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي ، فأسرجت وكنت صائما فقدمت طعامي لأفطر وكان خبزاً وزيتا ، وإذا بابي يقرع فقلت : من هذا ؟ قال : سعيد . ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ، وذلك أنه لم يُر أربعين سنة إلا بين داره والمسجد . فخرجت إليه فإذا به سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدا له . فقلت : يا أبا محمد . . لو أرسلت إليٌ لأتيتك . فقال : لا . . . أنت أحق أن تؤتى . قلت : فما تأمر ؟ قال إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت ، فكرهت أن تبيت هذه الليلة وحدك . وهذه امرأتك . . !! وإذا هي قائمة خلفه في طوله . ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورده ، فسقطت المرأة من الحياء . فصعدت السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا : ما شأنك ؟ قلت: ويحكم !! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم !! وقد جاء بها الليلة على غفلة . فقالوا : أو سعيد زوجك ؟ !! قلت : نعم . قالوا : وهي في الدار ؟!! قلت : نعم . فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي ، فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام . فأقمت ثلاثا ثم تزوجتها ، فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعرفهم بحق الزوج . فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته العلمية ، فسلمت عليه فرد على السلام ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس . فقال : ما حال ذلك الإنسان ؟ فقلت : بخير يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو . فانصرفت إلى منزلي فوجه إلى بعشرين ألف درهم » . فما أعظم اطمئنان ذلك الوالد إلى مصير ابنته ، حتى إنه لم يفكر في استقصاء أحوالها لأنه علم أنها في كنف رجل تقي يخشى الله تعالى ، ويعرف حقها عليه ، ومكانتها منه . أيها الآباء الأغنياء : متعوا بناتكم بحياة طيبة بتزويجهن للفقراء الأبراء وأغنوهم من أموالكم لتكسبوا ذرية مطيعة لرب العالمين وذلك هو الفوز العظيم . [1] راجع سورة الأنبياء ( 57 . . . 67 ) الآيات . [2] الصافات : 97 [3] الأنبياء : 69 [4] اقتضت حكمة الله تعالى أن تلد « سارة » بعد ذلك « إسحاق » وكان عمرها تسعين سنة ، فسبحان الله لهذا الحدث الخطير الكبير ، جل جلاله وعظمت قدرته . [5] راجع كتاب قصص الأنبياء : تأليف عبد الوهاب النجار . [6] عن كتاب إحياء العلوم للغزالي ( كسر الشهوتين ) .
|