|
لكي تطمئن القلوب
أولاً : ـ لقد درس الفيلسوف الشهير « جان جاك روسو » حركة الكون بما فيه من ملايين لا تعد ولا تحصى من النجوم والكواكب والكائنات الأخرى ، فتوصل بعبقريته الرفيعة إلى الاعتراف بمحرك حكيم عليم لهذا العالم وهو خارج عنه . والجدير بالذكر هو أن « روسو » من أشهر الفلاسفة الفرنسيين بل العالم كله ، فهو الذي اشتهر بإصدار نظرية «العقد الاجتماعي» ، ويعتبر أكبر محفز للثورة الفرنسية بما بثه في النفوس من تعاليم وأفكار تلقاها زعماء الثورة من مؤلفاته ومقالاته، فأحرزوا النصر في كفاحهم الثوري . لقد بين « روسو » أن الحركة لا تتصف بها المادة بصورة أصلية ذاتية ، بل هي صادرة من سبب خارج عنها ، ويستحيل أن نفترض بأنها إرادية فيها ، لأن هذا الوجود المشاهد[1] ليس في مجموعه حس عام كما يوجد بين أجزاء الجسد الحي فلا يتحرك بذاته وإرادته ، فحركاته آتية إليه من سبب خارج عنه ، وهو كائن عاقل يتحرك الكون بقوته وإرادته[2] . ثانيا : ـ يقول الملحدون بتعبيرٍ آخر إن الطبيعة والصدفة هما السببان لوجود هذا الكون ، فنقول لهم : (أ) الطبيعة : كلمة يجب على الناطق بها أن يعين مفهومها ووجودها ، وإذا لم يتحقق ذلك فكيف يحصل الاسم بغير وجود المسمى ؟ هل الطبيعة هي المادة نفسها ، أو أن لها وجوداً خارجاً عن المادة ؟ فإذا اعتبرها القائل بها أنها هي المادة ، فيستحيل عليه (إذا كان باحثاً محققا ) أن يزعم أن تلك المادة هي المتطورة والمُطورة، والصانعة والمصنوعة في آن واحد . فهل يجوز لنا مثلا أن ندعي أن مادة الخشب تصنع الكرسي بطبيعتها ، أو أن مادة الحديد تصنع السيارة بطبيعتها ؟ كلا ثم كلا . وكذلك لا يجوز لنا أن نتصور أو نحتمل أن مادة الكون هي التي أوجدت وأنشأت الكائنات بطبيعتها . (فكر وتأمل) ـ فلكل مصنوع صانع ، ولكل بناء بان (كما مر) وذلك من الأمور البديهية بالنسبة لخصائص المادة ـ فكما أن الذرات لها خصائص كيمياوية وفيزياوية لا تحيد عنها ، كذلك من خصائصها اللازمة لها منذ وجودها أنها لا تسير ولا تتغير ولا تتطور إلا بمؤثر خارج عنها . ولزيادة الإيضاح نقول إن مواد الصناعة والبناء لها خصائصها الطبيعية ، ولكن تلك الخصائص لم تكن هي المنتجة للمصنوعات والمنشآت ، بل يتم الإنتاج بأيدي العلماء والمفكرين والعمال الواعين المتعلمين. فماذا تقول إذن ـ أيها القارئ العزيز ـ في المصنوعات الكونية والمنشآت العالمية التي لا تعد ولا تحصى . . من نبات وحيوان وجماد ، وقد أُتقن صنعها وأحكم إنشاؤها ؟ أليس ذلك دليلا قاطعاً على وجود خالق حكيم أنشأ تلك الموجودات ؟ ـ انتهى شرح موضوع « الطبيعة » التي تُعتبر هي المادة . والآن نبحث عن الطبيعة التي تعتبر خارجة عن المادة ، فنقول إن هذا الاعتبار يكون على إحدى الصور التالية : (أ) وجود الطبيعة مع المادة والعالم. (ب) ظهورها بعد نشأة الكون. (جـ) كونها قبل خلق الموجودات والكائنات. أما الصورة الأولى فغير معقولة ، وأما الصورة الثانية فمستحيلة ، بقيت الصورة الثالثة وهي وجود الطبيعة قبل المادة والكون ، وذلك في حالة أزلية لا ابتداء فيها ، فأرادت إيجاد العالم فأوجدته بخلق مادة بطريقة لا تدركها العقول ، وتصرفت فيها بحكمة وتدبير فنشأت المخلوقات المحيرة للعقول وذلك مما لا ريب فيه . فإذا كان ذلك فلماذا لا نسمي تلك الطبيعة بكلمة الله ؟ ولماذا لا نعتبر مفهوم الطبيعة تلك القوانين والخواص التي أودعها الله تعالى في مادة الكون بإرادته الحكيمة ، والتي ظهر منها (علم الطبيعيات) ؟ وبعد هذا كله فإن أملي وطيد أن يكون البحث عن الطبيعة قد طُبع على صفحات القلوب الواعية ، فتبرز خاشعة لطبيعة الله (ذاته) الحكيمة العليمة التي أبدعت طبائع الكائنات التي تسبح لخالقها العزيز الحكيم. (ب) أما الصدفة : فهي حدوث شيء ووقوع أمر بغير قصد واختيار ، ولكننا مع ذلك نجد أسباباً وعوامل لحدوث مظاهر تلك الصدفة ونضرب لذلك مثلين : 1 ـ خرج طفل من داره فصادفته سيارة ودهسته . فهذه الصدفة لها أسباب عديدة أهمها : حركة الطفل وجهله أو غفلته في السير ، وكذلك حركة السيارة وغفلة سائقها وتسامحه في مراعاة السرعة المناسبة. 2 ـ دخل شخص في بناء قديم فتهدم البناء عليه عند دخوله فخر ميتا ، فهذه الصدفة سببها حركة الشخص ووصول تفكك أجزاء البناء إلى نهايته عند وصول الشخص المذكور إليه. أيها القارئ العزيز : أمعن النظر في المثلين السابقين وفكر في أسباب حدوث الكون، وسر في ميادينها وانظر بفكرك الثاقب إلى أين يكون المستقر. ثالثا : ـ خذ عشرة بنسات كلا منها على حدة ، وضع عليها أرقاماً مسلسلة من (1 ـ 10) ، ثم صفٌها في جيبك وهزها هزاً شديداً ، ثم حاول أن تسحبها من جيبك حسب ترتيبها من (1 ـ 10) ، فتكون فرصة سحب البنس رقم (1) هي بنسبة (1) إلى (10) ، وفرصة سحب رقم (1) إلى (2) متتابعين هي بنسبة (1) إلى (100) وفرصة سحب (1) ، (2) ، (3) ، (4) متوالية هي بنسبة (1) إلى (10000) وهكذا حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول هي بنسبة (1) إلى عشرة بلايين (كما تقرر في القانون الرياضي الثابت) . والغرض من هذا المثل البسيط هو أن نبين لك كيف تتكاثر الأعداد بشكل هائل ضد المصادفة العمياء على أي أرض وفي أي وقت ، لذلك لا بد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد ، ولا بد أن يكون هناك هدف[3]. رابعا : المتاحف الأثرية : من شاهد عرض المتاحف الأثرية يحكم عليها بأنها إنشاء وإنتاج أمم ماضية حسب ظروفها الخاصة وتطورها العقلي . فإذا سمع قائلا يقول : إن تلك الموجودات التي في المتحف تكونت في باطن الأرض بالصدفة العمياء بمرور الزمن والأجيال ، فإنه يضحك منه لأن قوله ينافي التفكير السليم . فكيف إذن بمن يزعم أن هذا العرض الفخم الرائع في متحف الكون ، الذي يضم مظاهر صنع الله وإنشائه قد صدر بغير تعقل ووعي ؟ ليس لنا إلا أن نعتقد بأنه مصاب بمرض عقلي أو تخلف فكري. ولإيضاح البحث : لو رأينا تمثالا بشريا في المتحف قد أنشئ من مادة حجرية أو معدنية ، فهل يزعم أحد في العالم بأن التمثال قد نشأ من تطورات مادية في باطن الأرض ؟ كلا ، مع العلم بأن التمثال ليس له إلا مظاهر خارجية جامدة ، فكيف إذن بجسد الإنسان وتمثاله الذي حيٌرت وأدهشت مظاهره الداخلية والخارجية عقول الأطباء وعلماء التشريح ؟ قال أحد الحكماء : «أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم وينطق بلحم ويسمع بعظم ». خامساً : ـ إذا ضل سائق سيارة طريقه في صحراء ، فإنه يبحث عن طريق السيارات من آثار عجلاتها على الأرض . فإذا وجد الآثار فإنه يحكم. بمرور السيارات من تلك الجهة ، ويفرح لنجاته من خطر الضلال . فماذا تقول ـ أيها القارئ العزيز ـ في حق من يقول : إن تلك الآثار على الأرض تكونت من نفسها وطبيعتها بمرور الأجيال والأحقاب ؟ أعتقد بأنك تعتبره سفيها لأنه تعدى حدود الفطرة السليمة للتعليل والاستدلال. وكذلك الاعتبار في حق من يزعم أن الموجودات الكونية ليست من آثار خالق مدبر حكيم ، بل تكونت بالصدفة وتطور الطبيعة . مع أن حكمة تكوينها أعظم من حكمة آثار عجلات السيارات بصورة لا يمكن قياسها أو وزنها. سادساً : ـ لو فرضنا أن رجلاً يملك مطبعة ، فحصلت هزة أرضية فقلبت مواضع الحروف بعضها فوق بعض . فأخبر العامل الذي ينظم الطباعة بعض أصدقائه بأن الهزة الأرضية قد كونت بالصدفة العمياء كتاباً كاملاً يحتوي على (500) صفحة ، يضم مقالات رائعة ومباحث علمية قيمة. أترى ـ أيها القارئ ـ أن هؤلاء الأشخاص يصدقون العامل ؟ كلا بل يعلمون أنه لا يريد بذلك الخبر إلا مزاحاً أو سخرية ، لأن مثل هذا الكلام يستحيل أن يتحقق لأنه يخالف المنطق السليم والبحث النزيه. هذا موقف بالنسبة لكتاب يحتوي على صفحات محدودة معينة ، فكيف يكون الموقف إذن بالنسبة للكتاب الكوني الكبير الذي لا تُعد صفحاته ولا تُحصى جمله وكلماته ؟ أجل إنها صفحات تنطق بالحكمة ، وجُمل وكلمات تتفجر بالعلم والقدرة . كل ذلك لتطمئن قلوبنا بمؤلف الكتاب القدير الخبير ، ومنشئه العليم العظيم ، وهو الله العزيز الحكيم . قال الله تعالى : (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً)[4] . وقال تعالى أيضاً : (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله أن الله عزيز حكيم)[5] . ليس المقصود بالكلمات في الآيتين السابقتين تلك التي يتألف منها القرآن المجيد ، فإن كلماته معينة ومعدودة ، بل يقصد بها ـ كما يحدث ـ مخلوقات الله ومنشآته ، وهي التي لا تعد ولا تحصى. |