|
خمس كلمات
أيها الإخوان ، أيتها الأخوات ، وجهوا أبصاركم وأفئدتكم إلى خمس كلمات من الكتاب الكوني الكبير فإنها بمثابة وصفة علاجية تشفي عقولا قد أمرضها الشك في الله ، وتوقظ ضمائر رقادة قد أرقدتها الشهوات والأهواء ، فأعرضت عن ذكر ربها ، وغفلت عن هدف الحياة ، وجهلت ما يراد بها . الكلمة الأولى : ـ آلاف الملايين من البشر يعيشون على وجه الأرض ، يختلف كل واحد منهم عن الآخر في تخطيط أصابع يديه ، كما نشاهد اعتبار ذلك في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . فقد ثبت بالتحقيق العلمي أن لكل شخص في العالم تخطيطات وبصمات خاصة على أطراف أصابع يديه (خصوصاً الإبهام الأيسر) ويجري تمحيص ذلك في دوائر معينة بأجهزة فنية . وبناء على هذه المظاهر الثابتة تُكتشف جرائم كثيرة باختبار الانطباعات والبصمات التي تتركها أيدي المجرمين على أمكنة الجريمة ووسائلها. الكلمة الثانية : ـ ملايين من الناس يمسكون الأقلام بأيديهم ويوقعون لإنجاز معاملاتهم ، فلا يستطيع أحدهم أن ينكر توقيعه بعد ذلك . وإذا زور توقيعاً فهناك الفضيحة وهتك الحرمة عند الفحص والكشف بوسائل فنية عجيبة تكبر بها كل نقطة من التوقيع ، تتجلى فيها كل ذبذبة انطلقت من أعصاب المُوقِع . تلك الذبذبة تقتصر على مظهر خارجي بها لا تماثلها أي ذبذبة أخرى عند الأشخاص الآخرين في العالم . وقد ثبت ذلك بأدلة قاطعة في البحث العلمي . وأود هنا أن أذكر إخواني الموظفين والمستخدمين بصورة خاصة أن يركزوا في قلوبهم هذه الحكمة الإلهية عند توقيعهم واستلامهم رواتبهم ، وكذلك التجار عند إنجاز معاملاتهم وخصوصا في البنوك ، وذلك ليتقوا ربهم ويسلكوا سبيل الرشاد. الكلمة الثالثة : ملايين الوجوه البشرية يختلف كل واحد منها عن الآخر في الصورة . وحكمة الله في ذلك هي تحقيق التبادل الاجتماعي والتعارف الإنساني بين أفراد البشر ، ولولا ذلك لاضطربت الحياة العملية وارتبك سيرها . لذلك نرى أن «الصورة الفوتوغرافية» هي من أهم الدعائم التي يرتكز عليها تحقيق المعاملات الشخصية . والجدير بالذكر « لتركيز الإيمان في النفوس » هو أن الاختلاف المار ذكره في الصور نراه بارزاً في المجتمع الإنساني ، ولا نشاهده في الحيوانات . وذلك لأن الحياة الإنسانية في جميع المجالات تقتضي التباين بين الوجوه ، والتمييز بين الصور . . أما الحيوانات ـ كما نعلم ـ فليس لها نصيب من تلك الحياة الاجتماعية . ولكن هناك تعارف في نطاق ضيق بين أفرادها لا يتم إلا بدلائل وعلامات خاصة يكتشفها الحيوان ، بطاقات انطلقت من إرادة الله وقدرته ، كما يجري بين الأم وأولادها وغير ذلك من الأحداث المُضيقة المحددة . فسبحان المدبر الحكيم الذي يهيمن على مواد الكون ، فيميز بين خلق مادة الإنسان ومادة الحيوان ليبين هدف الإيجاد والوجود ، وذلك هو الله رب العالمين. تنبيه وتذكير : (أ) المشابهة لا تنافي الاختلاف ، فوجود الشبه بين أفراد الشعب الصيني والياباني (مثلا) لا يضيع التمييز بين صورهم كما يظهر ذلك في الصحف والمجلات وغيرها . (ب) إذا فقد الراعي أحد أفراد بهائمه ، فلا يعثر عليه إلا بتشخيص علامة وضعها عليه سابقا ، أو بممارسة طويلة لبعض مظاهره . (جـ) المماثلة في صورة التوأمين غير مُخِل بالتنظيم لأن حصوله نادر وذلك كالمعدوم. والجدير بالذكر هو أن تتجلى حكمة الاختلاف في الصور ، ويتمثل الهدف السامي بذلك حينما نعاشر الشخصين المتماثلين في الصورة ، ونلمس الفوضى الاجتماعية في تشخيص كل واحد منهما ، فيكون في ذلك عبرة لأولي الألباب . الكلمة الرابعة : لكل شخص في العالم الإنساني ذبذبات صوتية خاصة في حنجرته تختلف عن الآخرين ، ويؤيد ذلك معرفة الأشخاص بسماع أصواتهم . وهناك تشابه في الأصوات لا ينافي حكمة الاختلاف كما في موضوع الوجوه والصور . والجدير بالذكر هو أن عالما أمريكياً اسمه «لورنس كيرستا» اخترع جهاز «رسم الرنين» الإلكتروني للكشف عن شخصية صاحب الصوت المجهول ، لأنه أثبت بالتحقيق العلمي أن لكل إنسان نبرة صوتية تميزه عن باقي البشر[1] . الكلمة الخامسة : إن لكل فرد من البشر رائحة يختص بها فلا مثيل لها عند غيره . وبناء على هذا الاختصاص عُينت كلاب مدربة لاكتشاف جرائم المجرمين بواسطة شم رائحة كل واحد منهم وشم ما يتعلق ويلحق بهم من وسائل الجريمة ، وذلك لأن حاسة الشم عند الكلب ـ كما ورد في التحقيق العلمي ـ أقوى من حاسة الشم عند الإنسان بمليون ضعف . وقد جاء في سورة يوسف ما يؤيد هذا البحث العلمي ، وهو أن الله تعالى وهب يعقوب عليه السلام قابلية اكتشاف الرائحة التي اختص بها ولده يوسف عليه السلام من قميصه الذي جيء به إليه كما قال تعالى : (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)[2] . أيها القراء الأحرار : تعالوا معي لنفكر في التطورات الإنسانية الخمسة . هل يجوز لذوي الضمائر الحية الواعية أن يتخيلوا أو يتصوروا أن تلك التطورات جرت بالمصادفات ؟ كلا . وكيف يكون ذلك وفترة حدوثها أيٌام قلائل من مدة الحمل ، كل ذلك مع العلم بفترات الإنشاء المتعاقبة لملايين من الناس. ففي فترة واحدة نشاهد ملايين في بطون الأمهات ، وملايين أخرى يولدون ، وكذلك ملايين يموتون وإلى ربهم يرجعون. ملاحظة : عرضت الموضوع على ثلاثة أطباء كانوا مجتمعين فأبدوا إعجابهم لذلك ، فتبين أن علم الطب منعزل عن هذا البحث ، وذلك لأنٌه خارج عن مفاهيم الفسلجة والوراثة . (بلى قادرين على أن نسوي بنانه)[3] أيها القراء الأعزاء ، يجدر بنا أن نذكر هذه الآية الكريمة لعلاقة بحثها بما سبق . فاستضيئوا بنورها الساطع اللامع ، ليتبين لكم درب الخير والسعادة ، ومن فرٌ من النور فإنه مريض بالرمد ، ومن لم يأنس به فهو مصاب بالعمى ، ومن انعزل عنه فهو كالخفاش الذي لا يطير إلا في الأماكن المظلمة ولا يأوي إلا إليها . أجل إن نور الآية الكريمة (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) يشع في القلوب الواعية فتطمئن بذكر ربها وتخشع لجلاله ، وتؤمن أن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الخالدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه الطيبين وسلم . ويتجلى ذلك في إسلام عالم ألماني ( كما جاء في تفسير الجواهر لسورة القيامة ) فإنه سبب إسلامه وإيمانه بصدور القرآن من الله سبحانه وتعالى بعد دراسته للآية السابقة بأنها تشمل أسرارا علمية لم تكن معروفة في زمن صدورها لدى أحد من البشر ، فأكتشفها علم القرن العشرين . وهي طبعات الأصابع ومظاهر التوقيع ، وذلك ما جاء في جملة (نسوي بنانه) فإن كلمة (بنانه) تعني الأصابع والجدير بتركيز الإيمان هو أن القرآن ركز في مظاهر عظمة خلق الإنسان على الأصابع دون بقية الأعضاء ، لاختصاصها بمعجزة التركيب . واعلموا أيها القراء الأعزاء أن الموضوع يثبت لنا قدرة الله تعالى على إحياء الإنسان بعد موته ، وتفرق عظامه وتناثر أنسجته وخلاياه . وكيفية ذلك هي أن الذي يصنع الذرات الصغيرة والذبذبات الدقيقة في أصابع يد الإنسان ويهيمن عليها بصورة يتميز بها كل فرد عن الآخر، لقادر على الإحياء وجمع العظام وذرات الجسم أينما كانت (كما بحثت الآية الكريمة والله أعلم ) . والجدير بالذكر هو أن الميت إذا أصبح جزءاً من غذاء النبات أو الحيوان ، فإنه ينفصل عنهما بعملية الاحتراق والإفراز والإبراز . كل ذلك بإحاطة الله وعلمه كما قال تعالى : (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم )[4] . وإليكم الآيات الأخرى من سورة القيامة لارتباطها بالآية السابقة (بلى قادرين على أن نسوي بنانه). بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ألٌن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيٌان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر) أجل أين نفر من حكومة الله يوم الحساب ؟ أين نفر من بطشه وانتقامه يوم القيامة ؟ يجب علينا إذن أن نحذر هذا اليوم الذي أقسم به ربنا . (لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة) فنلوم أنفسنا على السيئات التي نعملها ، ونستغفر الله ونتوب إليه توبة حقيقية قبل بغتة الأجل المحتوم الذي لا فرار منه ، كما قال تعالى : (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ). ملاحظة هامة : (لا أقسم بيوم القيامة). (لا) ليست نافية للقسم ، بل هي رد على من أنكر البعث والجزاء ، يعني لا كما يزعم الكفار ـ كما بحثت الآية الكريمة والله أعلم ـ وقد نظم بعض الشعراء قصائد حول الموت وغفلة الناس عنه باللهو والانغماس في الشهوات والأهواء ، نذكر منها ما يلي :
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * * ملاحظة هامة : ليس المقصود بما سبق من الشعر الانعزال عن الحياة والإعراض عن استثمار خيراتها وطاقاتها ، بل الهدف هو تهذيب النفوس وتطهيرها من الأهواء المردية والشهوات الموبقة، فقد قال الله تعالى : (1) (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً)[5] . (ب) (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)[6] . لقد حث الله تعالى في الآيتين الإنسان على استغلال الأرض والعمل في أرجائها بطاقة الإيمان والتقوى ، ليحقق رخاءه وهناءه في الدنيا والآخرة ، ونهاه في آيتين آخريين عن الفساد في الأرض بالاستعلاء والاستكبار لاجتناب مآسى الانهيار والدمار. (جـ) (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور)[7] . (د) (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)[8] .
|