|
إن جهنم للفارين من الله ، وإن الجنة للفارين إلى الله
إن جهنم منطقة فيها مظاهر مختلفة خطيرة جدا للبطش والتعذيب ، وقد خلقها الله تعالى في إحدى جهات الكون بعيدة عن أنظارنا كبعد كثير من النجوم التي لم يكتشفها التلسكوب حتى الآن . وقد بين لنا ربنا نموذجا تقريبيا من وجودها وحريقها . ويتمثل ذلك في الشمس وهي الكتلة النارية الضخمة الملتهبة التي تُقدر درجة الحرارة على سطحها بنحو (6000) درجة مئوية، أما في باطنها فترتفع الحرارة إلى أكثر من (20) مليون درجة .ويمكننا معرفة شدة هذه الحرارة إذا عرفنا أن الحديد ينصهر في درجة (1500) درجة مئوية. ويقدر البعد بين الشمس والأرض (93) مليون ميل. وبالرغم من هذا البعد الشاسع يتأثر بعض سكان الأرض بحرارتها لميلانها نحو مناطقهم فيقاسون شدة الحرارة. والجدير بالذكر هو أن علم الصناعة استطاع أن ينتج أفراناً تذيب المعادن بحرارة الشمس ، وذلك باستخدام أجهزة تحتوي على مرايا تجمع الطاقة الحرارية من الشمس في مناطق خاصة من تلك الأفران ـ ويمكننا أن نجرب تأثير الحرارة الشديدة للشمس بعدسة « زجاجة سميكة » نقربها من جسمنا فتنفذ أشعة الشمس منها إلى بشرتنا فلا نطيق حرارتها. وكذلك نستطيع أن نشعل سيكارة أو قطعة قماش بهذه التجربة. فليرحم الإخوة الأعزاء أنفسهم فإنهم جربوها بعدم الصبر على التعرض لأشعة الشمس الحارة وهي تبعد عنهم ملايين من الأميال ، فكيف يكون حالهم إذا ألقوا في نار قعرها بعيد وحرٌها شديد وماؤها صديد ، يوم يقول لها خالقها ( هل امتلأت وتقول هل من مزيد) نعوذ بالله من هذا العذاب الشديد . وليتدبروا نصيحة الشاعر :
قال الله تعالى : ( يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام) واعلم أيها القارئ العزيز أن هناك نجوماً أكبر من الشمس بملايين المرات تسبح في هذا الكون الفسيح الوسيع . ويكفينا من سعة الكون أن العلم اكتشف نجماً فوجد أن بعده عن الأرض عشرة ملايين سنة ضوئية . الله أكبر . الله أكبر!! فإننا نعلم أن الضوء يسير بسرعة (300000) كيلومتر في الثانية الواحدة. ولتوضيح الموضوع نقول إن الشمس التي تبعد عن الأرض (93) مليون ميل، يكون بعدها بمقياس الضوء (8) دقائق، وعليك الحساب والمقارنة بين بعد الشمس بالدقائق المحددة ، وبين بعد ذلك النجم بملايين السنين. ونهاية المطاف : إن الله سبحانه وتعالى جعل تلك المناطق الواسعة في الكون آيات يستدل بها الإنسان على وجود المنطقتين الواسعتين اللتين ذكرهما لنا في كتابه المجيد ، وهما جهنم كما قال تعالى : (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد)[1] . والمنطقة الواسعة الأخرى هي الجنة التي حثنا الله تعالى بالمسارعة إليها بقوله تعالى : (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين)[2] سؤال : إذا كان عرض الجنة يساوي السموات والأرض، فأين تكون النار ؟ الجواب : لو تدبر السائل الآية الكريمة ، لعلم أن السموات ليس هي الكون كله ، بل هي جزء من الكون بهيئة مجموعات معينة من نجوم وكواكب وغيرها . والدليل على ذلك هو أن كلمة (والأرض) المذكورة في الآية تدل على أن الأرض منفصلة عن السموات في حَيزٍ خاص من الكون (عرضها السموات والأرض) فكذلك الجنة والنار لهما حيزان معينان فالجنة لها مكان والنار لها مكان آخر .. (والله أعلم) . وفي يوم القيامة يبدل الله الكون بإرادته وقدرته ، وينشئ منطقه جديدة واسعة يجمع فيها الأولين والآخرين كما قال تعالى : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار)[3] . فهناك تبرز الجنة والنار ، فالأولى أعدت للمتقين ، والثانية أعدت للمجرمين . والآن : أيها الإخوان وأيتها الأخوات ، تعالوا معي لنفكر في أنفسنا هل نطيق عذاب جهنم ؟ هل نصبر على حريق النار ؟ فإذا كنا لا نطيق حرارة نار الدنيا لحظات قصيرة ، فكيف بنار الآخرة آلاف السنين لا نموت فيها ولا نحيا . قال الله تعالى : (إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مآبا * لابثين فيها أحقابا)[4] (يعني آلاف السنين) . وإذا كنا لا نصبر على أن يمسنا ماء مغلي فترة قصيرة جدا ، فكيف إذن نصبر على الماء الذي يتجلى في الآية الكريمة : (وسقوا ماءً حميما فقطع أمعاءهم)[5] وإذا كنا نحذر شوكة تصيب جلودنا ، فما حالنا إذن بقوله تعالى : (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيما)[6] . وبالتالي: يجب أن نكون ممن وصفهم الله تعالى بقوله : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما)[7] . معنى كلمة (غراما) اللزوم والإحاطة ، وتأتي كلمة (مُغرم) معناها ملازم. يجب علينا إذن أن نجتنب ما أغرمنا به من المعاصي ، لكيلا تصبح جنهم مغرمة بنا ونستغفر ربنا فإنه غفور رحيم . يجب علينا أن نهجر : (أ) غرام الجنس ( النظرة الخائنة ـ الزنى ـ اللواط ـ المساحقة ـ العادة السرية ـ مصافحة المرأة ما عدا المحارم ) . (ب) غرام الأفلام والصور الخليعة في السينما والتلفزيون والمجلات وغيرها . (جـ) غرام الأغاني خصوصا الخليعة منها . (د) غرام الخمر والبيرة والمقامرة . والجدير بالذكر هو أنه لا يجوز الحضور في مجلس الخمر ، بل يحرم تناول الطعام الموضوع على مائدته ، وإن كان حلال في الأصل أو باقياً على طهارته . وكذلك لا يجوز الحضور في مجلس المقامرة وإن كان ذلك بغير اشتراك في المعصية مع الشاربين والمقامرين . فيتجلى الخطر كما يكون عند مجالسة المريض بأحد الأمراض السارية أو كما قال الشاعر :
وأنبه القراء الأعزاء بأن المقامرة لا تُقتصر على التداول المالي ، بل بدونه أيضاً لغرض التسلية واللهو ، كالذي في الشطرنج والدومنة والطاولة ، وكذلك الورق (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) . (هـ) غرام المخدرات والتدخين المضر. (و) غرام التبرج والخلاعة في اللباس وغيره بالنسبة للمرأة . (ز) غرام الزعامة (الدكتاتورية والطغيان). (ك) غرام جمع المال واحتكاره. أيها القراء الأعزاء : ما زلنا في بحث الفارين من الله ، وقد ذكرنا منهم الكافر الملحد ابتداء وهو أخطرهم ، ويأتي بعده العاصون وأهمهم : 1 ـ تارك الصلاة : ـ الصلاة عماد الدين ، وأهم مظهر لشخصية المسلم وهويته ،وهي أول ما يحاسب المرء عليها يوم القيامة . وفيها فوائد جسمية واجتماعية وروحية لا مجال لذكرها في هذا الكتاب ، ويعتقد بعض الناس بطلان صلاة الفاسق المنغمس في شهواته فذلك ليس صحيحا ، لأن الله تعالى لا يضيع عمل العاملين . ويستفيد المصلي من صلاته أيضاً أنها تنصحه وتهديه ، وتنهاه عما هو عليه من الفسق والعصيان (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فيصبح من الصالحين ولو بعد حين . قولى هذا كله يكون بعد نهى العاصي عن معصيته فإن لم ينته ولم يتب في أقرب فرصة ، فأحذره من ترك الصلاة وهجرها . . فإن تارك الصلاة قد قطع الصلة بينه وبين ربه بصورة جريئة ، لذلك فإنه يستحق العذاب الذي يتمثل ويبرز في قول الله تعالى : (فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ففي هذه الآية إنذار خطير لتارك الصلاة ، وذلك لأن كلمة (فويل) معناها العذاب الشديد في النار ، وهو للمصلين الساهين الذين يؤدون الصلاة ولكنهم يتهاونون في تصحيح الأداء كالقراءة والوضوء والطهارة وغيرها ، أو أنهم يتسامحون في الأوقات ، أو يؤدونها أوقاتاً ويتركونها أخرى (كما بحثت الآية والله أعلم) . فكيف إذن يكون حال الذين لا يستقبلون القبلة مدى حياتهم ؟ فليرجع هؤلاء الفارون من ربهم إليه بالاستغفار وأداء الصلاة وقضاء ما فات منهم بالتدريج . 2 ـ تارك الصوم :الصوم فريضة فيها فوائد متعددة كالصلاة لا مجال لذكرها أيضاً . ولكن محور الهدف لأدائها هو الانقياد لأوامر الله تعالى والاستسلام لإرادته . وأحذركم أيها الإخوة أن تعرضوا عن تلبية نداء ربكم الذي يناديكم قائلا (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)[8] فإن أعرضتم وتوليتم فسيكون جزاؤكم على أكلكم قوله تعالى : (ليس لهم طعام إلا من ضريع)[9] إنه طعام في منتهى القذارة والنتونة. وأما جزاء شربكم قوله تعالى : (وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم)[10] (نعوذ بالله) . 3 ـ تارك الحج : الحج فريضة سنها الله تعالى لينفع بها الناس منافع متعددة ، أهمها تزكية النفس وتهذيبها ، ويلي ذلك منفعة اجتماع المسلمين للتعارف فيما بينهم، وتبادل الآراء وحل المشاكل ، وذلك لتحقيق أهداف إنسانية سامية. وقد انذر محمد صلى الله عليه وآله وسلم تارك الحج بعذاب في النار تكون شدته كعذاب اليهود والنصارى ، كما روى عنه ( من استطاع الحج ولم يحج مات إن شاء يهودياً أو نصرانياً ) (نعوذ بالله). وهناك من يعتذر عن أداء الحج بعدم زواجه أو ملكيته لدار يسكنها. فلا يقبل منه هذا العذر إلا في بعض الظروف الخاصة تتبين عند المرجع الديني الأعلى ، وذلك عند عسر العزوبة فقط . 4 ـ مانع الزكاة : الزكاة حقوق مالية متعددة فرضها الله تعالى في أموال معينة ، تتعلق بالزراعة والتجارة ومكاسب أخرى . وأمر أن تصرف لسد حاجات المساكين والفقراء ، وتحقيق مشاريع إنسانية قويمة ليضمن المجتمع بذلك رخاءه وهناءه . فليراجع كل ذي مال وكسب وإن كان قليلاً العلماء المتقين ليقرروا تكليفه الشرعي في الوجوب أو عدمه . وقد أنذر الله تعالى الأغنياء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بآيات عديدة ، وخلاصتها قوله تعالى : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) . أي أنكم أيها البخلاء لن تحشروا مع الأبرار الذين قال الله في حقهم ( إن الأبرار لفي نعيم)[11] بل تحشرون مع الفجار الذين قال الله في حقهم (وإن الفجار لفي جحيم)[12] . وإنكم تخزنون أموالكم للوارثين فلهم الهناء ولكن الشقاء ، كما قال الشاعر :
5 ـ تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : من أهم أهداف الإسلام بناء مجتمع إنساني يتحلى بالخير والفضيلة ويتخلى عن الشر والرذيلة ، ولا يكون ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرق تربوية صحيحة . ونحن جميعا مسؤولون عن هذه المهمة السامية ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (كما جاء في الحديث المنقول) . وتتفرع هذه المسؤولية كما يأتي : (أ) الزوج عن زوجته وأولاده وخدمه . (ب) الأم عن أولادها . (جـ) مدير المدرسة والمعلمين عن التلاميذ . (د) علماء الدين عن الناس جميعاً . (هـ) الخطباء عن المستمعين . (و) الحكام والزعماء عن شعوبهم . (ز) الموظفون الكبار عن الصغار منهم . ويتجلي خطر المسؤولية فيما يأتي من قول الله تعالى : (أ) بسم الله الرحمن الرحيم (والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)[13] . أجل إن الإنسانية تخسر سعادتها في الدنيا والآخرة ، ولا تنتفع بالإيمان والأعمال الصالحة إذا تجردت عن التواصي بالحق ونشر تعاليمه . (فالساكت عن الحق شيطان أخرس) . (ب) (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويعلنهم اللاعنون)[14] . ثم أكد الله تعالى جريمة كتمان الحق وعدم نشره بعد ذلك مباشرة ، بقوله ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فاولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)[15]. 6 ـ ظالم الناس : وهو الذي يتعدى حدود الإنسانية والعدالة في معاملة الناس ، ويكون ذلك باللسان واليد. أما ظلم اللسان فيتجلى في السب والكلام البذيء والكذب والغيبة ، وهي أن يذكر المسلم أخاه المسلم الغائب عنه بعيوب هي فيه خلقا وخُلقا ، إلا إذا كان متجاهراً في أخلاقه السيئة فتجوز غيبته . والجدير بالذكر هو أن المستمع للغيبة مشترك في المعصية ، فيجب عليه النهي والمنع . كذلك التهمة والنميمة والسخرية . . . إلخ . وأما الظلم باليج فيتجلى في الضرب والجرح والقتل ( بغير حق ) والسرقة ونقص الكيل وأكل الربى والغش والنميمة والسخرية.... إلخ . إياك إياك أيها القارئ العزيز أن تظلم والديك وخصوصا أمك ، فلا يدخل الجنة من كان عاقا لوالديه . الله الله في الأقرباء فأحسن إليهم وإن أساءوا إليك ، وإياك أن تهجرهم فإن الله تعالى ينذرنا إنذارا خطيراً إذا قطعنا الأرحام (الأقارب) بقوله (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)[16] دبروا هذه الآية بدقه وإمعان ، واحذروا لعنة الله وسخطه . الله الله في الجيران ، ومع الأسف الشديد فإن أكثر الناس لم يؤدوا حق الجيران . وأحذرك أيها القارئ العزيز ظلم بقية الناس خصوصاً زوجتك ، فإنها من أهم مُقومات حياتك . فإياك أن تعتدي عليها بالسب والضرب والاستهزاء وغير ذلك من فروع الظلم ، فأحسن إليها بالمداعبة والملاطفة والنفقة. فقد جاء في الحديثين المرويين : (أ) (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). (ب) (أكمل الناس إيمانا أحسنهم أخلاقاً مع أهله).
|