|
الزوجية البشرية
لقد انتهيت بتوفيق الله تعالى من شرح الزوجية الذرية وما يرتبط بها من البحوث الهامة حسب إتاحة الفرصة ، وأقدم لكم بعد ذلك شرح الزوجية البشرية كما يأتي : * خلق الله سبحانه وتعالى الكون وأظهر فيه آيات لا تعد ولا تحصى ، ليستدل الإنسان بها على حكمة خالقه وعظمة رب العالمين . ومن أهم آياته هي الزوجية البشرية التي تتجلى مظاهرها الحكيمة في الرجل والمرأة . كما أشار إلى ذلك أحد الفلاسفة بقوله: « إذا كانت المصادفات العمياء والاتفاقات المتكررة قد أوجدت إنساناً على وجه الأرض فكان رجلاً، فهل يجوز لذوي العقول الواعية أن يزعموا أن تلك المصادفات والتطورات قد أنشأت إنساناً آخر فكان امرأة لها أجهزة عجيبة التركيب تختلف عن أجهزة الرجل ، كجهاز الرضاعة والحمل والأوتار الصوتية ، بالإضافة إلى غريزة التجاذب الجنسي ؟ كلا ! ثم كلا ! فإن المفكرين الأحرار يخشعون ويسجدون لله الخالق البارئ المصور لكلا الجنسين الذكر والأنثى . كما قال تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[1] . * يجب على الإنسان أن يعلم بأنه لم يُخلق في هذا الكون ليتمتع بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمال والجنس والسلطة ، ويتخذ تلك المقومات الحيوية هدفا لكيانه وسعادته ، بل خُلق ليجعلها وسيلة لغاية سامية وهي السعي لمعرفة ربه ، وعمارة قلبه بتفواه في نفسه وفي عباده وبلاده . كما قال تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[2] . فالبناء الحيوي للإنسان بفروعه ( الطعام . الشراب . اللباس .المسكن . العلم . العمل . المال . الجنس . السلطة ) إذا لم يكن مبنيا على أساس التقوى فهو بناء منهار ، كما قال تعالى (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين)[3] . ولا يتحقق هذا البناء الإنساني القويم إلا بمجتمع يستضيء بنور الله الذي يهدي إلى الصراط المستقيم وسبل السلام . ولا ينشأ هذا المجتمع إلا بإنشاء الأسرة الصالحة المُصلحة ، ولا يحصل ذلك إلا بأزواج قد غرست في قلوبهم شجرة الدين الحنيف تُؤتي الثمرات الطيبة من الأولاد . كيف يكون ذلك؟ * يتدبر الإنسان الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث المرء على الزواج وتحفزه للمسارعة إليه فيعمل بمقتضاها. * الآيات القرآنية : (أ) (وانكحوا الأيامى[4] منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم)[5] . الشرح : يجب على الآباء والأمهات أن يعجلوا في تزويج أبنائهم وبناتهم ، فإنهم مسؤولون أمام الله تعالى ومعاقبون على كل مفسدة تنتج من التأخير بدون عذر مشروع . أما عذر إكمال الدراسة فإنه غير مقبول ، وذلك لإمكان الزواج وإشباع الغريزة الجنسية بصورة لا تؤدي إلى الحمل والولادة ، وإن كان في ذلك نيل الحد الأدنى من الشهوة . فإن متاعب عزوبة الشاب والشابة خلال الدراسة أكثر من متاعب زواجهما أضعافاً مضاعفة . . وأملي وطيد بأن القراء الواعين يؤيدون ذلك . كل ذلك يتم بشرط عدم تعسير والدي البنت لأمور تتعلق بهذا المشروع النبيل ، خصوصا المغالاة في المهور ، فإن السعادة الزوجية ليست في المال الكثير ، بل هي في مآل المرأة إلى مصير مستنير بنور الأخلاق الحميدة التي يتحلى بها الزوجان . (ب) (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية)[6]. الشرح : إن الرسل هم قادة الناس ، وإن للناس فيهم أسوة حسنة . وأهم مظاهرها هو الزواج لإنتاج ذرية صالحة تعبد رب العالمين . (جـ) (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)[7]. الشرح : مدح الله تعالى أولياءه في هذه الآية بأنهم يدعونه ليرزقهم أزواجاً وذريات يسطع في قلوبهم نور الهدى والإيمان، فتقر أعينهم بهم في الدنيا ، وكذلك الحال عندما يحشرون معهم في الجنة كما قال تعالى : (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) خصوصا بما كانوا يؤدبون ويهذبون أزواجهم وذرياتهم . (د) (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)[8]. الشرح : جاءت هذه الآية بأحسن وصف للانسجام الزوجي ورباطه ، فباللباس تتجلى ثلاثة أمور هي من أهم ركائز حيوية الإنسان وهي الستر والوقاية والزينة فيحققها الزوجان كل منهما للآخر . (هـ) (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[9] . الشرح : أجل ليسكن الزوج إلى زوجته وتسكن الزوجة إلى زوجها في مسكن روحي تسوده المودة والرحمة ، فلا ينفعها مسكن يكون فخماً ببنائه وأثاثه إذا كان سلوك أحدهما أو كليهما فحماً قد اسود بفساده وطغيانه .. فهناك الشقاء والعناء . وقد قيل : إن من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك . وكما قال الشاعر :
* الأحاديث النبوية المروية حول الزواج : (أ) (تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، حتى بالسقط) . (ب) (من رغب عن سنتي فليس مني ، وإن من سنتي النكاح ، فمن أحبني فليستن بسنتي) (جـ) (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ـ عريض ـ . (د) (من تزوج أحرز نصف دينه ، فليتق الله في النصف الثاني) . (هـ) (ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما عزب). (و) (أكثر أهل النار العُزاب) . ـ خصوصاً الذين يستطيعون الزواج ـ . الاختيار الزوجي أولا : يجب إحراز سلامه الزوجين من الأمراض الخطيرة خصوصا السارية منها ، كالأمراض الزهرية والسل وغيرها . ويجب على الزوج أن يتأكد بصورة خاصة سلامه الزوجة من مرض السكر الذي يضر بجنينها عند الحمل ضررا عظيما ، وكذلك سلامتها من الإدمان على التدخين الذي يفتك بها وبأولادها فتكا ذريعاً . ويتأكد كل من الزوجين سلامة أقرباء الآخر من التخلف العقلي والفسلجي ، فإن الوراثة لها أثرها الفعال . وليحذر الطبيب من إصدار شهادة صحية مزورة ، فإنها خيانة للدين وعدوان صارم عل الإنسانية . فليراقب الأزواج مع أوليائهم هذه الأمور بكل وعي وإمعان ، فإن لم يفعلوا فسيهوى الزوجان في هوة سحيقة من الشقاء والعناء (نعوذ بالله). ثانياً : إحراز تقوى الزوجين وتمسكهما بالدين الحنيف ليؤدي كل منهما واجبه نحو الآخر ، فيسطع نور السعادة بينهما ويتمتعان بحياة طيبة سليمة . وقد رويت أحاديث نبوية تتعلق بهذا الموضوع إليكم أهمها : (أ) (كما مرٌ سابقا) ( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه). إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير « عريض » . أجل فقد سادت الفتنة في الأرض وظهر الفساد الكبير العريض بالزنى واللواط والمساحقة والعادة السرية . (ب) ( لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يُطغيها . وانكح المرأة لدينها) ليس المقصود من هذا الحديث الاقتصار على دين المرأة والانعزال عن جمالها ومالها ، فإن الله جميل يحب الجمال والمتجملين، وبالمال تُحقق مشاريع إنسانية سامية . وإنما المراد أن يكون ذلك الجمال والغنى الماديان ملازمين للإيمان والتقوى . . فإنهما جمال النفس وغناها كما قال الشاعر :
فإذا كانت الزوجة جميلة في جسمها وقبيحة في دينها ، أو كانت غنية في أموالها وفقيرة في تقواها ، فإنها تدمر حياة زوجها . فهو لا يطيق أن يفارقها لجمالها ومالها ، ولا يستطيع أن يصبر على شراستها وسوء أخلاقها الزوجية فتلك الحال هي الطامة الكبرى والكارثة العظمى (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) . وقد روى عن سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال لرجل سأله عن تزويج بنته « زوجها ممن يتقى الله تعالى ، فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها » . نعم والله هكذا خُلقُُ المتقين . ثالثا : إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة ، فلينظر إليها ويتأكد في الفحص بالاعتماد على شهادة امرأتين على الأقل تتصفان بالتقوى والذكاء والوعي لكي يحقق آماله الجنسية . كذلك يحق للمرأة أن تطلع بنفسها أو بشهادة أمينة صادقة على منظر الرجل وسلوكه ، لتكون مطمئنة في تحقيق الزواج. رابعا : يحاول الزوج أن تكون الزوجة خفيفة المهر ، ويرشد والديها إلى الأحاديث النبوية التي رُويت ناهية عن المغالاة في المهر . فمن أهمها : (أ) (خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا). (ب) ( من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها ـ أي الولادة ـ ويسر مهرها) فإن الهدف الحقيقي في الزواج ليس هو المال، بل هو منال أسرة كريمة تتمتع بالهناء والرخاء في الدنيا والآخرة. خامساً : يجب على الزوج أن يدقق النظر ويمعن الاختيار في البيئة التي نشأت فيها الزوجة ، والأسرة التي أنبتت نبات شخصيتها . فيختبر إخوانها وآباها وخصوصا أمها ، فإن الوراثة الصالحة والبيئة الفاضلة قاعدتان رصينتان لبناء الإنسانية العليا ، قال الشاعر :
(ولم يذكر الشاعر الأم لضيق مجال القافية) . ـ رُوى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (أ) (إياكم وخضراء الدمن) . والمعنى هو المرأة الحسناء في المنبت السيئ كالعشب الذي ينبت في المزابل . (ب) (تخيروا لنطفكم فإن العرق دسٌاس). ملاحظة هامة : لم يثبت في التشريع الإسلامي بصورة مؤكدة النهي عن الزواج من الأقارب بالقول المشهور «اغتربوا لا تضووا» وبالقول الآخر «لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاويا» (أي ضعيفاً) . فإن هذين القولين لم يُصحح الفقهاء صدورهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو كان الزواج من الأقارب يؤدي إلى انحراف خطير في سلامة النسل، لتواترت الأخبار الشرعية في التحريم ، لأن الأمر هام جداً وجدير بالبيان فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، والشاهد على ذلك هو أننا نرى كثيرا ممن تزوجوا من أقربائهم قد وُلد لهم أولاد يتمتعون ببنية قوية وصحة جيدة جدا. نعم إن ما أثبته العلم الحديث من الأضرار الصحيحة في زواج الأقارب لا يبعد أن يَخصٌ ما نَصٌ به الدين الحنيف وقرره في تحريم الزواج من أقرب الأقرباء ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت فالميزان الصحي للأبناء هو صحة الآباء والأمهات وما يتلقاه الطفل من عوامل التربية في البيئة التي ينشأ فيها أثناء الحمل وبعده . |