مقدمـة

منذ بداية الخليقة وحين خلق الله سيدنا آدم وزوجته حواء (عليهما السلام) في الجنة يعيشان ويتمتعان بنعيمها كيف شاءا وجعل الملائكة تسجد لهما تعظيناً لصنع الله وطاعةً لأمره وتكريماً لآدم وحواء، لأن الله نفخ فيهما من روحه وبثّ الحياة فيهما، إلاّ إبليس الذي أبى واستكبر فسخط الله عليه وطرده من الجنة.

الأمر الذي جعله يكره الإنسان ويطلب من الله أن يمهله إلى يوم القيامة ويقسم بعظمته لَيُغرِيَنّ بني آدم وليضلنهم عن سواء السبيل انتقاماً وحقداً، وقد حذّر الله أبوينا آدم وحواء من فتنة وغواية إبليس فهو عدوّهما المبين، وبرغم التحذير فقد كانت أول غواية لإبليس في نفسي آدم وحواء هي حين وسوس لهما ليقربا تلك الشجرة التي نهاهما الله عنها، وكان ذلك أول إثم ومعصية[1] لأمر الله ارتكبت من بني الإنسان.

والتي كانت عاقبتها أن بدت عورتهما وصارا يخصفان عليهما من ورق الجنة ليواريا سوءاتهما، فندما ندماً شديداً لفعلتهما وصارا يطلبان الصفح والعفو والمغفرة من الله ليغفر لهما ويواري سوءاتهما، فأنزلهما الله إلى الأرض وأنزل عليهما لباساً وريشاً ليسترهما ونصحهما بلباس التقوى فذلك خير لهما فالآية الشريفة تبيّن ذلك ( يـا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذّكرون )[2].   

وقديماً قيل:

إذا المرء لم يلبس لباساً من التقى

 

 

تقلّب عريانـا ولو كان كاسيا

 

فخير خصـال المرء  طاعة ربه

 

 

ولا خير فيمن كان لله عاصيـا

 

 

وقد جعله الله خليفة في هذه الأرض وحمّله الأمانة التي أوكلها إليه ليؤدي حقها ( إنـا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً )[3].

وما أريد أن أبينه من خلال هذه المقدمة البسيطة أن الله قد أنزل لباس التقوى ليستر الإنسان ـ التي سجدت الملائكة كلها من أجله ـ ، ويحافظ عليه وعلى كرامته فإذا كشف ستره فقد هانت منزلته، وذلك يعنى أن الله قد غضب عليه واستوجب له العقاب والحط من قدره، ويمحو عنه سمو شرفه وكرامته.

ومرّت العصور وتوالت الرسل وتعددت المعجزات التي أيّد بها الله أنبيائه، مساندة لهم ووسيلة لإرشاد أقوامهم إلى طريق الهداية التي وصى بها الله آدم u  حين جعله خليفة الأرض، فقامت حضارات وهلكت أمم لمعاندتها وتكذيبها لرسالات الأنبياء ـ الذين أرسلوا إليهم وقتلها لهم ـ واستخلفتها أمم، إلى أن ختم الله رسالاته السماوية بمسك رسالة محمد النبي الأمّيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي بعثه هادياً لكل العالم والأمم التي تأتي من بعده، وجعل معجزته عامة وصالحة لكل زمان ومكان.

وحفظها من الضياع وكتب لها الخلود إلى يوم الدين، ذلك هو القرآن الكريم الذي كان أول بندي الوصية الذي كثيراً ما أوصى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتمسك بهما في الحديث المتواتر المشهور:

 

(... إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي ...)[4] والمنهج الأساسي الذي دعا إليه القرآن والعترة المباركة وأكّدا عليه هو الالتزام بالتقوى قدر المستطاع، فالقرآن يأمر بالتقوى في كثير من مواضعه ( فاتقوا الله ما استطعتم ... )[5] وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) كذلك.

 


 

[1] المعصية هنا هي ترك الأولى وليس ارتكاب المنكر كما يظن. راجع التفاسير عند الآية (... وعصى آدم ربه فغوى ) طه:121، وآية (... وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ... ) البقرة:36، في تقريب القرآن إلى الأذهان، مجمع البيان وغيرهما. 

[2] سورة الأعراف: الآية 26.       

[3] سورة الأحزاب: الآية 72.

[4] الكافي ج2 ص415 ح1.

[5] سورة التغابن: الآية 16.