|
تهميش دور الحجاب ولا زال هناك ذلك الأمر الذي طالما شغلني سنين عدة وأنا أنصرف وأنشغل عنه بأمور حياتي ومتاعبي التي لا تنتهي والتي أعرف الحل الصحيح لمعالجتها ، ولكن لازالت النفس الأمارة بالسوء تشغلني عن تحقيق هذا الأمر، هذا الأمر الذي عاد يراودني من جديد. وكنت كلما حاولت أن أقدم على هذا الأمر كانت أمي تقول لي: يمكنك أن تتحجبي بعد الزواج فهو ليس بالأمر المهم، وهذا لا يعني بأنها لا تريدني أن أتحجب فهي محجبة وتخاف الله وتعبت كثيراً في تربيتنا بما يرضي الله، ولكن هناك هاجس الأم في محاولة ستر بناتها بأسرع وقت ممكن ، فإذا مضى بهن العمر يبدأ قلقها وخوفها يزيد مع مرور السنين ، كما أنني لم أكن على قدر كبير من الجمال ، فأخواتي كنّ يفقنني جمالاً وقد تزوجن إلا أنا والصغرى. وهي تعتقد بأنني إن تحجبت ربما ذلك سيزيد من قبحي ولا يرغب بي أحد بعد ذلك، وكثيراً ما كانت تقول: إذا تزوجت افعلي ما تشائين بنفسك وكما يريد زوجك والحجاب إن شاء الله تلبسينه وتمليّن منه ، كما أنها تتصور بأنني أريد أن أرتدي الحجاب فقط كتغيير في شكلي ومماشاةً للموضة سرعان ما ينتهي ثم أتخلص منه. وبالطبع هذا تصور خاطئ فأنا لم أعد أهتم بتوافه الأمور هذه ، ولأنني كنت دوماً بعيدة عن أهلي والاحتكاك بهم ، وربما كان ذلك من مخلفات وآثار معاملة أبي في الماضي والمشاكل التي كنت أول وأكثر من يحس بوطأتها ويرتعب منها، بل وأثّر ذلك سلباً على طريقة تفكيري حيث تولّد عندي ما يسمى في العلم الحديث بـ «بأحلام اليقظة». فقد كنت حين أحسّ بالخطر قادماً في بداية المشادات المعهودة كنت أغلق على نفسي الباب وأجهش بالبكاء .. أترقب بكل خوف وقلق ورعب، بل وأتخيل ما سيحصل أو أهرب إلى عالمي الذي بنيته من وحي أفكاري .. إلى مدينتي الفاضلة حيث الحب والحنان والخلق الوفي. وأصبحت أيضاً حين تواجهني أي متاعب أو مشاكل أو خيبة أمل ألجأ لهذه الوسيلة حتى وإن صادفت شيئاً مفرحاً في حياتي كانت تأخذني الأفكار بعيداً عن الواقع، بل وأسبح في سماء المستقبل أحاول التنبّؤ بما سيحدث، وكأنني أطمئن نفسي باستمرارية هذا الأمر المفرح الذي كثيراً ما أصدم بزواله والرجوع إلى قمم الواقع المرير الذي أعيش فيه، ومع هذا كنت دائماً سعيدة بهذا الأمر، لأنه سلوتي الوحيدة عند أي أمر يحزنني. فأنا لا أشكو لأحد سواء والدي أو أخوتي ، وكانت هذه الأحلام الشيء الوحيد الذي كان يخفف عني الوحدة والعذاب الذي كنت أعاني منه في حياتي ، على عكس أخواتي اللائي كنّ يُطلعنَ أمي بكل شيء ، ولهذا السبب فإن والدتي كانت تجد صعوبة في فهم طباعي ومشاعري التي تحس أنها غريبة وكثيراً ما تتذمر من ذلك الغموض الذي يكتنفني، وكأنني أعيش في منزل آخر وليس معهم
|