ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً

وبعد أيام اتصل ليسأل عن المدير لأمر ما، حقيقة أنني شعرتُ بالارتباك حين سمعتُ صوته الكريم، وبالرعشة تتملكني وكأن قطعة جليد قد احتوتني من كل جانب لما لأهل البيت (عليهم السّلام) من حبّ ومنزلة خاصة في قلبي.

فما استجرت بهم عند أي شدة أو رخاء إلاّ وكانوا خير مجير ولم يخيبوا رجائي مرة، وأنا في عشق دائم للاستزادة من علومهم ومعرفة مناقبهم ومواقف الحق التي وقفوها دون أن يخافوا في الله لومة لائم وعن سيرتهم العطرة، وعن مصائبهم التي تعلمت منها الصبر على المتاعب التي كانت تداهم حياتي دائماً والتي كانت تهون في نظري حين أتذكر مصيبة الطف الكبرى وكيف عان منها سيد الشهداء وأهل بيته (عليهم السلام) وكانوا أبطالاً في الصبر والرضا بقسم الله وإرادته وحكمته.

نعم مَن يعرف حجم هذه الفاجعة الكبرى سيهون عليه كل همّ وبلاء يمر في حياته، فهم أكبر وأكثر مَن ظُلموا في هذه الدنيا، وهم المستضعفون بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أخبر وصيّه وخليفته عليّاً المرتضى وابنته البتول (عليهم السّلام) قبل أن يقبض عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم[1].

وذكر آل البيت (عليهم السلام) بالنسبة لي إنما هو السكن والقدوة والسلوى في كل مكروب، والغوث لكل ملهوف.

كما أن هذا السيد الفاضل قد وهبه الله نعمة الإحساس بمعدن الإنسان الذي يتعامل معه من أول وهلة، ربما لما له من المكانة العالية عند الله إن شاء الله ، وأن الله إذا أحب إنساناً رضي عنه وكان في حصن الله، فَيَمُنّ عليه بهذه النعمة كرامة، فهذا ما شعرت به حين اتصل ذات مرة يسألني عن المدير وأخبرته أنه غير موجود، ثم طلب مني الإذن أن يسألني في أمر شخصي ـ وقد كان في غاية الأدب والخجل ـ ألا وهو لماذا لا أرتدي الحجاب؟؟

لا يمكن لأحد أن يتصور كم شعرت بالخجل وكم كانت مفاجأتي بهذا السؤال؟

فهو لا يعرفني ولا يعرف ما سيكون جوابي له وبالرغم من كل ذلك سألني هذا السؤال استفهاماً وليس كاستجواب أو استهزاء أو احتقار لمظهري.

والله كانت مفاجأة لي لأنني أحسست وكأن هاتفاً صرخ صرخة اهتز لها كياني يقول: «ها قد جاءت النجدة من الله !! ».


 

[1] إشارة إلى قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لبني هاشم: (أنتم المستضعفون بعدي). بحار الأنوار ج28 ص50 وقد اشار إلى ذلك علي أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال: ... فو الله ما زلت مدفوعاً عن حقي، مستأثراً عليّ، منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يوم الناس هذا، (نهج البلاغة خطبة رقم6).