|
الحجاب وفرص الزواج وهناك أمر شائع ـ وبالطبع خاطئ ـ ويقلق الكثير من الأخوات والأمهات وهو اعتقادهن بأن الحجاب سيحبس فرص الزواج عن الفتاة المحجبة، والتي منهن وللأسف أخواتي وأمي، فحتى بعد أن تحجّبت وتركت كل ما يتعلّق بالتبرّج والسفور من أدوات الزينة والمساحيق إلاّ أن والدتي دائماً تتذمر لامتناعي عن ذلك، وتقول: من سينظر إليكِ وأنتِ بهذا الشكل الكئيب! «وخصوصاً أنني كبيرة في السن» ولكن هذا الكلام لم يؤثر على قراري ولن أتراجع عنه ـ إن شاء الله ـ ما حييت. لأنني على يقين أنه لن يصيبني إلاّ مال كتب الله لي، فإن كان قد قسم لي الزواج حتى لو كنت في حجرة مغلقة ومن غير أية نافذة، فأمر الله سيحدث رغماً على كل الظروف والأحوال وما يعتقده الجهّال، وإن كنت وسط مليون رجل مناسب ولم يقدّر الله لي الزواج فلن يحدث ذلك ولو اجتمع الإنس والجنّ عليّ، ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلاّ هو وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله ...)[1] ، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوصي ابن عباس: ( ولو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا على أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ... )[2]. كما أنّ هناك أمراً آخر قد لاحظته حين كنت أدرس بالجامعة هو: أن أغلب أولئك الشباب الذين يلاحقون الفتيات ويسعون لإقامة علاقات معهن ، نراهم وعندما يجدّ الجدّ ويقررون الزواج لا يرضون إلا بالمحجبة المهذبة، وهذا ما رأيته بعيني في الجامعة، فالبعض منهم حين يتعرّف على فتاة يلاطفها وهي بالمقابل ترضى وتستجيب له ـ وإن كان في نية أكثرهنّ الزواج وليس التسلية ـ فهي بذلك تسقط من نظره بعد فترة ويملّ منها ويكون على يقين بأنها لو أتاها شخص غيره وحاول معها نفس ما يحاول هو لَرَضِيَت، إذن فهو لا يأمن جانبها وإخلاصها له فكيف يرتبط بها كزوجة وشريكة عمر! فتكون في نظره وسيلة للتسلية واللهو ليس إلاّ. وهذا بالطبع سيجعلها مذنبة بحق نفسها حين استجابت له برضاها وانصاعت لرغباته، وهذا وبغض النظر عن كون تصرّفها يعتبر معصية إلاّ أنها تكون قد ضيّعتْ فرصة كان يمكن أن تنجح لو أنها رفضت التحدّث إليها وملاطفتها، فتكبر في نظره ويتأكد من قوة إرادتها وإيمانها وشدّة محافظتها على نفسها وكرامتها. بل وحتى بعض السافرات اللواتي تزوّجنّ من زملائهنّ في الدراسة كثيراً ما كان زواجهما يبوء بالفشل وينتهي الأمر بالطلاق بعد فترة قصيرة. تلك الظاهرة التي نعاني منها ليس فقط في الجامعة ولكن في كل مكان لعدم شعور الطرفين بمسؤولية الزواج العظيمة والغاية الحقيقية من ورائها، فالزواج الذي يكون لإشباع الرغبات ويكون محوره الجمال الظاهري فقط سيكون مصيره الانهيار، وسيسقط جمال الجسد أمام المحاور الحقيقية التي يتطلّبها الزواج الناجح من عفّة وأخلاق وشرف، ففي الحديث الشريف عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (العفاف زينة النساء)[3]. وعنه أيضاً (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ( ومن تزوّج امرأة لا يتزوّجها إلاّ لجمالها لم يَرَ فيها ما يحب ...)[4] ، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ( إيّاكم وخضراء الدِّمن ) قيل: يا رسول الله وما خضراء الدِّمن؟ قال: ( المرأة الحسناء في منبت السوء )[5] ، هو فشل الزّواج لا غير. فالمحجبة كالجوهرة الثمينة النفيسة التي لا تُعرض أمام العامة ولكن تحفظ في صندوق أو مكان أمين .. بعيد عن أعين ضعاف النفوس حتى لا تتعرض للسرقة والنهب. فهي أغلى وأثمن من تلك البضاعة المعروضة في واجهة المحل أمام الكل ، فهذا يقلّبها وهذا يساوم عليها، ولكن تلك الجوهرة النفيسة النادرة المحفوظة بعيداً قيمتها لا تقدر بثمن، وبريقها لا يضاهيه بريق ولا يأخذها إلاّ من يستحقها ويعرف قيمتها العظيمة، فكما قيل: »المرأة الفاضلة كتاب لا يقرأه إلا المؤمنون« وكما قال الإمام الصادق u: ( الكُفْو أن يكون عفيفاً )[6]. والمرأة لا تقدر بثمن، ففي الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ): (.. فأما صالِحَتُهُنّ فليس خطرها «أي قيمتها» الذهب والفضة، هي خير من الذهب والفضة !)[7]. ولهذا السبب أطلب منكِ أنتِ أختي المؤمنة أن تكوني مؤمنة محافظة على حجابك وعلى يقين وإيمان بقضاء الله وقدره، ولا تقلقي بهذا الشأن إن كنت غير متزوجة، فالله يعلم الخير في جميع أمورنا وحتى إن لم يقسم الزواج لكثير من الفتيات المخدرات، فليس هذا نهاية الكون أو فيه شرّ لك! بل هو والله خير .. فلا أحد يعلم حكمته سبحانه في توزيع الأرزاق. وتأكدي أن الله حين لا يقسم لكِ الزواج إنما يجنّبك من أمور قد تؤذيك ، أو تسبب لك التعاسة والندم، أو تجلب لكِ المشاكل، أو غير ذلك من الأمور التي تخفى على البشر ولا يرون إلاّ الظاهر منها فـ (.. إنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً)[8]. فحين يعرف الناس أن تلك الفتاة مثلاً تجاوزت الثلاثين، فالكل يتعجب ويتساءل، وليس في ذلك أي عيب، ولكن بعض هؤلاء يسخرون أو يشمتون، أو حتى يضيقون عليها الخناق في تساؤلاتهم والتي تسبّب لها الإحراج، دون أن يقدروا مشاعرها كامرأة حساسة، إلى أن تصل إلى مرحلة التذمّر والتمرّد وتبدأ السؤال: لماذا أنا لم أتزوّج مثل صديقاتي أو أخواتي أو مثل أي امرأة[9]؟ وبالتالي سيسبّب لها ذلك بعض العقد النفسية، كالكآبة واليأس من رحمة الله وتتناسى أن الأرزاق بيده، وأنه ينزلها بحكمة وعدل، فلا يولد مخلوق في هذه الدنيا ولا يموت حتى يكون قد استنفذ رزقه، فالله يقول: ( ... نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ...)[10]. ولذلك على تلك الفتاة أن تتريّث، وتتعقّل، وتتّزن في طريقة تفكيرها بخصوص ما تسمعه أو يقال لها أو عنها من كلام أو نقد أو تجريح لتأخر نصيبها. فلابد أن تنتبه لحكمة الله ولا تجعل لهذه الأمور التافهة تأثيراً سلبيّاً عليها، فتزيد من شقائها وتستسلم ليأسها وتنسى رحمة الله[11]، فلا تؤدي دورها الفعّال والمساهمة في بناء المجتمع المسلم المتمسّك بحبل الله وعروته الوثقى، وتنسى الهدف الذي من أجله خلقنا. ولماذا نعلّق حياتنا وأرواحنا على أمل ربما يحدث أو لا يحدث طوال حياتنا، وإن لم يحدث فهل تتوقف الحياة وينتهي دورنا إلى هذه النقطة؟! الزواج هو هدف كل فتاة شيء صحيح ومسلّم به، ولا أحد ينكر هذا الحق عليها، ولكن إذا لم يتم فهذا لا يعني توقف الحياة. فلابد أن الله يهيأها لأمر أفضل من الزواج، أو يختبر صبرها، وهل تلتزم بالعفّة أم تجري وراء هوى نفسها؟ وقد وعد الله المستعفف بالغنى في الآية الشريفة: ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله )[12]، ليجزيها أفضل الجزاء على تمسكها بالأمل برحمة الله. ومن يعلم ربما هناك أمر ينتظرها يعوّضها عن الزواج، الذي تعتقد بأنه هو الأمر الوحيد الذي يسعدها! فالله يعلم وأنت لا تعلمين أين يكون الخير. انتبهي يا عزيزتي لهذه النقطة جيداً لتسعدي في الدنيا والآخرة، فأنت إذا يأست إنما تكتبين على نفسك التعاسة في الدنيا، ويكون لك مكان مع الفئة التي ترد إلى النار، ومكتوب على جباههم (آيس من رحمة الله). فهل هذا يرضيك؟ فكري جيداً، ولا تهتمّي لهؤلاء الناس، فهم لن يغيروا شيئاً من قدركِ وكل ما سيسبّبوه لكِ هو التعاسة فحسب. فتمسكي بإيمانك بالله وبعدله وحكمته، وإذا قالوا لكِ أن الحجاب سيكون عائقاً في طريق زواجكِ ، ولن يرضى بكِ أحد، أو أنه لن يرى شيئاً منكِ يعجبه. فأجيبيهم وبكل ثقة: أن الله موزع الأرزاق وكل شيء قسمة ونصيب وهذا الذي لا يعجبه شكلي المستور فلا حاجة لي به، وأنا التي لا أريد أن أرتبط بإنسان ليست عنده غيرة على حرمه وأهل بيته، والله يقسم لي الإنسان الذي يراه مناسباً لي ( قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون )[13]. وصدقيني أختي المؤمنة الرجل الغيور عليكِ، والملتزم بتعاليم الله، ويعرف حدود حرمات الله، هو الذي سيسعدكِ والله، ويحافظ عليكِ كجوهرة مصونة، ويحفظ بيتكِ ويحسن تربية أبنائكِ التربية الصالحة. وإن لم يكن قسم لكِ الزواج فلكِ دور كبير يجب أن تقومي به، فتعلمي أمور دينكِ جيداً وحاولي الاستزادة منها قدر ما تستطيعين .. نظمي وقتكِ وخصصي بعضاً منه للعلم. وأنا أؤكد لكِ أنكِ ستكونين أكثر سعادة وأملاً برحمة الله، وستتعلمين حسن التعامل مع الله خالقكِ، وأداء حق عبادته، ومع نفسكِ ومع الآخرين. والعمل هو الذي يجلب الرزق والبركة، فأنت حين تتعلمي يجب عليكِ أن لا تكتمي هذا العلم بل تقومي بتعليمه لغيركِ فـ (زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه)[14]. والمدرسة هي أكبر محفل يمكنكِ المشاركة فيه لأداء دوركِ السامي الذي خلقتِ من أجله، وهو التربية. فالطفل يتلقى عن طريق المدرسة مباني التربية الصحيحة بمبادئ ديننا السمحة، فأنتِ لستِ ملزمة فقط بتربية أبنائكِ وإذا لم يكن هناك أبناء فلا دور للتربية تقومين به، لا .. أنتِ الأساس .. أنتِ المدرسة التي إذا أعددناها أعددنا جيلاً طيّب الأعراق. نعم، فالأم تربي أبنائها وتضع اللبنات الأساسية في سلوكه، وأنتِ في المدرسة كمربية فاضلة تقوّي هذا الأساس وتنمّيه وتزرعي حبّ الله ومخافته، وحبّ التسلّح بالعلم والتمسّك بالدين وتكوني مسؤولة أمام الله عن كل حرف تعلميه لهذا الطفل ـ كأمه بالضبط أو أكثر ـ ومسؤولة أمام الله عن جيل كامل يصنع للغد المشرق .. المتحمل للمسؤولية .. الواعي المتمسّك بدينه، بفضل علمكِ وإصلاحكِ وتقويمكِ له. والآن هل عرفتِ كم يحبكِ الله ويريد الخير لكِ؟ ثقي بذلك ولن تندمي. وهل عرفت أن الله ما خلق شيئاً ونسيه أو خلقه بلا هدف؟ فهو أرحم الراحمين وأرحم عليكِ من والديكِ أو أقرب الناس إليكِ ، وله الحكمة البالغة في تدبير الأمور، فاتقي الله ( ... ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ! ويرزقـه مـن حيث لا يحتسب ... )[15]. [1] سورة يونس: الآية 107. [2] تاريخ اليعقوبي ج2 ص263. [3] كلمة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ص110. [4] بحار الأنوار ج100 ص235. [5] بحار الأنوار ج100 ص232، وأصل الدِّمن ما تُدمنه الإبل والغنم من أبعارها وأبوالهـا فربّما ينبت فيها النبات الحسن وأصله في دِمْنة. [6] بحار الأنوار ج100 ص372. [7] بحار الأنوار ج100 ص233، وبقية الحديث هو: (وأمّا طالِحَتُهُنّ فليس التراب، التراب خير منها!). [8] من وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لابن عباس، تاريخ اليعقوبي ج2 ص263. [9] ولا ننسى هنا مـا للآباء من دور في تعنيس بناتهم، فعندما يتقدم الخُطاب إليهم يسألون أول ما يسألون عن المكانة الاجتماعية والثروة والبيت المِلك ويتناسون الأسـس التي وضعهـا الإسلام، أو يجعلونها في آخر ما يسألون عنه، قد حدث هذا مع أحد أصحاب الإمـام الجواد u فسأله ذلك، فكتب مولانـا الإمام الجواد (عليه السلام) إليه ـ إلى علي بن أسباط ـ في جواب سؤاله: (فهمتُ ما ذكرتَ من أمر بناتـك وأنـك لا تجد أحداً مثلك فلا تفكر في ذلك يرحمك الله، فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قـال: (إذا جاءكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، وإن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). بحار الأنوار ج100 ص373. [10] سورة الزخرف: الآية 32. [11] ( إنه لا ييأس من رحمة الله إلاّ القوم الكافرون ) ، سورة يوسف: الآية 87. [12] سورة النور: الآية 33. [13] سورة التوبة: الآية 51. [14] بحار الأنوار ج2 ص25 ح80 ب8، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). [15] سورة الطلاق: الآيات 2-3. |