|
أين الرقيب! إن جيل المستقبل الذي تصرّف الدول الملايين في سبيل تنشأته النشأة الصالحة ليكون حمى ومصدر قوة لمجتمعه والسواعد التي تبني مجده وتعلي من شأنه، نجد وبكل أسف مجتمعاتنا الإسلامية قد أصبحت تربي هذه الأجيال على سماع الأغاني التي تميت القلب والضمير وتحيي شيطان الشهوات فيه .. تربيه على أشرطة الفيديو المليئة بآفات الفساد وأفلام الانحراف الخلقي والعنف[1]. ناهيك عن الطامة الكبرى المتمثّلة بالأطباق الفضائية التي تضج منها السماء لكثرتها وخبث محتواها، والتي صارت تدخل كل بيت وتزحف حتى إلى غرف نوم الفتيات والفتيان، والله يعلم ما يأخذه هؤلاء الفتية .. هؤلاء الورود الغضّة وما يتطبّعون به من طبائع، والله إنها لتشعرنا بالخزي والألم والحسرة ، لأنها تسببت بضياع الكثير منهم في متاهات الحرام والانحلال والمخدرات دون رقيب أو حسيب يراقبهم أو ينصحهم أو يخاف الله في تربيتهم. فالوالدان غائبان عن المنـزل، هو مشغول بعمله وصفقاته التجارية ودعوات العمل وحفلات العشاء إلى الليل أو حتى رحلات سفر لحضور الاجتماعات التربوية والاقتصادية والخ، والتغيب عن المنـزل لمدة طويلة، وهي مشغولة بعملها ثم بدعوات صديقاتها أو حفلات الشاي في الجمعية النسائية الفلانية أو افتتاح طبق الخير المقدم من الهيئة الكذائية. وكذلك السفر للترفيه والتسوّق من الأسواق الأوروبية، والاطلاع على أحدث أزياء الموضة لهذا الموسم ـ تلك الأزياء التي حاكتها الأيدي الضامرة للشر الفاسقة، بإبَر الكفر والفساد والحقد على كل ما هو ستر ووقار وسموّ لشرف المرأة المسلمة لتنجّس وتلوّث طهرها وعفافها ـ أو تسافر لحضور المؤتمر الفلاني الذي يبحث عن «حقوق المرأة والمشاركة في الدفاع عن حقوقها». الكل يركض وراء مصالحه الدنيوية وكيفية الترفيه عن نفسه وقضاء أوقاته في تلك الدول للراحة والاستجمام ولاستعادة النشاط ومواصلة العمل من جديد .. لا وقت لديهما ولا حتى ساعة واحدة للتوقف عندها والرجوع إلى النفس ومحاسبتها وتقويم أخطائها والتنبّه لأهمية تطبيق مواضيع ومبادئ التربية الصحيحة التي قطعت من أجلها الأميال للمشاركة فيها، وغرس هذه المبادئ البالغة الأهمية في عقول فلذات الأكباد الذين أصبحوا مهملين، ونسيت حقوقهم في تلقين التربية الصحيحة وبذل الحب والحنان وتوفير الاستقرار النفسي والاجتماعي لتنشأتهم النشأة الصالحة، وصارت الأولوية في المطالبة بحقوق المرأة الصينية، والأبناء يدفعون ثمن الإهمال باعتماد الأهل على الخادمة مجهولة الهوية ومشكوكة السابقة، وفي الغالب من غير ملة الإسلام وتوليتها زمام أمور التربية الحديثة المتفتحة، فلبئس الرقيب والحسيب!! إن هذه المصائب إنما هي غيض من فيض، وهذه الأخطار التي تحيط مجتمعنا الإسلامي صارت تشغل الناس عن الله والتوجه إليه وتصرفهم عن ذكره وعبادته وتغرقهم ببحور الفساد والفجور والتفكك الأسري، بل خلقت جيلاً مهزوزاً ضعيفاً إمّعة .. ضاعت منه الرجولة والنخوة والغيرة والمروءة، لا يستطيع تحمل المسؤولية، والدليل ما نراه اليوم من مآسي أسرية جلبت لنا العار والمهانة والذل بعد أن كان الإسلام لنا عزّاً وفخراً وكرامة ومن هذه المآسي: ـ كثرة الطلاق، وتفكك ركيزتي الأسرة المتمثلة بالوالدين والتي تحمي الأسرة من الضياع والدمار والتمزق وبالتالي الانحراف ودمار المجتمع بأسره، فحين تغضب الزوجة لأن زوجها متعصّب أو أنه يريدها أن تبقى في المنـزل أو تريد أن تكون هي المتحكّمة والمسيطرة على الأسرة، ويدب النـزاع ويلجأ كل إلى بيت أهله، وهم بدل أن يهدؤوا الأوضاع يزيدوا نار الخلافات حطباً، فأبوه يقول: طلقها وأنا أزوجك أفضل منها، وأبوها يقول: اطلبي الطلاق وسيخاف ويأتي إليك راكعاً، لا هذا يرجع ولا هذه ترضى بالصلح ويتم الطلاق ومن يدفع الثمن؟ الأبناء الأبرياء! ويكون مصيرهم الضياع وتعاطي المخدرات والانحراف بينما الطلاق لم يشرّع إلاّ للضرورة القصوى، وعلى أنه آخر الدواء ففي الحديث الشريف ( لا شئ مباح ابغض إلى الله تعالى من الطلاق )[2]. ـ العنوسة، وبلادنا الإسلامية والحمد الله تزخر بالفتيات اللواتي قد حكم عليهن أهلهن بعذاب العنوسة لأفكارهم المتحجّرة أو تلك التي زرعوها في عقولهن عن زوج المستقبل وشروط المهر والمسكن الفاخر والخادمة والسيارة والوظيفة وغيرها من الأمور التعجيزية ، ويطول انتظارهن له ويضيع عمرهن سداً وربما لن يأتي أبداً، وهو يصدم بهذه الشروط ويعزف عن الزواج، ومن يدفع الثمن؟ الأبناء! ويكون مصيرهم أيضاً الضياع والانحراف بمحاولة التعرف واقتناص أي زوج عن طريق العلاقات السرية وغير المشروعة، بينما بالعودة إلى الإسلام نحصل على الحلول المرضية، فهو من جهة يحرض على الزواج المبكر بحيث لا يفتح الرجل عينيه إلاّ على زوجته وكذلك البنت، فقد جاء في الحديث عن صادق آل محمد : ( من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته)[3] ، وأيضاً حرّض على التقليل من المهر وجعله أساس السعادة الزوجية حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً)[4]. ـ تفشي ظاهرة بناء علاقات صداقة مع الجنس الآخر «البوي فرند» وهي المصيبة العظمى التي جاء بها هؤلاء المتشدقون باسم التحضر والحرية وجلبوا عارها إلى فتياتنا وفتياننا المسلمين لتدمر ما تبقى من مثل وأخلاق يحملوها في نفوسهم البريئة. ـ وكذلك مشكلة هجرة الشباب المسلم إلى الدول الغربية والتطبّع بطباعه المنافية لأخلاق الإسلام ومبادئه وقيمه الأصيلة، محاولاً الهروب بها لما يراه من تشتت وتفكك وانهيار لهذه المبادئ والقيم في مجتمعه الإسلامي الغارق بالصراعات والنازعات، ولشعوره بالفراغ الديني الذي لم يحرص الأهل على ملئه بالطريقة الصحيحة والقويمة، والتي كان عليهم ترسيخها فيه منذ الصغر، فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر أشار إلى ذلك حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)[5]. فيهاجر وهناك تحتضنه الأيدي الغربية الأثيمة، وتسهّل له جميع أمور ومستلزمات حياته التعليمية والترفيهية، وتقدم له السم المدسوس بالعسل، وتدفعه إلى الانطلاق في عالم الحرية والإباحية والدونية، وتجعله من خلال إغراءاتها يستغني حتى عن أهله وينساهم وينسى كل ما يتعلق بتعاليم دينه التي تحفظه من بؤر الفساد التي يغمره بها الغرب اللعين. وغير ذلك من المشاكل التي زعزعت الأمن والاطمئنان في قلوب البشر. وحين يقدم أهل الخير النصح لها الأب أو هذه الأم المهملين لأولادهما .. المنشغلين بمشاكلهما يغضبان ويثوران، فالأم تقول: هذا ليس من شأنكم! أولادي وأنا المسؤولة عن تربيتهم! ومن أنتم حتى تعلموننا كيف نربي أولادنا؟ ثم دعوهم يأخذوا حريتهم فلماذا نحرمهم من الاستمتاع في مراحل حياتهم وبشبابهم؟!. والأب يتذرع بأنه مشغول بتوفير لقمة العيش الكريمة من خلال تلك الأعمال التي لا تنتهي وأنه لا يريد لأبنائه أن يعانوا من الحرمان الذي كان يعانيه في السابق!! والمال الآن وفير والحمد لله، ثم إن الصلاة والعبادات وكل هذه الأمور سيعرفها ويتعلمها لاحقاً. تلك هي عاداتنا فإما أن نحرم أنفسنا لدرجة المعاناة ونتذمر من بؤس حالنا وننسى واسع رحمة الله وفرجه، أو حين يتوفر المال نسرف بتبذيره من غير تعقل أو اعتدال أو شكر لواهب هذه النعمة فتبدد في غير مكانها الصحيح، وتنقلب النعمة إلى نقمة ولعنة على الوالدين والأبناء. فهل فكر هذا الأب أو هذه الأم من سيعلم أولادهم أمور دينهم؟. من سيغرس مبادئها ويرغبها ويحببها إلى نفوسهم؟. فهذه الفتاة التي ستصبح زوجة وأمّاً في يوم من الأيام وستكون مسؤولة عن تربية أولادها ـ جيل المستقبل ـ من سيوجهها ويعلمها كيفية وأهمية الالتزام بالسلوك الإسلامي الصحيح ويرشدها إلى أخلاقياته والتزاماته؟. من سيخبرها عن ضرورة ارتداء الحجاب وماهيته ومبادئه ولماذا؟. من يوجهها الوجهة الصحيحة في اختيار الصديقة الحسنة؟. بل إن ما نراه اليوم أفظع من ذلك من حيث ظواهر التشبه بالغرب والابتعاد عن مبادئ ديننا السمحة الحريصة على كرامة المرأة، فهناك بعض من الأمهات اللواتي يحرضن بناتهن على ارتداء الأزياء الغربية الخليعة حتى لا يقال عنها أنها غير متحضرة !. وهذا الفتى أداة بناء المجتمع زهرة المستقبل، من سيعلمه الالتزام بتعاليم دينه ويوجهه ويغرس الوازع الديني في نفسه، الذي يجعله في أمان وحمى الله بعيداً عن آفات الانحراف وبعيداً عن صحبة السوء؟. وهذا المال الوفير هل عرفوا أين يصرف ولأي غرض ومع من؟ عندما نغدق عليهم بالمال؛ فكل ما يطلبونه يجدده من دون اهتمام فيما إذا كان ذلك سيعود عليهم بالخير أو الشر، وخصوصاً ما نراه الآن في ظاهرة اقتناء الفتيان والفتيات لجاز المناداة «البيجر» وجهاز الهاتف المتنقل والسيارة، برغم قلة خبرتهم وحداثة سنهم، فعدم حساب الأهل لطبيعة الشباب المندفعة والمتهورة هذه التي قد تسبب في إيذائهم أو تؤدي بحياتهم؟. فهل سينتقص معنى الحرية والتحضر التي يتشبثون بها إذا راقبوا وسألوا أولادهم عن أحوالهم وأمورهم؟. فاحذري يا أختي الحبيبة من هذه اللعنات التي تصب على مجتمعنا في هذا الزمن العصيب والتي على وشك أن تصيب الكل إلاّ من يتحصن بحصن الله ويعرف قدره ويخافه. إن رقيبكِ يجب أن يكون من داخلك، فهو الذي يحميك ويحصنك من كل شرّ، وإن صدقكِ مع نفسكِ هو الرادع عن كل رذيلة، ومراجعة النفس مرات ومرات هي التي تحيي الضمير الغافل .. فكري بعقلكِ ألف مرة قبل أن تقدمي على أي قول أو عمل أو تتخذي أي قرار، ولا تتبعي هوى وميول النفس فتنجذبي وراء كل أفّاك ينعق باسم الحرية ويبهر عينيك بمظاهر الموضة الخليعة، التي تجعل منكِ مجرد دمية فارغة وسلعة رخيصة خالية من الأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية التي تكرم المرأة وتعلي من شأنها، تعلمي أن تقولي: لا ! ألف مرة وبكل قوة وثقة وتصلّب لكل ما قد يجرح كرامتكِ ويؤذي شرفكِ، لا تستسلمي لمغرياتهم أبداً. [1] حديث (النظرة سهم من سهام إبليس) حديث (الغناء مدعاة للزنا). [2] مستدرك الوسائل ج15 ص279 ح18233. [3] الكافي ج5 ص336 ح1 ، ومثله في وسائل الشيعة ج20 ص61 ح 25036 ب23 . [4] الكافي ج5 ص324 ح4 ، ومثله في التهذيب ج7 ص404 ح24 ب34 ، وفي الفقيه ج3 ص385 ح4356 ب2. [5] قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): العلم في الصغر كالنقش في الحجر، بحار الأنوار ج1 ص224 ح13 ب7.
|