|
من دروس الابتلاء (إذا أحب الله قوماً أو أحب عبداً صبّ عليه البلاء صبّاً فلا يخرج من غم إلاّ وقع في غم)[1]. وخلاصة ما مرّ من تجربتي، ورحلتي مع الحجاب، والدرس الذي استفدت منه، والعبرة التي اعتبرت منها وتيقنت لها، أن الابتلاء أمر ملازم قد وضع قانونه الله، ليميز الخبيث من الطيب، والصادق في عبادته لله والذي يعبد الله على حرف، ولينتخب صفوة عباده المتمسكين بصدق حبهم وطاعتهم لله .. مؤمنين بهذا القانون السماوي، الذي ما أوجده الله إلاّ رحمة وصلاحاً لعباده، ليعرفوا الله وعظمته وقدرته ويتقوه حق تُقاته. ولا يزال الله ينزل أمور قضائه وقدره على عبده المسلم، ويزيد من ابتلائه بالخير والشر لتزداد كفّة ميزانه رجحاناً ويزدد الله له حبّاً فيجعله في جنات النعيم. ولا يزال الله يبتلي الإنسان بالخير والشر، ليظهر حقيقته ايمانه، ونتبين مدى رسوخها أو تزعزعها، ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون )[2]، و( ليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور )[3]. وإن ظهر سوء سريرته، وخبث نيته، وَكّلَهُ إلى نفسه، ولم ينظر إليه وجزاه ثوابه في الدنيا، ليبعث يوم القيامة وليس عنده حسنة تشفع له عند الله، فيأتيهم الخطاب ( ... أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيـا واستمتعتم بها فاليـوم تجزون عذاب الهون ... )[4]. فليس لله بأمثال هؤلاء حاجة، ( فإذا أراد الله بعبد شرّاً فأذنب ذنباً تبعه بنعمه لينسيه الاستغفار ويتمادى به )[5] ، ( فلمـا نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ... )[6]. وبفضل الله ورحمته بي فقد كان ابتلاؤه لي فيما قبل الحجاب تذكرة لي ، وتنبيهاً لما ارتكبته من ظلم نفسي، لكي أصحو من غفلتي وأتنبّه أن الله قادر على أن يبقيني في ضلالي، لأشقى في الدنيا والآخرة ويحذرني فداحة الخسارة باستمراري في المعصية .. السفور. وصرت متيقنة من أنه قادر على أن يمحوني ويسحتني، ولا يعبأ بي إذا لم أرتدع وأتوب إليه. ومن وسع رحمته أن ألهمني أن أدعوه، فلولا الدعاء لكنت غارقة إلى الآن في بحر ظلماتي ( قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعائكم ... )[7]. وأنا والله محظوظة أن منّ عليّ بالتوبة ( إن الدعاء يردّ القضاء )[8]. وكان ابتلاء ما بعد الحجاب وما بعد الهداية، لتمحيص حقيقة وصدق واستمرارية توجهي وتوبتي إلى الله .. ومدى محافظتي وتمسكي بحجابي، أم أنها مجرّد مرحلة مؤقتة كما اعتقد الكل وسأمل منها وأعود عنها إلى ضلالي القديم! ويجب عليكِ أنتِ أيتها الأخت المؤمنة أن تنتبهي إلى أن الرجوع إلى المعصية بعد التوبة .. والرجوع إلى السفور ذنبه أكبر وأعظم ، فالجهل بوجوب الالتزام بارتداء الحجاب ، وعدم الفطنة إلى أنه فرض واجب على المرأة كالصلاة والصيام وجميع العبادات ـ التي أمرنا الله في الالتزام بأدائها ـ يعتبر معصية، واستمرارية ارتكاب هذه المعصية بالخصوص في بلادنا التي ـ والحمد لله ـ يتوفر فيها علماء الدين ويخطبون آناء الليل وأطراف النهار، ويبيّنون للناس حدود الشرع في مسائل الحلال والحرام، في هذه البلاد يعتبر الجاهل فيها مقصّراً لا قاصراً ، وليس له على الله حجه. فأمثال هؤلاء سيقولون يوم الحساب: لم نكن نعلم ، فيأتيهم النداء من ربّ العزّة »هلاّ تعلمت؟!«، أمّا بعد علم السافرة بالحكم الشرعي، ومع ذلك تبقى على تبرّجها .. وتستمر بالعصيان، أو تتحجب مؤقتاً ثم تعود لسابق عهدها في أحضان الضلال يعتبر من اكبر الكبائر، فالاستمرار على المعصية الصغيرة يعتبر كبيرة، فكيف في الاستمرار على الكبيرة، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ( لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت )[9]. وليس هذا سوى الاستهزاء بمقام الربّ الكريم. وقانا الله وإياكِ من هذه اللعنة وأدام علينا ظل الهداية وبركة الستر ورحمة الحجاب إلى يوم الدين. وأحب أن أُنبهكِ لأمر آخر، هو أنكِ وبعد أن يمنّ الله عليكِ وتزيني نفسكِ بالحجاب، وتدخلي حصن الإيمان أو قد ارتديتِ هذا الجلباب من قبل ـ وهو صادق أمنيتي من الله لكِ ـ هو أن لا تركني وتهملي باقي واجباتكِ ـ بعد الاطمئنان على تمام صحة ارتداء الحجاب ـ فالحجاب لا يعني ثوباً ظاهرياً فقط. فالتطهير يجب أن يكون ظاهراً وباطناً، وتطبيق مبادئ الحجاب يجب أن يكون قولاً وفعلاً، فلا فائدة من ارتداء الحجاب ولازالت النفس مدنسة غير مستقيمة .. جاهلة أهم واجباتها تجاه ربها .. غير ملتزمة بتطبيق تعالميه عملياً. فالطاعة والتزام الواجبات الدينية، والعمل على رضا الله ومحاولة التكفير والاستغفار يجب أن يكون هدف الإنسان الرئيسي في حياته، وعهد التوبة يجب أن يكون متواصل العمل بها لا ينقطع، فنسأل الله أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً ، وان يصلح لنا شأننا كله. فالرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع كل ما له من المنزلة والحظوة عند الله فهو أحب خلقه إليه وهو أول الخمسة الذين خلق من أجلهم السماوات والأرض[10]، وبالرغم من عصمته[11] فقد كان دائم التضرّع الله والتذلّل أمامه، وكأنه أكبر مذنب من شدة خضوعه وخوفه وحبّه لله سبحانه. فها هي أم سلمة تفيق في منتصف أحد الليالي فلا تجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجانبها، فيداخلها ذلك الشعور الذي يداخل المرأة، وتهمّ بالبحث عنه في بيوت زوجاته الأخريات، وإذا بها تراه قد ركن إلى أحد زوايا البيت يتضرع إلى الله باكياً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) متذلّلاً يدعو الله بهذا الدعاء: ( اللهم لا تنـزع مني صالح ما أعطيتني أبداً .. اللهم لا تشمت بي عدواً ولا حاسداً أبداً .. اللهم ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبداً .. اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً )[12]. نعم هذا هو عمل ودعاء وتوسل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، النبي المعصوم .. أعظم نبي لأعظم أمة، فماذا عنا نحن .. الغافلين عن ذكر الله بالتفاهات، والمنشغلين عنه بملذّات الدنيا الفانية، ما يكون حالنا نحن وكيف يجب أن يكون توجهنا إليه سبحانه!. وأحمد الله حمداً لا يُعرف له حدٌّ ولا يحصى أو يعد له غدّ، وليس له أمد وأشكر له جزيل نعمائه وعظيم كرمه وواسع رحمته بي، أنا المخلوقة الضعيفة المغلوبة على أمرها، وأساله أن يجعلني من عباده الصالحين ومن المحافظين على طاعته والحريصين على التقرّب إليه ونيل رضوانه، وممن اشترى رضا الخالق وإن أسخط المخلوق.
فما أسعد حظ من يحرص أن يكون العمار بينه وبين الله أكبر وأعظم مما هو بينه وبين الناس، وكم أتمنى أن أكون من هؤلاء المحظوظين ! فيا ليت ما بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب نعم، وإن شاء الله أكون عند حسن ظن الله بي .. في صدق النية، ومواصلة الاجتهاد في سبيل التقرب اليه، عسى أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، ويوفّقني لما يحب ويرضى ، وأن يهديكِ أختي المؤمنة إلى الحجاب ـ إن لم تكوني قد اهتديتِ بعد ـ الذي هو الرحمة المنزلة والحصن الحصين، وهو أساس كل فضيلة وخير، وسيف يقطع دابر كل شر. هداكِ الله إليه ، وكساكِ أجمل وأطهر وأعظم ستر .. رحمة منزلة منه عزّت قدرته ، وأسال الله لنا العفو والمغفرة والهداية والصلاح، وأن يجعلكِ من الثلّة الأولين والتي وعد الله أن تكون في روح وريحان وجنة نعيم[13]. وأحب أن أبين لكِ أختي المؤمنة في ختام بحثي هذا: أن كل ما ذكرته في رحلتي وقدمته بأدقّ التفاصيل، لأوصلك لحقيقة ما كنت أشعر به قبل الحجاب وحقيقة مشاعري بعده، لتتبيّني الفرق وتحسي بقيمة النعمة بعد الغفلة عنها أو الحرمان منها، حتى لا تضيّعيها بعد أن تكوني قد نلتيها أو يمنّ الله بها عليكِ لتبقي في سعادة واستقرار وطمأنينة دائمة. وإن كنتُ في بعض الأحيان أبتعدُ قليلاً أو أخرج إلى عدة مواضيع متفرعة من الموضوع الأساسي، ولا أقصدُ بالطبع أن أبتعد عن الهدف الرئيسي إلاّ للتوضيح وتقديم الأمثلة الواضحة المتعددة لتكون الاستفادة أكثر مما أحاول أن أطرحه وأوصله لكِ، فكل ما كنتُ ذكرته كان له وطيد العلاقة بالعناصر والمبادئ والقوانين التي تنص عليها رسالة الحجاب. وقد حاولت أن أذكر بعضاً من هذه العناصر والمبادئ والأمور المتعلّقة بموضوع البحث، فالحجاب كما ذكرنا في السابق ليس فقط غطاءاً للرأس وثوباً، بل إنه اعظم وأشرف قانون أنزله الله وأختص به المرأة وحباها بالكرامة، وشرّفها بلباس الطهر هذا، والذي أوحاه إلى رسوله الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليهدي أهل بيته إليه، ونساء العالمين تنهج منهج أهل البيت (عليهم السلام). لا سيما القدوة الأولى والمعجزة الكبرى والنعمة العظمى وعروة الله الوثقى، سيدة نساء العالمين، مولاتنا .. سيدة العفّة والطهر والشرف الرفيع .. فاطمة الزهراء بضعة النبي الأعظم وزوج المرتضى وأم السبطين سيدا شباب أهل الجنة عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلوات وأتم التسليم. وأنا إذ أقدم لكِ يا أختي العزيزة هذا البحث المتواضع إنما أشعر ـ وأنا أقدمه لكِ ـ كمن يقدم صحيفة سوابقه تقرأ على الملأ لتكون كفارة عن ذنوبي وسيّئات أعمالي .. أو هو كتاب إقرار لله أمام خلقه بفادح ما ارتكبته من إثم. كما أنها تعني بالنسبة لي أيضاً «رسالة غفران» أسأل بها الله أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، وأن يرزقني شفاعة أهل البيت رحمة الله الواسعة، وباب نجاته، عليهم أفضل الصلاة والسلام. كما أسأل الله أن يتقبّل مني هذا الجهد المتواضع خالصاً لوجهه الكريم ليقي من عذاب النار وجهي المدنّس بالخطايا، ويجعلني من عتقائه يوم الحساب. وأسال الله لي ولكم ـ أخوة الإسلام ـ تمام الهداية والصلاح والإيمان. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيد الأنبياء والمرسلين محمد الأمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، المعصومين الميامين، شفعائي يوم الدين.
ندى عبد الصاحب الكويت [1] بحار الأنوار ج82 ص147 ح32 ب18. [2] سورة الأنبياء: الآية 35. [3] سورة آل عمران: الآية 154. [4] سورة الأحقاف: الآية 20. [5] بحار الأنوار ج67 ص230 عن الإمام الصادق (عليه السلام) [6] سورة الأنعام: الآية 44. [7] سورة الفرقان: الآية 77. [8] بحار الأنوار ج73 ص349 ح41 ب137. [9] بحار الأنوار ج74 ص79 ب3 ح3. [10] إشارة إلى ما ورد في حديث الكساء: (... قـال الله تعالى: يا ملائكتي ويا سكّان سماواتي، إني ما خلقت سماءاً مبنيةً ولا أرضاً مدحية، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسيري، إلاّ في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء، فقال الأمين جبرائيل: يا رب ومن تحت الكساء؟ فقال تعالى: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ... هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها ...). والمراد هم فاطمة وأبوها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وزوجهـا علي بن أبي طالـب والحسن والحسين (عليهم السلام)، من فقه الزهراء ج1 ص50. [11] الذي أكدت عليه الآيات القرآنية، منها: ( والنجم إذا هـوى ! مـا ضل صاحبكم وما غوى ! وما ينطق عن الهوى ! إن هو إلاّ وحي يوحى ! علمه شديد القوى )، سورة النجم: الآيات 1-5. [12] بحار الأنوار ج16 ص217 ب9 ح9. [13] إشارة إلى قوله تعالى ( والسابقون السابقون ! أولئك المقربون ! في جنات النعيم ! ثلّة من الأولين ! وقليل من الآخرين ! على سُرُر موضونة ! متكئين عليها متقابلين ! يطوف عليهم ولدان مخلدون ! بأكواب وأباريق وكأس من معين ! لا يصدعون عنها ولا ينزفون ! وفاكهة مما يتخيرون ! ولحم طير مما يشتهون ! وحور عين ! كأمثال اللؤلؤ المكنون ! جزاء بما كانوا يعملون ) سورة الواقعة: الآيات 10-24.
|