مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

الزواج بين مسؤولية الفرد والمجتمع

الشيخ حسن الصفار

إذا كان الزواج ضرورة وحاجة ملحة للإنسان في كل عصر ، فانه في هذا الزمن أكثر ضرورة ، واشد إلحاحا . وذلك لما يتعرض له إنسان اليوم من وسائل تحريض للشهوة ، وعوامل إثارة للغريزة ، تجعله يعيش حالة من الهياج والاندفاع الجنسي العنيف. فوسائل الإعلام وأجهزة الاتصالات تتفنن في إذكاء الغرائز والشهوات ، إضافة إلى انتشار أجواء الخلاعة والابتذال . ولم تعد هناك حدود أو مراعاة لشيء من الحياء والاحتشام ، الذي كان يميز الإنسان في ممارساته لغرائزه عن بقية الحيوانات.

كما تحيط بالإنسان المعاصر الكثير من دواعي القلق ، وأسباب الاضطراب النفسي ، للتعقيدات التي يواجهها في توفير متطلبات الحياة ، وللأخطار والتحديات المختلفة التي تنتصب أمامه على الصعيد الشخصي والاجتماعي .

وبذلك تزداد حاجة الإنسان إلى مأوى يلجأ إليه ليمنحه الطمأنينة والاستقرار ، والى قناة سليمة ، وإطار مشروع ، يمارس من خلاله غريزته الجنسية الطبيعية .

والزواج هو ذلك الحصن الحصين والكهف المنيع ، الذي يوفر للإنسان أجواء الراحة النفسية ، واللذة الغريزية ، ففيه سكون واطمئنان نفسي ، حيث يشعر كل من الزوجين بوجود من يشاركه هموم الحياة ، ويعينه على مشاكلها، ويمكنه الانفتاح عليه، وبثه آلامه وآماله، لذلك يصف الله تعالى الزواج بأنه سكن للإنسان ، فالرجل سكن لامرأته ، وهي سكن له ، أي يتوفر بكل واحد للأخر سكون النفس واطمئنانها. يقول تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )[1] والخطاب موجه للرجال والنساء.

وبالزواج يصبح الإنسان أكثر حصانة ومناعة تجاه الانحرافات السلوكية ، والمفاسد الأخلاقية ، بل وتجاه مختلف الجرائم . وهذا ما تدل عليه الإحصاءات والأرقام . فالمتزوج أمامه طريق سالك لإشباع رغباته وشهواته ، وهو غالبا ما يفكر أكثر في تصرفاته وممارساته ، لما يشعر به من مسؤولية عائلية وأسرية .

اخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي شبابا لا نجد شيئا فقال لنا رسول الله : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ـ أي النفقة ـ فليتزوج فانه أغض للبصر ، وأحصن للفرج".

أصبح تأخير الزواج للشباب والشابات هو الحالة السائدة في مجتمعاتنا ، حيث تستغرق الدراسة حوالي ثمانية عشر عاما ، إضافة إلى السنوات الست الأولى قبل سن الدراسة ، وبعد التخرج يحتاج إلى بضع سنوات حتى يجد له عملا ، وحتى يكون نفسه ليكون قادرا على توفير مستلزمات الزواج .

وهذا يعني أن يقضي الشباب والشابات أهم الفترات حراجة وحساسية في حياتهم العاطفية والنفسية ، وهم في حالة العزوبة ، مما يعرضهم للكثير من مخاطر الانزلاقات والانحرافات ، ويعرض امن المجتمع الأخلاقي للاهتزاز والاضطراب . إن المجتمع الذي يفكر في تحصين أمنه واستقراره ، ويهتم بصلاح وإصلاح أبنائه ، يجب أن يسهل وييسر أمور الزواج ، ويساعد الشباب على الإسراع في بناء حياتهم العائلية.

وإذا ما تأملنا النصوص والتعاليم الدينية نراها تحمل المجتمع مسؤولية زواج أبنائه ، يقول تعالى:

( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )[2].

(وانكحوا) أي زوجوا ، وهو خطاب للمجتمع بان يزوجوا العزاب ، حيث لم يخاطب العزاب هنا بان يتزوجوا ، وإنما خاطب الناس أن يزوجوهم . ذلك لان الزواج غالبا ليس قضية فردية يقوم بها الطرفان المعنيان فقط ، وبمعزل عن الارتباطات والتأثيرات الاجتماعية ، كسائر الأمور من بيع وشراء وإجارة . بل هو مسألة لها أبعادها وارتباطاتها المؤثرة بأكثر من جانب اجتماعي . كما أن من يريد تأسيس حياته العائلية وخاصة لأول مرة ، قد يحتاج إلى دعم وعون مادي ومعنوي ، لمساعدته على انجاز هذه المهمة وإنجاحها . من هنا يتوجه الخطاب إلى المجتمع (وانكحوا) .و(الأيامى) جمع (أيم) على وزن (قيم) وتعني الإنسان الذي لا زوج له رجلا كان أو امرأة ، وان كان قد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته ، وفي المرأة إذا مات زوجها ، ولكنه كما نص عليه اللغويون : تشمل كل ذكر لا أنثى معه ، وكل أنثى لا ذكر معها بكرا وثيبا.

وإذا كان بعض الأشخاص ، يعانون من الضعف الاقتصادي ، فان زواجهم قد يكون دافعا لهم للمزيد من العمل والإنتاج ، كما أن الله تعالى سيبارك لهم ويوسع عليهم ، بتحملهم لمسؤولياتهم العائلية والاجتماعية .


 


[1] الروم : 21

[2] النور : 32