مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

الطلاق .. وجحيم المجتمع

استطلاع: لقاء الربيعي

قد يصح في أحيان كثيرة ، تفسير هذه القضية أو تلك بعامل محدد أو عاملين أو أكثر ، وكلما كانت القضية ذات بعد علمي كان تفسيرها وتحديد عواملها ، أكثر وضوحاً وحصراً ، وقد لا يستدعي أي جهد مضن ، إلا إن الأمر ليس كذلك حيث تعلق الموضوع بالقضايا الاجتماعية ، وبالذات موضوع الطلاق لأنه شائك ومعقد ، وعبثا حاول علماء النفس الانفراد بتفسير هذه (الظاهرة) تفسيراً أحاديا يوائم نظرتهم ، فقد كان لعلماء الاجتماع صوت لا يقل قوة ، فيما أنكر القائلون بالعوامل الاقتصادية أي سبب حقيقي فاعل وراء الطلاق غير الوضع المعاشي!

عن هذا الموضوع كان لنا هذا الاستطلاع والذي ابتدأه السيد (مهند عبد الكريم -مهندس35سنة) قائلا:

يبدو الطلاق وكأنه ليس حالة عامة بقدر ما هو مجموعة كبيرة من الحالات الخاصة تخضع كل واحدة منها إلى ظروفها وأسبابها مع قناعتنا الأولية بوجود مظلات أو (لافتات) مؤثرة أو ضاغطة أكثر من غيرها على تأليب الحياة الزوجية ودفعها باتجاه التفكك الأسري والانفصال.

وأياً كان الأمر، فأن (آخر الدواء الكي) ، هذا هو العلاج النهائي إذا فشلت (العقاقير) عن تقديم الشفاء ووقف الطبيب عاجزاً أمام العلة ، وواضح بأن اللجوء إلى النار هو لجوء المضطر الذي تنقطع في وجهه السبل.

وليس الطلاق هو الحل الأمثل إلا عند الضرورة إذا عجزت الحلول وخابت المساعي في تقريب وجهات النظر وحل الخلافات الزوجية ولم شمل الأسرة.

حين يجري الحديث عن موقف الشريعة من هذا الموضوع وانه ابغض الحلال عند الله ، لابد أن نقر ابتداءً بأن الشريعة الإسلامية قد أباحت الطلاق- وهذا من فضائلها. ولكنها كما يقول الشيخ احمد الموسوي (خطيب احد الجوامع 55سنة) وضعت لذلك ضوابط يجب أن تراعى ، وعلى رأسها توفر الأسباب المقنعة لدى احد الزوجين أو عند كليهما ، وان تكون الحياة الزوجية ودوامها قد باتت مستحيلة بين الطرفين أما للنفور أو سوء العشرة أو أي من الموجبات الأخرى للانفصال.

وتأكيد الإسلام، أو تشدده على أن الطلاق يجب أن يكون بعد توفر الأسباب أولاً واستنفاذ محاولات الإصلاح ثانياً ، ينطلق من إدراك المخاطر التي تترتب عليه ، سواء تعلق الأمر بهدم الأسرة بدلاً عن بنائها أم تعلق الأمر بالنتائج الاجتماعية والنفسية والصحية على الزوجين بعد الطلاق، أم تعلق الأمر بمصير الأطفال وفقدانهم عناصر الرعاية والحنان والتنشئة في حالة تمزق الأسرة.

ومن هنا ، يقول الشيخ احمد , أن الضمير الإسلامي يشعر بالامتعاض والأذى أمام أية حالة انفصال ، لهذا لم يترك أمر الطلاق مباحاً وبابه مفتوح على مصراعيه لكي لا يكون هناك استسهال لقضية من اخطر القضايا التي تخص وحدة الأسرة ، مثلما تخص وحدة المجتمع على حد سواء ، ومن هنا أوكل الشرع ، مهمة إنسانية إلى أهل الزوجين والخيرين ورجال القضاء وموظفي البحوث الاجتماعية لكي يبذلوا ما يمكن بذله من مساع حميدة لتذويب الخلافات الزوجية وإزالة سوء الفهم وتذليل العقبات والتذكير بالنتائج الوخيمة ، فأن بلغوا ما يصبون إليه كان موقفهم نبيلاً وأجرهم عظيماً ، وان لم يوفقوا فلا سبيل عندئذ غير الانفصال الذي تتقبله الأطراف المعنية جميعاً على مضض.

كما كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ( محمود الخفاجي 45 سنة ) أستاذ في علم الاجتماع والذي تحدث قائلا:

ثمة الكثير من المشكلات التي ترتبط بهذه القضية ، منها على سبيل المثال موقف المرأة التي تتحمل النصيب الأكبر من نتائج الطلاق السلبية، إذ تلاحقها نظرة المجتمع ، وينغص عليها العمر وترهقها المتاعب المادية ومنها الوضع النفسي للزوجين بعد الانفصال ومنها أيضاً مستحقات الأطفال التربوية والنفسية ، على أن تسليط الأضواء على هذه المحاور يقتضي قبل ذلك كله التعرف على الدوافع الحقيقية والعوامل الموضوعية التي تقود إلى الطلاق وتشتيت شمل الأسرة .

آراء كثيرة تحمل الزوجة المسؤولية الأكبر في الخلافات الزوجية وما يمكن أن تؤدي إليه من عواقب وخيمة. فالدكتور ماجد سلمان (32سنة) يبدي ملاحظة أولية ، وهي أن اغلب حالات الطلاق تتم بعد الإنجاب ، وهذه المسألة غريبة على حد تعبيره ، فبدلاً من أن يقوم الأطفال بتوطيد العلاقات الأسرية ، فان إنجاب طفل أو طفلين أو أكثر يؤدي إلى حالة من التباعد بين الزوجين لا يلبث أن يتحول مع الأيام إلى نفور، والدليل على ذلك أن معظم الزوجات يسودهن اعتقاد خاطئ ، بأن هدف الرجل هو إثبات فحولته السليمة وحاجته النفسية إلى إشباع مفهوم الأبوة ، أو غريزة الأبوة ، الموازية ولو بصورة اقل إجهاراً لغريزة الأمومة ، وهذا صحيح ، إلا انه لا يمثل إلا وجهاً واحداً من الحقيقة ، وحقيقة الرجال تبقى متعلقة بوجوه عدة أو اهتمامات أخرى ذات تأثير عميق في تكوينه ، منها الحاجة إلى الزوجة التي تلبي حاجته الجسدية إلى الجنس والحبيبة التي تلبي حاجته العاطفية والرومانسية ، ويجد فيها وعاء يستوعب حاجته إلى العناية والحنان والرعاية ، بل تكمن في داخله رغبات تعكس من خلالها الزوجة أن يرى صورة الأم التي تغمره بالحب والدلال وتنعش ذاكرته على أيام الطفولة ، وهنا تبدأ المحنة كما يوضح الدكتور ماجد ، فالزوجة تحت غشاوة اعتقادها الخاطئ ، تتوهم بأنها قدمت لزوجها ما ينشده من أحلام ، وحققت له أهدافه بان تنجب من صلبه وتمنحه لقب الأب ، ومن هنا يأخذ تصرفها اتجاهين ، الواحد اخطر من الآخر ، فهي تولي كامل الرعاية والحنان والحب للأطفال الذين تعتقد بأنهم لا ينافسون زوجها على هذه العواطف ، ثم ترتكب خطأ أفظع عندما تهمل نفسها من حيث هي أنثى ، ومن حيث هي نداء رومانسي يلبي عاطفة الحب عند الرجل.

وهناك سؤال يتبادر إلى أذهاننا وهو (هل يجري ذلك بسبب تغير ما يطرأ على شخصية الزوجة؟) ودخلت في حوارنا المدرسة (أمل عبود 25سنة ) وأجابت على سؤالنا قائلة: أبداً ، فالزوجة ما زالت في أعماقها هي الأنثى التي تلبي حاجة الفراش المشتركة ، وهي الحبيبة الحالمة بنداء زوجها الرومانسي العاطفي ، ولكن الذي يتغير هو أسلوب التعبير ، فالزوجة تضع جسدها وعواطفها في الدرجة الثانية ، وتقدم الأطفال إلى الواجهة أو المرتبة الأولى ، ولهذا تتراجع علاقتها مع أنوثتها وتقل وقفتها أمام المرآة وتتقلص مفردات كثيرة من قاموسها الغزلي ، إن الحياة تتبنى لغة جديدة يتقبلها الزوج على مضض ويحتملها إلى حين ولكن ليس إلى الأبد.

ما الذي يمنع الزوج من تنبيهها ، أو الطلب إليها مباشرة لكي تستعيد أنوثتها الجسدية وعواطفها الرومانسية ؟ تجيبنا الست صبيحة حبيب (موظفة 35سنة ) عن سؤالنا قائلة : يقول البعض إن كرامته لا تسمح بذلك ، ولكنني أرى الأمر على نحو آخر ، فمثل هذه العلاقات والسلوكيات العاطفية والوجدانية والجسدية لا تلبي الحاجة النفسية الحقيقية وعندما تأتي بصيغة الطلب أو التنبيه سوف تبدو أشبه بالعواطف المصطنعة أو المستجدة ، وعيب الرجل في هذه القضية انه يجهل ما تفكر به زوجته وان جميع عواطفها نحوه لم تتغير أبداً ، بل العكس فأنها زادت تعلقاً وارتباطاً وقوة.

وفي هذا الإطار ترى( الدكتورة منى علي) بأن مشكلة الرجل تكمن في انه يرفض الاعتراف بالتغييرات الجديدة في حياة الأسرة بعد مجيء الأطفال ، إن لديه ثوابت على الزوجة أن تحذر منها أو على وجه الدقة تنتبه إليها حتى لا تزوغ عواطف الرجل قبل عينه ، وتعتقد الدكتورة منى بأن نسبة 60 إلى 70 بالمائة من حالات الطلاق تعود إلى الملل والروتين اليومي إذ يسود الحياة الزوجية نمط واحد من العلاقات التي تكرر نفسها يومياً ، بدءاً من تناول الطعام والحوار المتبادل وانتهاء بأخطر أنواع الحياة النمطية في سرير النوم ، وأنا انصح أي زوجين بأهمية التغيير المستمر في كل شيء ، وفي المقدمة زيارات الأصدقاء والأقارب وحضور الحفلات الأسرية والسفر.

وتذهب أسماء احمد(الباحثة الاجتماعية)

إلى رأي مماثل ولكنها تعتقد بأن تحقيق ذلك غير ممكن دائماً لأنه يصطدم بعقبات الزوجين المالية لان السفر أو تناول بعض وجبات الطعام خارج المنـزل يرهق ميزانية الأسرة ، وهي تعتقد بأن المتاعب المالية بحد ذاتها تؤدي في أحيان كثيرة إلى الانفصال لان النقص الحاد في متطلبات المنـزل المختلفة ومنها المعيشية تجعل الزوجين في دوامة من المشاكل لا تنتهي ، ومع ذلك كما تقول فأن إمكانية التغيير ممكنة حتى من غير تكاليف مالية ، فزيارة سريعة وقريبة هنا أو هناك أو التمشي معاً في السوق أو على ضفة النهر أو المنتزه وتغيير مكان الجلوس في داخل المنـزل ، أو إجراء تبديلات في الديكور والفراش.. إلى آخر ما يقع تحت الإمكانية ، من شأنه أن يلعب دوراً ايجابياً في حياة الزوجين.

السيد ع.س.ع (قاض متقاعد) يرى بحكم خبرته ، أن من الصعوبة التعرف على الأسباب الحقيقية للطلاق ، فالرجل والمرأة ، ولا سيما المرأة ، غالباً ما يطرحون مبررات أو يتقدمون بطلبات الانفصال تحت أعذار غير الأعذار الواقعية من باب الحياء أو الحرج الاجتماعي ، ولكن على العموم يمكن أن نشير إلى عاملين يتقدمان على بقية العوامل وهما: التباين الحاد في ميول ورغبات الزوجين ، وعدم توافقهما في العديد من الجوانب الحياتية ، بما في ذلك تباين المستوى الفكري ، والتباين في النظرة إلى العلاقات الجنسية وكذلك التباين في التكوين الشهواني ، ثم الإهمال الشديد لشؤون البيت والأسرة من قبل الزوجة إهمالاً يؤدي إلى إقلاق وتعكير مزاج الزوج لا سيما إذا كان قادماً من أسرة منظمة وعاش مع أم شديدة العناية بالأسرة والبيت ، ويعتقد السيد عبد الحميد بأن كثيراً من الزوجات ينقلن إلى بيت الزوجية طبيعة التربية التي تلقينها سابقاً ، أي مع أمهاتهن ، ومن المؤسف أن بعض الأمهات يدللن بناتهن دلالاً مفرطاً بحيث تصبح الواحدة منهن جاهزة للزواج وهي تعتمد على أمها في الصغيرة والكبيرة ولا تتحمل أية مسؤولية ، ولهذا انصح الأمهات أن يبدأن في مرحلة مبكرة بتربية بناتهن على تحمل المسؤولية تحت إشرافهن.