|
المعاشرة بالمعروف
الشيخ حسن الصفار
جعل الله تعالى للرجل حق القوامة في الحياة الزوجية , فقال تعالى :
(( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ))[1].
فهو يتحمل مسؤولية الكيان العائلي , بالمبادرة إلى تأسيسه حيث يطلب يد الفتاة ,
ويدفع المهر , ثم هو المتكفل بالإنفاق على متطلبات الحياة للأسرة , وهو المتصدي
لحمايتها والدفاع عنها .
وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة , فالرجل في موقعية تتيح له الالتزام هذه
المسؤولية وتحملها , من حيث قوته الجسدية , وطبيعته النفسية المؤهلة أكثر لتحمل
المشاق والأعباء , وتوفير نفقات الحياة .
بينما تمتاز المرأة برقة الجسد ونعومته , وبما تمتلك من فيض الحنان والعاطفة , الذي
يؤهلها للقيام بدور الأمومة العظيم .
فهناك امتيازات وخصائص متقابلة بين الزوجين , فليس هناك امتياز مطلق لأحدهما على
الآخر , بل نقاط قوة عند كل منهما تجاه الآخر , وبمشاركتهما وتكاملهما تتحقق
سعادتها ويؤديان دورهما الإنساني الاجتماعي .
وقوامة الرجل على المرأة في الحياة الزوجية تكليف قبل أن تكون تشريفا , وفي مقابل
الواجبات الملقاة على عاتقه تجاهها , تكون له بعض الصلاحيات وأهمها أن حق الطلاق
بيده , ما لم تشترط هي في العقد وكالتها عنه في طلاق نفسها , حيث تشاركه بموجب هذا
الشرط في حق الطلاق .
وللزوج حق الاستمتاع وهي تشاركه في ذلك , لكن صلاحيته أوسع , كما أن له التحكم في
أمر خروجها من المنزل على تفصيل , لكن هذه الصلاحيات الممنوحة للرجل من خلال موقع
القوامة في الحياة الزوجية , لا يصح أبدا أن تتحول إلى تسلط وقهر , والى استضعاف
للمرأة وإساءة لكرامتها , ولأن ذلك كثيرا ما يحدث من بعض الأزواج تجاه زوجاتهن ,
فقد جاء التأكيد في آيات عديدة , وأحاديث كثيرة , على أهمية مراعاة حقوق الزوجة
المادية والمعنوية , والتعامل معها باحترام وإحسان .
تؤكد أكثر من آية في القرآن الكريم أن تعامل الزوج مع زوجته يجب أن يكون في إطار
المعروف , وتكرر ذلك في أثنى عشر موضعا من القرآن الكريم منها : يقول تعالى:
1. (( َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))[2].
2. (( َإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ))[3].
3. (( َأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ ))[4].
4. (( وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ ))[5].
5. (( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))[6].
6. (( َأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
))[7].
والمعاشرة بالمعروف تعني أن تكون مخالطة الرجل ومعاملته لزوجته بأسلوب لائق
منسجم مع تعاليم الشرع وأعراف المجتمع.
قال الطباطبائي في تفسير الميزان: " المعروف هو الذي يعرفه الناس
بالذوق المكتسب من الحياة الاجتماعية المتداولة بينهم "[8]
.
وقال الشيخ السعدي النجدي في تفسيره "تيسير الكريم الرحمن": "
وعاشروهن بالمعروف" وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية , فعلى الزوج أن يعاشر
زوجته بالمعروف , من الصحبة الجميلة , وكف الأذى , وبذل الإحسان , وحسن المعاملة ,
ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما , فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله
لمثلها في ذلك الزمان والمكان , وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال "[9].
أما في السنة الشريفة فقد وردت أحاديث وروايات كثيرة توصي الأزواج
بحسن المعاشرة مع زوجاتهم , ففي صحيح البخاري عنه انه قال: " فاستوصوا بالنساء خيرا
"[10]
وعنه : " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة
الله "[11].
وعنه : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخيارهم خيارهم لنسائهم
"[12]
في المقابل فان هناك نصوصا وتعاليم تؤكد على الزوجة حسن المعاشرة لزوجها , ومعاملته
باحترام , فقد ورد عن رسول الله انه قال:
" أعظم الناس حقا على المرأة زوجها "[13].
وعنه : " ويل لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها "[14].
الاحترام المتبادل:
المعاشرة بالمعروف بين الزوجين تعني شيئين:
أولا : أن يؤدي كل منهما للآخر حقوقه ضمن المستوى المتعارف في المجتمع , وليس ضمن
الحد الأدنى , فنفقة الزوجة مثلا , تكون حسب المتداول لمثيلاتها في المجتمع .
وثانيا: الاحترام المتبادل مما يرتبط بالجانب المعنوي , فلا يجوز إيذاء الزوجة بجرح
مشاعرها أو إهانتها وإذلالها بغير حق , كما لا يجوز للزوجة خدش احترام زوجها
وكرامته .
ولا يقف الأمر عند حدود التحريم الشرعي واستحقاق الإثم عند إيذاء الزوجة , بل اقر
الإسلام إجراءات رادعة , للانتصاف للمرأة وحماية حقوقها , إذا كان الزوج معتديا
مسيئا , لأن الدين لا يسمح أن تبقى المرأة مستضعفة فريسة لاضطهاد الزوج غير الملتزم
بأوامر الله تعالى .
فإذا كان الزوج يؤذي زوجته ويشاكسها بغير وجه شرعي , جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم
الشرعي , ليمنعه من الإيذاء والظلم , ويلزمه بالمعاشرة معها بالمعروف , فان نفع
وإلا عزره بما يراه - من توبيخ أو ضرب أو ما أشبه - فان لم ينفع أيضا كان لها
المطالبة بالطلاق , فان امتنع منه ولم يمكن إجباره عليه طلقها الحاكم الشرعي.
والآيات القرآنية واضحة في أن الحالة المشروعة المقبولة للحياة الزوجية هي المعاشرة
بالمعروف , وإلا فهو إنهاء العلاقة والتسريح بإحسان (( فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن
بمعروف )).
[1]
النساء : 34
[2]
لبقرة : 228
[3]
لبقرة : 229
[4]
البقرة : 231
[5]
لبقرة : 233
[6]
النساء : 19
[7]
الطلاق : 2
[8]
الميزان في تفسير القرآن ، الطباطبائي ، ج2 ، ص232
[9]
تيسير الكريم الرحمن ، السعدي النجدي ، ص172
[10]
صحيح البخاري ، البخاري ، ج6 ، ص145
[11]
منتهى المطلب ، العلامة الحلي ، ج2 ، ص713
[12]
مسند أحمد ، أحمد بن حنبل ، ج2 ، ص250
[13]
ميزان الحكمة ، الريشهري ، ج2 ، ص1184
[14]
وسائل الشيعة ، الحر العالمي ، ج20 ، ص213
|