مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

الوقاية من الخلافات الزوجية

الشيخ حسن الصفار

من وظائف الزواج الأساسية تحقيق الاطمئنان والاستقرار النفسي ، حيث يجد كل من الزوجين في الآخر مبعث سرور وارتياح ، وسند تعاطف ودعم ، في مواجهة مشاكل الحياة ، وتلبية احتياجاتها.

لذلك يعبر القرآن الكريم عن العلاقة الزوجية بأنها سكن وملجأ ، يأوي إليه الإنسان يقول تعالى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ))[1]. ولا يحصل السكون والاطمئنان في الحياة الزوجية ، إلا إذا كانت العلاقة بين الزوجين في إطار المودة والرحمة ، والمودة تعني الحب والانشداد العاطفي والرحمة تعني رفق كل منهما بالآخر ، وشفقته عليه.

وذلك هو أرضية التوافق الزواجي ، الذي لا تحقق الحياة الزوجية أغراضها إلا بوجوده . ويعني التوافق الزواجي: قدرة كل من الزوجين على التواؤم مع الآخر، ومع مطالب الزواج. ونقيض التوافق حالة التنافر التي تبدأ بحصول انطباعات سلبية من احد الزوجين تجاه الآخر، أو من كليهما ، وبصدور ممارسات وتصرفات من احدهما مخالفة لرغبة الآخر، أو من كليهما ، مما يلبد سماء الحياة الزوجية بغيوم الخلاف والنزاع ، ويكدر صفوها بشوائب الأذى والانزعاج .                                                                                         

إن الخلافات والمشاكل في الحياة الزوجية ، إذا لم تعالج تسلب الطرفين راحتهما وسعادتهما ، وتفقدهما أهم ميزات وخصائص الارتباط الزواجي ، ويضغط الخلاف العائلي على الإنسان أكثر من أي خلاف آخر ، لأنه يقع في اقرب الدوائر والحلقات إلى ذاته.

كما تنعكس الخلافات العائلية على تربية الأولاد ، فتتمزق نفوسهم ، وتضيع حقوقهم ، ويستقبلون الحياة من خلال أجواء سيئة ملوثة . بالطبع مهما كانت درجة التوافق الزواجي عالية ، فإنها لا تمنع حصول بعض الخلافات والإشكالات فيما بين الزوجين ، بخاصة في السنوات الأولى من الزواج ، حيث تكون خبرة كل منهما بالآخر قليلة ، والثقة في بدايتها ، لكن أسلوب التعامل ، مع المشاكل الحادثة ، إذا كان واعيا ناضجا ، فانه يمنع تفاقمها وتطورها ، بل يحولها إلى مصدر إغناء وحماية لتجربة التوافق بين الزوجين .لا احد من الزوجين يرغب في وجود مشاكل في حياته الزوجية ، بل يتمنيان السعادة والانسجام ، لكن هناك عوامل وأسباب ، تنشأ وتنمو في ظلها الخلافات والمشاكل العائلية ، منها أسباب ذاتية تعود إلى ضعف ثقافة العلاقات الزوجية ، حيث يعتمد الأزواج الجدد في بناء حياتهما الزوجية ، على الاندفاع العاطفي ، ومحاكاة الحالة القائمة في المجتمع ، وعلى الإدراك العفوي البسيط لطبيعة العلاقة الزوجية ، دون أن يتوفروا على معرفة مناسبة لتشريعات الإسلام وتعاليمه ، فيما يرتبط بالحقوق المتبادلة بين الزوجين ، وبآداب وأخلاق التعامل العائلي . ودون اطلاع كاف على الأبحاث والتوجيهات العلمية المتخصصة .

ومن الأسباب الذاتية انحراف المزاج وسوء الأخلاق ، الذي قد يكون لدى احدهما أو كليهما وبمقدار ذلك تحدث الخلافات والأزمات إن لم يكن الطرف الآخر قادرا على الاستيعاب والتكيف . وهناك أسباب خارجية منها تدخلات بعض أهالي الزوجين ومنها الصعوبات الحياتية المعيشية فكثيرا ما تنعكس الأزمات الاقتصادية للعائلة ، على التوافق الزواجي . الوعي الحياتي للزوجين ، وتوفرهما على مستوى من الثقافة الزوجية ، يشكل عامل وقاية وحصانة من نشوب الخلافات الضارة ، أو اشتدادها وتفاقمها . ومهما كانت درجة التوافق الزواجي فان حصول شيء من الخلاف أمر محتمل ومتوقع ، وخاصة عند مواجهة الأزمات والصعوبات ، وهنا يأتي دور الوعي ونضج الشخصية ، لمعالجة الموقف بتعقل وحكمة ، بعيدا عن التشنج والانفعال ، الذي يحول المشكلة البسيطة إلى قضية معقدة . والتعاليم الدينية التي تتحدث لكل من الزوجين حول حقوق الآخر وفضله ومكانته ، وتحث على احترامه وخدمته ، وتحمل ما قد يصدر منه من أخطاء أو تقصير إنما تريد تعزيز المناعة في نفسية الطرفين تجاه ما قد يواجههما من مشاكل في علاقتهما الزوجية.

فهناك نصوص دينية كثيرة تخاطب الزوج ليعرف قدر زوجته ، وليحسن معاشرتها ، وليتحمل مسؤوليته تجاهها . ففي آيات متعددة يؤكد القرآن الكريم على معاشرة الزوجة بالمعروف ، يقول تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) ،  ويقول تعالى: ( فامسكوهن بمعروف ) وينهى الله تعالى الرجل عن توجيه أية مضايقة لزوجته أو إنزال إي ضرر بها ، في حياتها المعيشية كالسكن ، حتى ولو كانت مطلقة ، ما دامت في فترة العدة الرجعية يقول تعالى ( اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ).

وفي السنة الشريفة أحاديث وروايات كثيرة تخاطب الزوجة ، لتذكرها بفضل الزوج ، ودوره ومكانته في حياتها الزوجية ، وان عليها أن تحترم مقامه كرب للأسرة ومتحمل لأعبائها ومسؤولياتها.

روي عن النبي انه قال: " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها "

إن إجراء عقد الزواج بالإيجاب من قبل الزوجة أو وكيلها والقبول من طرف الزوج أو وكيله يعني توقيعهما على اتفاقية مشتركة ينبغي أن يسبقها معرفة واضحة من كليهما بما تلزمه هذه الاتفاقية من واجبات تجاه الآخر ، وما تعطيه من حقوق على الآخر ، لكن مثل هذه المعرفة الواضحة بالواجبات والحقوق الزوجية ، قد لا تتوافر لكثير ممن يدخلون عش الزواج الذهبي .

ومن الملحوظ أن التصدي للأعمال الهامة يأتي بعد التأهيل والاستعداد المناسب لانجازها ، فقيادة الطائرة ، أو حتى السيارة ، ومباشرة العمل الطبي ، بل حتى التمريض ، وكذلك التعليم وما شابه من الأعمال والمهام ، عادة ما يسبقها تأهيل وإعداد ، لكن الحياة الزوجية على أهميتها يدخلها الشاب والفتاة دون التوفر على برنامج تأهيلي إرشادي ، ودون الحصول على مستوى من الثقافة والمعرفة ، لطبيعة هذه العلاقة الزوجية ، ووظائفها وآدابها ، ومواجهة ما قد يعترضها من عراقيل وصعوبات.

إن ذلك يجب أن تتكفله مناهج التعليم في المرحلة الثانوية والجامعية ويجب أن يسبق عقد الزواج إرشاد توعوي ولو عن طريق التثقيف الذاتي ، بان يعطى كل من الزوجين بحوثا تتضمن تعاليم الإسلام في تسيير الحياة الزوجية بوسائل مقروءة أو مسموعة . وقد بادرت بعض المؤسسات الاجتماعية لعقد دورات تثقيفية توعوية لمجاميع من المقبلين على الحياة الزوجية ، وهو برنامج مفيد جدا ينبغي أن يتحول إلى سنة حسنة ، ليساعد أبناءنا وبناتنا على النجاح في حياتهم الزوجية ، خاصة ونحن نعيش ظرفا زادت فيه حدة المشاكل العائلية ، وارتفعت وتيرة الطلاق ، كما تتحدث الأرقام والإحصائيات.


 


[1] الروم : 21