|
ليلة العُرس والزِّفاف
ليلة العُرس هي البداية الفعلية لتأسيس الحياة الزوجية ، فإجراء عقد الزواج يعتبر
إرساءً لمشروعية العلاقة بين الطرفين ، وأنهما أصبحا زوجين بحكم الشرع ، لكن مع وقف
التنفيذ وتأجيله عرفاً ، وبالزِّفاف يدخل اتفاق الزوجية حيز التنفيذ والتجسيد
العملي ، حيث يبدأ الزوجان حياتهما الواحدة المشتركة ، بالعيش في سكن واحد ،
والتعاون في برنامج حياتي مشترك .
وليلة العُرس تشكل منعطفاً هاماً ونقطة تحوّل في حياة الزوجين ، ففيها يغادران
مرحلة العزوبة وحالة الفردية ، والتبعية لعائلتيهما ، ليكوّنا حياة زوجية يرتبط
فيها مصير كل منهما بالآخر ، وليصبحا كياناً اجتماعياً مستقلاً ، ونواة لأسرة جديدة
نامية .
والزِّفاف يعني الإعلان عن قيام هذا الصرح الاجتماعي الجديد .
والزِّفاف لغةً : إهداء الزوجة إلى زوجها . من الزفيف وهو سرعة المشي مع تقارب خطو
وسكون . وفي القرآن الكريم: (فَأَقبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ ) أي يسرعون ، وأصله
من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها . وما جاء في الحديث تزويج فاطمة (عليها السلام):
أنه صنع طعاماً وقال لبلال : أدخل على الناس زُفَّة زُفَّة ، أي فوجاً بعد فوج ،
وطائفة بعد طائفة ، سميت بذلك لزفيفها في مشيها ، أي إسراعها[1]
.
وقد تعارفت المجتمعات البشرية على الاحتفاء بهذه المناسبة ، بحيث
يُزَّف العروس إلى عروسه " والعَرُوس: نعت يستوي فيه الرجل و المرأة يقال للرجل
عروس كما يقال للمرأة "[2]
، ضمن أجواء فرح وابتهاج ، تختلف مظاهرها من مجتمع إلى آخر . وفي تعاليم الإسلام
تشجيع للاحتفاء بمناسبة الزواج . ولما تعنيه هذه المناسبة في حياة الزوجين ، ونظراً
لما يرافقها من مظاهر وبرامج احتفائية في مجتمع العروسين ، فإن لها وقعاً خاصاً في
نفسيهما ، وصدى يبقى خالداً في ذاكرتهما ، وكذلك من حولهما . فهي ليلة العمر ، التي
ينتظرها بلهفة وشوق كل شاب وفتاة .
وليمة العُرس:
روى أحمد من حديث بريدة قال: " لما خطب علي فاطمة قال رسول الله :
إنه لابد للعروس من وليمة "[3]
وقال لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: " أولم ولو بشاة "[4]
وأخرج الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت: " لقد أولم علي بفاطمة فما كانت
وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته ، رهن درعه عند يهودي بشطر شعير "[5].
فالوليمة عند الزواج سنة مستحبة عند جمهور العلماء ، وهو مشهور
مذهبي المالكية والحنابلة ، ورأي بعض الشافعية ، وفي قول لمالك والمنصوص في الأم
للشافعي ورأي الظاهرية : أن الوليمة واجبة ، لقوله لعبد الرحمن بن عوف: " أولم ولو
بشاة " وظاهر الأمر الوجوب[6]
.
وإجابة الدعوة إلى الوليمة واجبة حيث لا عذر من نحو برد وحر وشغل ،
لحديث: " ومن دُعي إلى وليمة ولم يجب فقد عصى أبا القاسم " وحديث: " إذا دعي أحدكم
إلى وليمة عرس فليأته ا". والإجابة واجبة حتى على الصائم ، لكن لا يلزمه الأكل[7]
.
وما ينبغي التنبيه إليه : هو ما يحصل في أكثر ولائم العُرس من مظاهر إسراف وتبذير ،
للتفاخر بذلك ، ولأن أسلوب تقديم طعام الولائم وتناوله في مجتمعاتنا ، لا يزال
بالطريقة القديمة ، حيث تقدم صحون الطعام كبيرة مملؤة لعدد قليل من الأشخاص ،
فيأكلون منها مقداراً بسيطاً ثم يُرمى الباقي . وسمعت من عدة مصادر مطلعة في
مجتمعنا أنه غالباً ما تصل نسبة الكمية الزائدة من ولائم الزواج إلى الثلث وقد تبلغ
النصف ، ويكون مصيرها الإلقاء في البحر أو القمامة!! إن لم يكن هذا مصداقاً للتبذير
والإسراف ، فما التبذير والإسراف إذاً ، يقول الله تعالى : ( إِنَّ المُبَذِّرِينَ
كَانُوا إِخوَانَ الشَّيَاطِينِ) ، ويقول تعالى: ( وكُلُوا وَاشرَبُوا وَلاَ
تُسرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسرِفِينَ ).
مراعاة الحجاب والعفة:
في غمرة أفراح احتفالات الزواج ، عادة ما يحصل شيء من التهاون والتساهل في الالتزام
بالحدود الشرعية ، فالنساء المشاركات من أهالي العروسين ومحيطهما ، عادة ما يكنَّ
في أبهى حلل الزينة والجمال ، كما أن الرجال والشباب المشاركين غالباً ما يهتمون
بأناقتهم ومظاهرهم في حفلات الزواج . وهنا لابد من رعاية الحجاب من قبل النساء ،
وعدم إظهار أي نوع من أنواع الإثارة واستعراض المفاتن ، وكذلك بالنسبة للرجال عليهم
غض البصر ، والابتعاد عن أجواء الإثارة ، وينبغي اجتناب الاختلاط ، والحذر من بعض
التجمعات الشبابية غير المنضبطة التي تستغل مثل هذه المناسبات ، وقد نشأت أخيراً
بعض العادات المخالفة لأجواء الحشمة والعفاف ، مثل أن تزّف العروس إلى صالة
الاحتفال ويدخل معها بعض إخوتها وأقربائها وسط النساء المشاركات ، بمبرر إظهار معزة
العروس عند أهلها ، لكن ذلك ليس صحيحاً من الناحية الشرعية ، إلا أن يتقيد كل
النساء الحاضرات بحجابهن وحشمتهن ، وهو أمر صعب في الاجتماعات النسائية لمثل هذه
المناسبات . ومن الظواهر المخالفة للشرع استخدام مكبرات الصوت في حفلات النساء بحيث
تصل أصواتهن إلى الخارج ، ويسمع غناؤهن وأناشيدهن الرجال الأجانب ، ولا مانع من
استخدام مكبرات الصوت ولكن في حدود المكان الخاص بالنساء . وهناك ظاهرة تصوير
الحفلات النسائية فوتوغرافياً أو بالفيديو ، ولا مانع من ذلك ولكن الإشكال في تسرّب
الصور والأشرطة ، ورؤيتها من قبل الرجال الأجانب.
إن عدم مراعاة الأحكام الشرعية على هذا الصعيد ليس فقط موجباً للإثم وارتكاب الحرام
، وإنما قد يكون سبباً لمشاكل اجتماعية وأخلاقية.
إرهاق العروسين:
المفروض تهيئة الأجواء المناسبة لتوفير أكبر قدر من الراحة والارتياح النفسي
والجسمي للعروسين ، حتى يلتقيا ليلة زفافهما بكامل نشاطهما النفسي والجسمي ، لكن
الملاحظ إثقال كاهلهما بالعديد من المراسم والعادات ، التي تستغرق منهما خاصة من
العروس الفتاة وقتاً طويلاً ، وجهداً كبيراً ، حيث تقضي ساعات انتظار في صالون
التجميل ، تصل في بعض الأحيان من ثلاث إلى خمس ساعات ، ثم تصرف وقتاً آخر في
استوديوهات التصوير ، من ساعة إلى ساعتين ، ثم تمكث عدة ساعات ضمن برنامج الاحتفال
، وهكذا تزف إلى زوجها بعد حوالي ست ساعات ، في أقل التقادير ، وقد تبلغ عشر ساعات
، وتبذل فيها الكثير من الجهد النفسي ، والعناء الجسمي ، الذي تستلزمه حالة
الانتظار ومقابلة الناس المهنئين ، والترحيب بهم.
وهكذا الحال بالنسبة للزوج لكن بنسبة أقل ، إن إرهاق العروسين بمثل هذه العادات
المكلفة ، له نتائج سلبية في كثير من الأحيان . وقد لاحظت الجهات الطبية أن البعض
منهم يصاب بأزمة ربوية ، أو ارتكاريا ، أو زكام ، أو لون من ألوان الحساسية ، أو
حالة من الإعياء والتعب الشديد.
[1]
ابن منظور، لسان العرب ج3 ص32
[2]
ابن منظور، لسان العرب ج4 ص733
[3]
ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي، فتح الباري ج9 ص287
[4]
البخاري: محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، حديث قم5167
[5]
ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي، فتح الباري ج9 ص299
[6]
الزحيلي: الدكتور وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته ج7 ص125
[7]
الزحيلي: الدكتور وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته ج7 ص126
|