|
الأسرة وتحديات العصر
الشيخ حسن الصفار
تمثل الأسرة خط الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان ، وآخر القلاع والحصون لحماية ما
تبقى للبشرية من قيم الفضيلة والصلاح .
فقد استهلكت الاهتمامات المادية إنسان هذا العصر ، واستنزفت كل توجهاته وميوله
المعنوية والروحية ، ومسخت هويته الإنسانية القيمية ، وحولته إلى شيء من الأشياء ،
وسلعة من السلع .
لقد أصبح الناس ينظرون إلى بعضهم بعضا ، من خلال معادلة الربح والخسارة المادية ،
فيتقاربون أو يتباعدون ، ويتعاونون أو يتحاربون ، ضمن إيقاعات معادلة المصالح .
أما الأخلاق والقيم والمبادئ ، فهي آثار وذكريات لماض إنساني غابر ، مكانها سجلات
التاريخ ، ومتاحف الآثار.
بلى قد يستفاد من هذه المفردات ، كإعلانات دعائية ، وشعارات براقة ، لتحقيق مصالح
ومكاسب .
كان الإنسان يولد في جو عائلي مفعم بالمودة والحنان ، حيث تأتي (القابلة) ـ المرأة
المتخصصة في التوليد ـ إلى البيت ، لمساعدة من طرقها مخاض الولادة ، ويخرج الوليد
من بطن أمه ، تستقبله التهاليل والزغاريد ، وتتلاقفه اكف العائلة ، وتحتضنه صدورهم
، بمنتهى البهجة والسرور.
وينشأ الطفل في أحضان العائلة ، يتغذى من ثدي أمه ، وتنمو أحاسيسه ومشاعره من فيض
حنانها ، ويترعرع تحت رعاية أبيه ، ويتقلب بين أحضان أفراد أسرته الكبيرة : جده
وجدته ، وعمه وعمته ، وأخيه وأخته..
وهكذا ترافقه العواطف النبيلة ، فإذا ما اشتد عوده ، وتكاملت شخصيته ، وأصبح مؤهلا
لبناء حياة عائلية مستقلة ، هب الأقرباء والأصدقاء لمساعدته ، وتسابق أبناء المجتمع
للاحتفاء بزفافه ، فيدخل حياته الزوجية ، وسط تيار من الحب والفرح .
وحين يعتري الإنسان مرض ، أو تصيبه مشكلة ، أو تحل به مصيبة ، أو يتقدم به العمر ،
يجد إلى جانبه المواسين والمتعاطفين ، مما يرفع معنوياته ، ويساعده على مواجهة
التحديات ، ومقارعة الصعاب.
وإذا حانت ساعة المغادرة والرحيل عن هذه الدنيا ، ودع الإنسان بحفاوة بالغة ،
وتكريم كبير ، عبر مشاعر الحزن والأسى ، ومراسيم التشييع والعزاء.
هذه الأجواء المفعمة بالعواطف النبيلة ، ومشاعر الحب والاحترام ، هي التي تنمي
إنسانية الإنسان ، وتثير نزعاته الخيرة ، وتؤكد حضور الأخلاق والقيم في شخصيته
وحياته.
لكن إنسان هذا العصر قد حرم من كثير من هذه الأجواء الطيبة ، فهو يولد في المستشفى
، ضمن وضع مهني تجاري ، تستقبله الممرضات كرقم من أرقام عملهن اليومي الوظيفي ،
الذي لا يتسع كثيرا للمشاعر والعواطف.
وما عاد وقت الأم يتسع لإرضاع الولد ـ غالبا ـ لذلك يتلقى غذاءه من الحليب المجفف ،
عبر قنينة ومصاصة من البلاستيك ، كما قد يقضي الكثير من أيام طفولته في دار الحضانة
، أو تحت رعاية الخادمة ، بعيدا عن عواطف الوالدين.
لقد أصبح التعامل مع احتياجات الإنسان ، وحالات ضعفه ، ومشاكل حياته ، يمثل فرصا
للاستثمار التجاري ، والكسب المادي ، بشراهة ونهم ، لا مكان فيها للأخلاق والقيم.
وهذا واضح في صناعة الدواء ، وعلاج الأمراض لدى الأطباء وفي المستشفيات ، وفي أمور
المحاماة ، وتهيئة برامج الزواج ، وحتى الموت تحولت مراسيمه إلى صناعة تجارية .
بالطبع لم تكن هذه الخدمات تقدم كلها مجانا في الماضي ، ودون إي مكافأة مادية ، لكن
الجانب الأكبر منها كان تطوعيا ، يقوم به الأقرباء والأصحاب والجيران ، باندفاع
ذاتي ، ورغبة صادقة .
وما يقدم للبعض كالأطباء من مكافأة مالية ، كان في حدود الميسور ، دون أن تتوقف
الخدمة على حصوله ، أو يشكل فرصة للجشع والابتزاز.
والأخطر من ذلك ما يعانيه إنسان اليوم ، على مستوى السياسات الدولية ، ففي ظل نظام
العولمة الشاملة ، تتحكم مجموعة من الشركات المتعددة الجنسية ، والمؤسسات
الاقتصادية العالمية ، في مصائر الشعوب والأمم ، عبر إدارات الحكم في الدول الكبرى
، وتحت غطاء المؤسسات الدولية ، فتسحق خصوصيات الشعوب ، وتصبح سيادتها واستقلالها
وثروتها نهبا لإطماع النافذين الدوليين ، كما يجري العبث بالبيئة وإفسادها ، حسبما
تقتضيه مصالح الشركات الصناعية المهيمنة .
هكذا أحاطت بالإنسان حالة الجفاء المادي ، لتنتزع منه جوهر إنسانيته ، وتجفف ينابيع
ميوله الخيرة ، وتطلق العنان لأنانيته ونوازعه الشهوانية المصلحية .
وهنا يأتي دور الأسرة ، وتتجلى قيمتها ، كرافد أساس ، مازال يصارع عوامل التصحر
والجفاف ، ليغذي عروق شخصية الإنسان ، من ينابيع العواطف النبيلة ، والقيم
الأخلاقية الفاضلة.
فكيان الأسرة لا يقوم على أساس مادي بحت ، وإذا بني كذلك لا يلبث أن
ينهار ، لان الله تعالى بلطفه وحكمته ، جعل العلاقة الزوجية قائمة على أساس المودة
والرحمة ، يقول تعالى : ( َمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )[1].
كما شاءت الإرادة الإلهية أن يكون مجيء الإنسان إلى هذه الحياة ، وبداية نشأته ،
ضمن حالة ارتباط عاطفي وثيق تستنهض كل دوافع الخير ، ونوازع النبل ، في أعماق النفس
البشرية .
إن عواطف الأمومة ، وفيض حنانها الدافق ، ومدى انشداد الطفل وتعلقه بأمه لا يمكن
قياس ذلك بالموازين المادية ، ولا إخضاعه للمعادلات المصلحية .
فطبيعة الحالة الأسرية ، تغذي وتنمي البعد الإنساني الأخلاقي ، في حياة الإنسان
وشخصيته .
وكلما قوي كيان الأسرة ، وترسخت موقعيتها ، زاد ثراء الإنسان المعنوي ، ورصيده
القيمي ، وكان اقرب إلى استهداف الخير والصلاح .
ولعل ذلك هو ما يفسر شدة ضغوط الحضارة المادية على نظام الأسرة في المجتمع المعاصر
، لوجود التضاد بين الاندفاع المادي العارم لهذه الحضارة المادية ، وبين التوجهات
القيمية التي تغذيها الحالة الأسرية .
ففي ظل الحضارة المادية ، هناك تشجيع للعزوف عن تكوين الأسرة ، وتحمل مسؤوليتها
وأعبائها ، حيث يتم تحريض الغرائز الشهوانية ، وتوفير مجالات إشباعها ، وحيث تزدحم
العراقيل والعقبات أمام تأسيس الكيان الأسري ، بدءا من طبيعة نظام التعليم ، إلى
واقع سوق العمل وفرص التوظيف ، إلى رفع سقف متطلبات الحياة ، وصولا إلى التبشير
بأنماط السلوك والحياة المادية المصلحية .
لقد أصبحت طبيعة العيش والحياة ، في ظل الحضارة المادية ، تضعف انشداد الإنسان
العائلي ، وتستقطب اهتماماته على حساب ارتباطه الأسري .
[1]
الروم : 21
|