|
التحكيم والإصلاح في الخلافات الزوجية
الشيخ حسن الصفار
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الطيبين.
واقع الحياة الزوجية استقراراً و اضطراباً لا تقتصر آثاره على حياة الزوجين ، بل
تنعكس نتائجه سلباً وإيجاباً على المجتمع كله. وتتضح هذه الحقيقة في النقاط
التالية:
1 - تؤثر طبيعة علاقة الإنسان الزوجية على حالته النفسية والسلوكية ، وبالتالي على
مستوى إنتاجيته وفاعليته ، فإذا كان يعيش توافقاً زواجياً ، فسينعكس ذلك إيجاباً
على أدائه الاجتماعي ، وفي الحياة العامة ، وإذا كان يعاني اضطراباً في علاقته
الزوجية ، فسيؤثر سلباً على إنتاجيته وسلوكه.
2 - ويظهر الأثر الأكبر لحالة العلاقة الزوجية على تنشئة الأولاد وتربيتهم ، ففي ظل
الاستقرار العائلي ، تتوفر لهم رعاية وتربية أفضل ، أما مع أجواء الاضطراب والنزاع
في العلاقة بين الوالدين ، فيكونون هم الضحايا ، لما ينالهم من تمزق نفسي عاطفي ،
ولانشغال الأبوين عنهما ، وقد يصبحون ساحة لانتقام أحد الزوجين من الآخر. وتشير
البيانات التي تتحدث عن جنوح الأحداث ، إلى أن النسبة الغالبة منهم تنتمي إلى عوائل
تعاني اضطرابات في علاقاتها الزوجية ، كما يلاحظ الموجهون التربويون في مدارس
التعليم ، أن أغلب الطلاب الذين يعانون من تدني المستوى التعليمي والأخلاقي ، هم من
أبناء عوائل تفقد الانسجام الداخلي.
3 - كما تنعكس حالة العلاقات الزوجية على الأمن الاجتماعي ، لأن اضطرابها تمتد
آثاره إلى مساحة واسعة من عوائل الزوجين والمتعاطفين معهما ، وقد تتصاعد الخلافات
لتصل إلى المحاكم والجهات الرسمية ، أو تتطور إلى نزاعات حادّة ، كما أن اضطراب
العلاقات الزوجية ، قد يدفع بعض الزوجات والأزواج إلى البحث عن علاقات عاطفية خارج
الإطار الزوجي ، فتحصل الخيانات الزوجية ، والانحرافات السلوكية. في مواجهة هذه
الأخطار لا بد أن يتحمل المجتمع مسؤوليته في الوقاية منها ، بتوفير أجواء الاستقرار
العائلي ، ومعالجة أسباب الاضطراب ، وبالتصدي والمبادرة لحل الخلافات العائلية ،
فلا يصح السكوت والتفرج من قبل المجتمع ، على حالات الخلاف والشقاق في الحياة
الزوجية.
التحكيم العائلي:
تحدث القرآن الكريم ، عن ضرورة المبادرة والتصدي لمعالجة أي خلاف
زوجي ، يهدد باضطراب العلاقة الزوجية ، وطرح مشروعاً للمعالجة والحل ، يتمثل في
اختيار حكم من عائلة الزوج ، وآخر من عائلة الزوجة ، ينتدبان لدراسة مشكلة الخلاف
بينهما ، ويقترحان ما يلزم للحل ، وأمرهما يكون نافذاً على الزوجين. يقول تعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا
إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)[1].
واختيار الحكمين من أهل الزوجين ، يقصد منه الاستفادة من عاطفتهما ، وحرصهما على
مصلحة الزوجين القريبين منهما ، كما أن إطلاعهما على أسرار حياة الزوجين ، لا يشكل
إحراجاً كبيراً ، كإطلاع الأجانب ضمن المحاكم العامة ، إضافة إلى تجاوز هذا التحكيم
العائلي قيود ونفقات المحاكم العامة.
لكن ذلك مشروط بأن يأتي كل واحد من الحكمين بقصد الإصلاح ، وعودة الانسجام والوئام
بين الزوجين ، لا بقصد الانتصار لطرف ، أو الانتقام من الآخر. وهذا ما يؤكد عليه
قوله تعالى: (إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا).
من
يبعث الحكمين؟
الآية الكريمة (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
فَابْعَثُواْ.....) توجه أمراً بالمبادرة إلى بعث حكمين للمعالجة والإصلاح.
((فالظاهر وجوب هذا البعث وفاقاً لجماعة ، لظاهر الأمر ، ولكون ذلك من الأمر
بالمعروف ، ومن الحسب التي نصب الحاكم لأمثالها))[2].
وبه قال الشربيني الشافعي في مغنى المحتاج ونقله عن عدد من العلماء[3].
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه مستحب وأن الأمر في الآية (( إرشاد إلى
طريق من طرق الإصلاح فلا يستفاد منه الوجوب ))[4].
ويرى أكثر الفقهاء (( أن المخاطب بالبعث ـ بعث الحكمين ـ الحكام المنصوبين لمثل ذلك
))[5].
ويبدو للمتأمل في الآية الكريمة : أن الراجح ما ذكره علماء آخرون ،
منهم السيد السبزواري ، والذي قال ما نصه: (( حيث أن الموضوع من الإصلاح والمعروف ،
وهو محبوب عند الشرع ، بل عند جميع الناس ، فالخطاب متوجه إلى كل من يطلع على
الموضوع ، ويتمكن على رفع الشقاق بينهما ، بقول حسن ، وتدبير لطيف ونحوهما ، مثل
قوله تعالى: ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )[6]
، ولا يختص بخصوص الحاكم الشرعي ، إلا إذا كان تنازع و تخاصم بينهما ، يحتاج إلى
فصله بحسب موازين القضاوة وإن كان الاحوط تعيينه مطلقاً ))[7].
وليس هناك خلاف في جواز المبادرة واستحبابها من أجل إصلاح ذات البين
، من قبل أي جهة ، كأن يبادر الزوجان أو أهلوهما ، أو الحاكم أو غيرهم (( وبالجملة
ينبغي أن لا يكون خلاف في جواز البعث من كل من هؤلاء ، ووجوبه إذا توقف الإصلاح
عليه ، خصوصاً الحاكم والزوجين ))[8].
فإذا بعث الزوجان حكمين من قبلهما ، يعتبران وكيلين فيمضي قرارهما
في حدود الوكالة الممنوحة لكل منهما ، لا أكثر ، وليسا حكمين حينئذٍ ، في رأي أكثر
الفقهاء ، ويرى السيد الشيرازي صحة كون من يبعثهما الزوجان حكمين ، أيضاً ، قال ما
نصه: (( صحة جعل الزوجين الحكمين بعنوان الحكم ، كما يصح أن يكون بعنوان الوكيل ،
أو بالاختلاف ، والفرق هو أن الحكمين يحكمان حسب ما يرياه صلاحاً ، بعد جعلهما
إياهما حكمين ، بينما الوكيل لا يتمكن أن يعمل إلا في دائرة الوكالة ، وهذا هو
الفارق بين الأمرين ))[9].
أما أهل الزوجين فلو بعثا شخصين للتحكيم في الشقاق ، فيحتاج إلى إجازة الزوجين ،
ليكونا وكيلين عنهما ، فيمضي رأيهما ضمن حدود الوكالة ، أو على أساس أنهما حكمان
كما هو رأي السيد الشيرازي. أو بإجازة الحاكم الشرعي ، فيكونان حكمين ينفذ قرارهما.
ولو بعث أهل الزوجين حكمين دون إجازة الزوجين أو الحاكم ، فلا اعتبار لذلك ، إلا في
حدود الوساطة لإصلاح ذات البين.
وللحاكم الشرعي صلاحية بعث الحكمين حتى من دون رضا الزوجين ، وخاصة إذا رفعت
خصومتهما إليه.
ولو لم يكن حاكم شرعي ، أو لم يمكن الوصول إليه ، قام عدول المؤمنين بهذه المسؤولية
، فتبعث الجهة المتصدية منهم الحكمين ويكون أمرهما نافذاً.
صفات الحكمين:
لكي ينجح الحكمان في مهمتهما الإصلاحية ، ولتكون قراراتهما معتمدة من قبل الشارع ،
لا بد من توفر الصفات المساعدة على ذلك ، وقد تحدث الفقهاء عن تلك الشرائط على
النحو التالي:
1 - القرابة من الزوجين: حيث نصت الآية الكريمة على أن يكون الحكمان من أهل الزوجين
(فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا) لأن ذلك في
الغالب أنجح لمهمة الإصلاح ، وإذا كان الأجنبي أقدر على التأثير، فلا مانع من
اختياره ، وكذلك لو لم يكن لهما أهل ، أو لم يكن من أهلهما من يصلح للقيام بهذا
الدور ، فيمكن اختيار أي عنصرين صالحين.
2 - البلوغ.
3 - العقل.
4 - الصلاحية: بمعنى قدرتهما على القيام بهذا الدور ، بمعرفة الأحكام المتعلقة
بالحقوق الزوجية ، وامتلاك الخبرة الاجتماعية. ويمكن أن يتعدد الحكم عن كل طرف ،
بأن يكون شخصين أو أكثر من جهة الزوجة ، وكذلك من قبل الزوج.
5 - العدالة: وهي شرط عند فقهاء السنة ، أما فقهاء الشيعة فلم يشترطوا ذلك.
6 - الإسلام: وهو شرط إذا كان الزوجان مسلمين.
7 - الذكورة: وقد اشترطها بعض الفقهاء ، وسكت عن ذلك أكثرهم ، وصرح
بعض الفقهاء بعدم اشتراطها. قال السيد السبزواري: (( الظاهر عدم اعتبار الرجولية
فيهما بعد كون المرأة قابلة لذلك ))[10].
مهمة الحكمين:
الهدف الأساس للتحكيم ، هو إصلاح العلاقات الزوجية ، التي أصابها
النزاع والشقاق ، وإرجاعها إلى حالة الوفاق والوئام. ولإنجاز هذه المهمة ، على كل
من الحكمين أن يتحدث مع من يمثله بصراحة وانفتاح ، ليعرف واقع حالته ، وما يشكو منه
، وما يطلبه ، ويتحاور معه في الموضوع للوصول إلى نتيجة للمعالجة. ثم يلتقي الحكمان
ويتدارسان الأمر بصراحة ووضوح ، لا يخفي أحدهما على الآخر شيئاً مما له ارتباط
بمعالجة الموضوع. ويتفقان على رأي واحد للحل ، ورأيهما ملزم للطرفين ، (( فكلما
استقر عليه رأيهما وحكما به نفذ على الزوجين ، ويلزم عليهما الرضا به ، بشرط كونه
سائغاً ، كما لو شرطا على الزوج أن يسكن الزوجة في البلد الفلاني ، أو في مسكن
خصوصي ، أو عند أبويها ، أو لا يسكن معها في الدار أمه أو أخته ، ولو في بيت منفرد
، أو لا تسكن معها ضرتها في دار واحدة ، ونحو ذلك. أو شرطا عليها أن تؤجله بالمهر
الحال إلى أجل ، أو ترد عليه ما قبضته قرضاً ، ونحو ذلك. بخلاف ما إذا كان غير سائغ
كما إذا شرطا عليه ترك بعض حقوق الضرة ، من قسم أو نفقة أو غيرهما.))[11].
أما لو رأى الحكمان أن الحل هو الطلاق والفراق فهل يمضي قرارهما ؟
فقهاء الشيعة يحصرون نفاذ أمر الحكمين فيما يتعلق بالإصلاح والجمع ، أما التفريق
فلا يمضي أمرهما فيه ، إلا إذا كانا وكيلين عن الزوجين في ذلك ، أو اشترطا منذ
البداية أن لهما الجمع والتفريق ، أو بموافقة الزوج على الطلاق ، وإذا كان التفريق
يتضمن بذلاً وفدية من الزوجة ، فيحتاج مراجعتها وموافقتها.
ويوافق الشيعة على ذلك أبو حنيفة والشافعي ، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ،
وعند المالكية ينفذ أمرهما في الإصلاح والتفريق.
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله الطاهرين.
[1]
سورة النساء، آية35
[2]
النجفي: الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج11 ص137.
[3]
الخطيب: الشيخ محمد الشربيني، مغني المحتاج، ج3 ص261، دار إحياء التراث العربي،
بيروت.
[4]
السبزواري: السيد عبد الأعلى، مهذب الأحكام، ج25 ص228.
[5]
النجفي: الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج11 ص136.
[6]
سورة الحجرات، آية10
[7]
السبزواري: السيد عبد الأعلى، مهذب الأحكام، ج25 ص229.
[8]
النجفي: الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج11 ص137.
[9]
الشيرازي: السيد محمد الحسيني، الفقه، ج67 ص404.
[10]
السبزواري: السيد عبد الأعلى، مهذب الأحكام، ج25 ص231.
[11]
السيستاني: السيد علي الحسيني، منهاج الصالحين ـ المعاملات، القسم الثاني، مسألة
362.
|