بنـاتنـا، كيـف نـربّيهنّ؟

المقدّمة:

لم تقتصر الشريعة الإسلاميّة الحقّة في تربيتها للإنسان على تربية الولد فقط ، بل شملت البنت كذلك وربّما اهتمّت بتربية البنت أكثر ؛ لأنّها الوعاء الذي يحفظ الأجنّة وينمّيها ، والحضن الذي يكتنف الإنسان الوليد ويرعاه ويربّيه ويؤدّبه ، والصديق الذي يلازم الإنسان طفلاً وحدثاً وشابّاً ، ويعينه في أموره ، ويرشده ويرفده برأيه المجرّب حينما يلزم ، وحقّاً قيل وراء كل عظيم امرأة .

مكانة المرأة في الإسلام:

قال الله عزّ وجلّ: (( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم موّدة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون ))[1].

وقال رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم: «خير أولادكم البنات»[2] .

وورد عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : « البنات حسنات ، والبنون نعمة ؛ فإنّما يُثاب على الحسنات ويُسأل عن النعمة »[3] .

تربية البنت

إنّ التربية الإسلاميّة تحثّ الوالدين على حبّ البنت وإكرامها ، لتمتلئ نفسها ارتياحاً واطمئناناً ووثوقاً ، ولتنشأ في ظلّ أجواء نفسيّة وتربويّة طيّبة ، تعدّها وتؤهّلها للحياة الاجتماعيّة المستقبليّة ، وتمكّنها من التعامل مع الآخرين بوحي من تلك القيم ، وتكون سليمة من الأمراض النفسيّة والعقد الاجتماعيّة ؛ فتكون بذلك الأمّ الصالحة لتربية أولاد صالحين ، تخرجهم إلى المجتمع أفراداً نافعين وعناصر خيّرين .

إنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن المرأة والرجل ، والإنسان ، والناس ، والذين آمنوا ؛ إنّما يقصد بذلك الجنس البشريّ الواحد ، بعنصريه الرجل والمرأة ، وفي نظره أنّهما يقومان على أساس التكامل ونظام الزوجيّة العام في عالم الطبيعة والحياة ، وهو في آيات مباركة كثيرة يُعلم عن هذه الحقيقة العلميّة الثابتة ( وحدة الجنس البشري) ومن هذه الآيات : (( خلقكم من نفس واحدة ))[4] .

وأمّا ما تختلف المرأة به عن الرجل إنّما هو لتركيبها العضويّ والفسلجيّ ، وتكوينها النفسيّ ، ووظيفتها الحياتيّة كأنثى ، تلد وترضع وتربّي ، وتحمل غريزة الأمومة والميل الأنثوي ، وأنّها هي التي تسيّر إدارة البيت وشؤون الزوج والأولاد ؛ لذا تعيّن أن تتلاءم تربية الأنثى وإعدادها مع تركيبها النفسيّ والجسميّ ودورها في الحياة .

لذا نرى أنّ هناك عناصر تربويّة مشتركة بين الجنسين ، كما أنّ هناك نمطاً تربويّاً خاصّاً بكلّ منهما ، يتلاءم وأوضاعه الجنسيّة الخاصّة به .

ولذا صار التوجّه والاهتمام بالفوارق بين الجنسين أساساً لوضع المنهج التربويّ الإسلاميّ المتكامل ، ودراسة السلوك في بعديه الإيجابيّ والسلبيّ .

على أنّ هذه الفوارق التربويّة لا تكون على أساس النيل من إنسانيّة وكرامة المرأة ، أو تهدف إلى إضعافها ؛ بل هي ترمي إلى إعداد الطبيعة الإنسانيّة ضمن النوع والانتماء النوعيّ ، كي تنسجم تربيتها وإعدادها مع الطبيعة وقوانينها .

وقد أكّدت الدراسات والتجارب العلميّة التي أجراها العلماء المتخصّصون في شؤون النفس والعلاج النفسي والطب والاجتماع ؛ أنّ هناك فوارق نوعيّة بين الرجل والمرأة ، تؤثّر في سلوك كلّ منهما على امتداد مراحل الحياة .

من هنا كانت التربية العلميّة الناجحة هي التي تنظر إلى الفوارق النوعيّة بين الجنسين ، والتي تُعِدّ كلاّ من الرجل والمرأة وفق طبيعة تكوينه النفسيّ والعضويّ ؛ لتحمّل مسؤوليّته في الحياة المستقبليّة .

وقد اعتنت التربية الإسلاميّة بالأنثى عناية فائقة ، واهتمّت بتربيتها اهتماماً شديداً ، يقوم على قاعدة من المساواة في الحبّ والتعامل ؛ لإشعارها بإنسانيّتها وبتساويها مع الرجل في الإنسانيّة . يروى عن سعد بن سعد الأشعري : قلت للإمام أبي الحسن الرضا ( صلوات الله وسلامه عليه ) : الرجل تكون بناته أحبّ إليه من بنيه . فقال: « البنات والبنون في ذلك سواء ، إنّما هو بقدر ما يُنزل الله عزّ وجلّ »[5] .

وبما أنّ للمرأة مكانتها السامية ودورها المهمّ في تربية وإعداد جيل صالح مؤمن مقتدر ؛ لذا فإنّ الإسلام العظيم يكرمها بتوجيه هذه المسؤوليّة الكبرى إليها ويوصيها ـ باعتبارها منبع الحبّ والحنان ، ومستودع الكرامات ، ومصدر الاستقرار والطمأنينة في البيت ـ بأن تحرص على خلق جوٍّ عائليّ مفعم بهذه الروح الطيّبة والعلاقة الحسنة .

فقد جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : إنّي لي زوجة ، إذا دخلتُ تلقـّـتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي : ما يهمّك ؟ إن كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل به غيرك ، وإن كنت تهتمّ لأمر آخرتك فزادك الله همّاً .

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّ لله عمّالاً ، وهذه من عمّاله ، لها نصف أجر الشهيد »[6] .

على ما تقدّم يتعيّن احترام المرأة وإكرامها ، وإعزازها وتقديرها حقّ قدرها ، والنظر إليها من خلال مكانتها الكريمة ومنزلتها العظيمة التي وضعها الإسلام الحنيف فيها ، من عفّة وطهر وأدب ومثل سام ، ومسؤولية مقدّسة كبرى في بناء جيل صالح مؤمن بالله جلّت عظمته ، وبرسوله وأوصيائه وخلفائه الأئمّة الأثنى عشر المعصومين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . لا كما هي حالها في الغرب المتحلّل مثلاً ، مفرغاً لشهوات المستهترين ، وتسلية لعبث المفسدين .