|
بنـاتنـا، كيـف نـربّيهنّ؟
المقدّمة:
لم تقتصر الشريعة الإسلاميّة
الحقّة في تربيتها للإنسان على تربية
الولد فقط ، بل شملت البنت كذلك وربّما اهتمّت بتربية البنت أكثر ؛ لأنّها الوعاء
الذي يحفظ الأجنّة وينمّيها ، والحضن الذي يكتنف الإنسان الوليد ويرعاه ويربّيه
ويؤدّبه ، والصديق الذي يلازم الإنسان طفلاً وحدثاً وشابّاً ، ويعينه في أموره ،
ويرشده ويرفده برأيه المجرّب حينما يلزم ، وحقّاً قيل وراء كل عظيم امرأة .
مكانة المرأة في
الإسلام:
قال
الله عزّ وجلّ: (( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل
بينكم موّدة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون )).
وقال
رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم: «خير أولادكم البنات»
.
وورد
عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال : « البنات
حسنات ، والبنون نعمة ؛ فإنّما يُثاب على الحسنات ويُسأل عن النعمة »
.
تربية البنت
إنّ التربية الإسلاميّة تحثّ الوالدين على حبّ البنت وإكرامها ،
لتمتلئ نفسها ارتياحاً واطمئناناً ووثوقاً ، ولتنشأ في ظلّ أجواء نفسيّة وتربويّة
طيّبة ، تعدّها وتؤهّلها للحياة الاجتماعيّة المستقبليّة ، وتمكّنها من التعامل مع
الآخرين بوحي من تلك القيم ، وتكون سليمة من الأمراض النفسيّة والعقد الاجتماعيّة ؛
فتكون بذلك الأمّ الصالحة لتربية أولاد صالحين ، تخرجهم إلى المجتمع أفراداً نافعين
وعناصر خيّرين .
إنّ
القرآن الكريم حينما يتحدّث عن المرأة والرجل ، والإنسان ، والناس ، والذين آمنوا ؛
إنّما يقصد بذلك الجنس البشريّ الواحد ، بعنصريه الرجل والمرأة ، وفي نظره أنّهما
يقومان على أساس التكامل ونظام الزوجيّة العام في عالم الطبيعة والحياة ، وهو في
آيات مباركة كثيرة يُعلم عن هذه الحقيقة العلميّة الثابتة
(
وحدة الجنس البشري) ومن هذه الآيات : (( خلقكم من نفس واحدة ))
.
وأمّا ما تختلف المرأة به عن الرجل إنّما هو لتركيبها العضويّ
والفسلجيّ ، وتكوينها النفسيّ ، ووظيفتها الحياتيّة كأنثى ، تلد وترضع وتربّي ،
وتحمل غريزة الأمومة والميل الأنثوي ، وأنّها هي التي تسيّر إدارة البيت وشؤون
الزوج والأولاد ؛ لذا تعيّن أن تتلاءم تربية الأنثى وإعدادها مع تركيبها النفسيّ
والجسميّ ودورها في الحياة .
لذا نرى أنّ هناك عناصر تربويّة مشتركة بين الجنسين ، كما أنّ هناك
نمطاً تربويّاً خاصّاً بكلّ منهما ، يتلاءم وأوضاعه الجنسيّة الخاصّة به .
ولذا صار التوجّه والاهتمام بالفوارق بين الجنسين أساساً لوضع
المنهج التربويّ الإسلاميّ المتكامل ، ودراسة السلوك في بعديه الإيجابيّ والسلبيّ .
على أنّ هذه الفوارق التربويّة لا تكون على أساس النيل من إنسانيّة
وكرامة المرأة ، أو تهدف إلى إضعافها ؛ بل هي ترمي إلى إعداد الطبيعة الإنسانيّة
ضمن النوع والانتماء النوعيّ ، كي تنسجم تربيتها وإعدادها مع الطبيعة وقوانينها .
وقد أكّدت الدراسات والتجارب العلميّة التي أجراها العلماء
المتخصّصون في شؤون النفس والعلاج النفسي والطب والاجتماع ؛ أنّ هناك فوارق نوعيّة
بين الرجل والمرأة ، تؤثّر في سلوك كلّ منهما على امتداد مراحل الحياة .
من هنا كانت التربية العلميّة الناجحة هي التي تنظر إلى الفوارق
النوعيّة بين الجنسين ، والتي تُعِدّ كلاّ من الرجل والمرأة وفق طبيعة تكوينه
النفسيّ والعضويّ ؛ لتحمّل مسؤوليّته في الحياة المستقبليّة .
وقد
اعتنت التربية الإسلاميّة بالأنثى عناية فائقة ، واهتمّت بتربيتها اهتماماً شديداً
، يقوم على قاعدة من المساواة في الحبّ والتعامل ؛ لإشعارها بإنسانيّتها وبتساويها
مع الرجل في الإنسانيّة . يروى عن سعد بن سعد الأشعري : قلت للإمام أبي الحسن الرضا
( صلوات الله وسلامه عليه ) : الرجل تكون بناته أحبّ إليه من بنيه . فقال: « البنات
والبنون في ذلك سواء ، إنّما هو بقدر ما يُنزل الله عزّ وجلّ »
.
وبما أنّ للمرأة مكانتها السامية ودورها المهمّ في تربية وإعداد جيل
صالح مؤمن مقتدر ؛ لذا فإنّ الإسلام العظيم يكرمها بتوجيه هذه المسؤوليّة الكبرى
إليها ويوصيها ـ باعتبارها منبع الحبّ والحنان ، ومستودع الكرامات ، ومصدر
الاستقرار والطمأنينة في البيت ـ بأن تحرص على خلق جوٍّ عائليّ مفعم بهذه الروح
الطيّبة والعلاقة الحسنة .
فقد جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : إنّي
لي زوجة ، إذا دخلتُ تلقـّـتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي
: ما يهمّك ؟ إن كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل به غيرك ، وإن كنت تهتمّ لأمر آخرتك
فزادك الله همّاً .
فقال
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّ لله عمّالاً ، وهذه من عمّاله ، لها
نصف أجر الشهيد »
.
على ما تقدّم يتعيّن احترام المرأة وإكرامها ، وإعزازها وتقديرها
حقّ قدرها ، والنظر إليها من خلال مكانتها الكريمة ومنزلتها العظيمة التي وضعها
الإسلام الحنيف فيها ، من عفّة وطهر وأدب ومثل سام ، ومسؤولية مقدّسة كبرى في بناء
جيل صالح مؤمن بالله جلّت عظمته ، وبرسوله وأوصيائه وخلفائه الأئمّة الأثنى عشر
المعصومين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . لا كما هي حالها في الغرب
المتحلّل مثلاً ، مفرغاً لشهوات المستهترين ، وتسلية لعبث المفسدين .
|