مراحل تربية الطفل في نظر الإمام الصادق عليه السلام

تربية الطفل بين التطرف والوسطية

محمود الربيعي

قال الإمام الصادق عليه السلام في تربية الابن: (اتركه سبعا وأدبه سبعا وصاحبه سبعا)... وهذا التقسيم مدرسة مهمة في تربية وتنشئة الأبناء.

ولإلقاء الضوء على هذا القول فإننا سنمر على كل جزء من أجزاءه أثناء مراحل نمو الإنسان وارتقاءه حيث يولد الإنسان بعد أن يمر بمراحل النشوء والتطور داخل الرحم وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة.. " أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم "[1]..

وبمرور تسعة أشهر يتكامل الإنسان وليدا في أحضان أمه ترضعه طفلا لسنتين " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين "[2]. من معاناة إلى معاناة " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ان اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك واني من المسلمين "[3].

من معاناة الحمل إلى معاناة الولادة إلى الإرضاع " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فان أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وان أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير "[4].

والتنشئة والتربية كل ساعة في الليل والنهار، سنة فسنة ، حتى يبلغ ويكبر وتكبر معه هموم والديه " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا "[5].

فأما القسم الأول من قول الإمام فيشير إلى الاهتمام البالغ في السنوات السبع الأول من عمر الوليد حيث يحتاج الطفل إلى المزيد من العناية لأنه لا يقوى على الكلام أو التعبير، ولا يتمكن من المشي أو حمل الأشياء فهو يعتمد بشكل كلي على والديه... فهو يرضع من ثدي أمه ويتبول ويتغوط، ويحتاج إلى من ينظفه، ويمرض ويحتاج إلى العناية، ويتصرف بدون وعي منه فيمد يده إلى كل شيء حوله لا يفهم ولا يميز بين الأشياء ، لذلك أكد الإمام عليه السلام على ترك الطفل الوليد دون عقاب لسبع سنين وهي سنين عدم الإدراك من أول عمره.

 

تأثير سلوك الوالدين والأسرة وثقافتهما على الطفل

وتربية الطفل تتوقف على سلوك والديه بالدرجة الأولى، وعلى سلوك المحيط الذي يلف بالطفل من بقية أفراد الأسرة، فإذا كانت ثقافة الوالدين جيدة كانت التربية جيدة ، وأما إذا كانت ثقافتهما ضعيفة كانت التربية ضعيفة، ومن المهم أن نذكر أن سلوك الوالدين ينبع من ثقافتهما والتي تعتمد على محصلة ما يمتلكه كل منهما من الثقافة الدينية والاجتماعية العامة .. ومن المشكل أن تكون الثقافة الدينية ثقافة مهتزة بحيث لا يفهم والديه الدين على الوجه الصحيح، ففي الثقافة الدينية والاجتماعية الغث والسمين .

الثقافة الخاطئة الموروثة واثرها في سلوك الطفل

وبعض الآباء والأمهات يرثون ثقافة خاطئة مغلوطة من أبائهم ومجتمعاتهم، ويتصورون أن كل ما ورثوه هو الصحيح وهو الصواب بحيث يصمون آذانهم عن سماع النصيحة ومن المهم ان نذكر بالعقد النفسية التي يعاني منها كل من الوالدين والتي تنعكس بصورة سيئة على سلوك الأبناء، ومن ذلك أسلوب التخويف المفرط بشتى أشكاله وصوره كان ينظرا بشدة إلى طفلهما أو يضربانه وهو دون السنة من عمره أحيانا، وذلك منتهى الحماقة والجهل بالتشريع أو بنظم التربية، فبالرجوع إلى قول الإمام فانه ينهى عن الضرب أو استخدام العنف ويدعو إلى تركه من دون عقاب وإنما التدخل لأجل العناية والرعاية من الطعام والشراب والملبس وحفظه من الإصابة بالمرض والأذى وتقديم العلاج والأمن من العوارض المختلفة كالحرارة والبرد والحديد والكهرباء وغير ذلك من المخاطر. " يولد الإنسان على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " حديث شريف.

دور التربية والتعليم في بناء شخصية الطفل

وأما القسم الثاني من قول الإمام وهو التأديب سبعا، ولا يفهم من التأديب الضرب وإنما يفهم منه التعليم والتربية والتوجيه ليميز الولد بين الحلال والحرام، والصح والخطأ، والثواب والعقاب إلى غير ذلك من الأمور كالتعليم والتربية سواء في المدرسة أو البيت إلى غير ذلك من المؤسسات التربوية المختلفة.

 

الولد يمتص مكارم الأخلاق أو مساؤها ومذامها من مصاحبته لوالديه

وأما القسم الثالث من قول الإمام فهو الدعوة إلى مصاحبة الابن لكي يمتص من أبويه مكارم الأخلاق ويتعلم منهما السلوك الجيد وكيفية التفاعل مع المجتمع في أمور البيع والشراء والاجتماع.

لذا نخلص إلى العوامل الايجابية والسلبية المؤثرة في حياة الطفل وتنشئته فيما يخص الأبوين وحاجتهما إلى:

أولا: الفهم الصحيح للقيم الدينية بحيث يؤدي إلى التربية الصحيحة التي تعمل على استقرار شخصية الابن.

ثانيا: التخلص من الرواسب الاجتماعية الجاهلية الموروثة من المجتمع الذي عاشوا فيه قبل الزواج.

ثالثا: التخلص من العقد النفسية التي يعانون منها والخروج من حالة الازدواجية والنفاق والغرور والعجب بالنفس.


 

[1] سورة 22 الحج الآية 5

[2] سورة 31 لقمان الآية 14.

[3] سورة 46 الاحقاف الآية 15.

[4] سورة 2 البقرة الآية 233.

[5] سورة 18 الكهف الآية 82.