مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

 

الشعر

وقد لا يعلم أكثر الناس أن الشيخ -في تلك الأيام- نظم رواية شعـرية كاملة ، لا تقل –في بنائها الروائي الفني وشاعريتها ومضامينها ، مواقف وأسلوبا في الحوار ، وأفكاراً ، وتصويراً للمشاعر والنزعات ، كما يفرضها الحال- عن أرقى ما عرف من الروايات المعروفة وقتها ، لكن شيخنا أخبرني بنفسه –أنه ألقى هذه الرواية في مرحلة أخرى في البئر ، دون أن يعلم أن بعضهم قد سرقها ، واستنسخها قبل ذلك …

ولولا أن الناس لا تضع نتاج العلماء والفقهاء والكبار في إطارها الصحيح ، وفي مرحلتها الزمنية من حيث العمر والحالة ، وكأدب وفن كان ينسجم من حيث الدوافع ، وأسلوب التعبير مع مناخ الثقافة السائد من حيث الأغراض والتعبير عن القدرات ، وإيصال الأفكار ، لكان من الواجب إبراز هذا الأثر الأدبي والفني الرائع ، أو مقاطع منه هنا -على الأقل-، للتدليل على الإمكانات المتقدمة لشيخنا -رحمه الله- في شبابه من هذه الناحية ، ومن قبل قال أحد العلماء : 

ولولا الشعر بالعلماء يزري    

لكنت اليوم أشعر من لبيد

لقد أعرض شيخنا عن هذا المستوى من الاهتمام بالشعر ، لكنه لم يفقد –بالتأكيد- ملكاته ومواهبه المتميزة في ذلك .

وآخر ما يحفظ من آثاره الشعرية يقف عند أواخر الخمسينات ، وبداية الستينات من القرن الرابع عشر الهجري 1359 و 1364هـ . ومن ذلك رثاؤه للعلامة التقي المرحوم الشيخ عباس القمي المتوفى سنة 1359 هـ ، وكان بينهما مودّةٌ وخلّة ..

قال فيها -رحمه الله- يخاطبه (دون احتفاظ بتسلسل الأبيات) :

أيـها الراحل الـذي ترك الدين

لك نفس قد صاغها الله للقدس

ومذ استكملت من الزاد للأخرى

خلعت بـردة التشكّل واجتازت

أعجلت فيك  إذ دعيت إلى الله

رفعتك التقوى مقاما فأصبحت

وحفظت الدين الحنيف ومثلت

علـى فقـده حزيـناً ثكولا

مـثالاً وللعـباد دليـــلا

ونالـت بفـعلها  المأمـولا

بأنـوارها تباهـي العقـولا

ولا زلت في لقـاه عجـولا

على مفرق الهـدى إكليـلا

لـنا المصطـفى بـه تمثيـلا

وقال : 

ظهـرت فيك للصلاح سمات      

وغـدت بعـدك المنابر ثكلى     

فقدت منك مرشداً ينشئ القول     

وخطيـباً يلقـي المقال سهاماً

حجج تكشف الغطاء عن الحق

خولتك التعظـيم والتبجـيلا

حيث لم تجـد من علاك بديلا

بيانا طلـقاً وباعـاً طويـلا

فيصـيب الإلحاد والتعطـيلا

وتهـدي إلى الـرشاد سبيـلا

وقال -رحمه الله-:

جف ذاك اليراع من بعد أن أجرى    

بعـد أن أوسع المذاهب نقداً     

شاهدت فعله المواضي فودّت

ولسان اليراع أصدق في الضرب

علـى الملحدين يوماً مهـولا

وتمادى فـي درسـها تحليـلا

لو تجاريه في النـضال قليـلا

وأمضى عنـد التفاهم قيـلا

وقال -رحمه الله- مصوراً حزنه عليه ، ونظرته إليه :

أي نعش ضمت حناياه للعلم         أخاً صادقاً وخـلاّ وصـولا

روعـة القدس ألبسته سجافا        يملأ القلب دهشـة وذهـولا

 

عكفت حوله الملائك تعظيماً    

وطـافت بـه قبيـلاً قبيـلا

تتباهى في حمله فكأن الركن     

مـا بينـها غـدا محـمولا

ومن شعره : هذه القصيدة التي نظمها في مولد الرسول الأعظم (ص) سنة 1364هـ ، وهي طويلة تتجاوز السبعين بيتاً ، نقدم منها هذه النماذج:

مـاذا بمكـة فهـي تزهـو

منـظراً وتمـيس قِــــدّا

مـن زلـزل الأصـنام عن

أنصـابها قســـراً وأردى

نـبأ يـجلّ مـقامُـــه

مـن أن يعـرّف أو يحـدّا

نـبأ لـه قلـب الجـزيرة

كـاد أن ينـقدّ قَـــدّا

$        $         $

عهـدَ النـبوة طبـت عهدا

لبست بـك الأيـام عقـدا

والـدهـرُ إن رام الفـخارَ

فمِـن عُـلاك قد استـمدّا

فبنـورك استـهدت قلوب

فـي عمايـتها تـــردّى

جهلت قريـش فما رعت

لـك بيـنها رحـمـاً وودّا

ورمـتك بالأحـقاد حيثُ

استـهدفتك أذى وطــردا

فبعين ربّ البـيت .. مـا

قاسيـته فـي الله جهــدا

وبعـيـن ربّ البـيـت

تـنأى عن جوار البيت بُعدا

جهلـت بـأن البـيت يثكل

حيـن تبـعد عنـه صـدّا

فـرحلت ميـمون النقيـبة

منجـــزاً لله عهـــدا

ويلتفت ليخاطب  المدينة فيقول :

فـاستـقبلــيه وارفـعي              بـذراك للإسـلام بَــندا

لَبـّـيتِ  دعوتــهُ فكنت              لسـيف دعوتـه فَــرَنْدا

فاستنقذي الأجيال من            أوهامـها بالسـيف قصدا

ولتـضرع الأمـم الرهيبة              للثـرى وجـهاً وخَــدّا

مـن حاربَ الأقدارَ كان         لحتـفه يسـعى مُجِــدّا

ورغم ان هاتين القصيدتين -وهناك عدد آخر من القصائد يناظرهما- من جيّد الشعر ، فإن شيخنا لم يدخلهما في ديوانه (أمالي الحياة) ، الذي أشار إليه الحجة الشيخ أغا بزرك (رحمه الله) في ترجمته للشيخ في طبقات أعلام الشيعة ، واقتصر على ثنائيات ومقاطع قصيرة في الحكَم والنقد الفكري والاجتماعي والأخلاقي ..

نذكر منها بعضاً مما يمثل -كما نرى- أخلاقه أو منحاه الأخلاقي -كما يعرف ذلك القريبون منه-، وبعضاً ممّا يمثل تجارب ونقوداً ونظرات خاصة رائعة العبارة والتأشير من الناحية الأدبية ، ونسوقها هنا دون شرح .

منها قوله (رحمه الله) : 

 أنا حرّ في الحق لست أبالي      إن تخلّيتُ عن علائق جنسي

ولـو اني وجدت فيه سبيلاً      لقطعت الصلات حتّى بنَفسي

وقوله (يرحمه الله) :

حاربتْ نفسيَ الرياءَ نفوراً       منـه حتى رميــتها بالرّياءِ

وأطالت فـي نقده فأرتني       أصدقـائي الأدنين من أعدائي

وقوله (يرحمه الله) :

قال لي ناصح : تحبّب إلى النا       س تداوي الأخلاقَ بالأخلاقِ

فتعجّبت مِنه كيـف يُرجّى       أن أداوي نفاقـهم بنـفاقي

وقال (يرحمه الله) :

وخصـال أعـدّها لي ذنوباً       عدّها الآخرون مـن إحساني

كلنا يُبـصِرُ الحقيقـةَ لكن        قــد يكون المنظار ذا ألوانِ

وهي تعكس  بوضوح معاناةً خاصة كابد منها في ظرف أو آخر .

وقوله (رحمه الله) :

أخرَسَتْهُ الأيامُ فالتزم الصمت     

وقـد كـان شاعراً عبـقرياً

حفـرت قبرَهُ العبيد التي را     

م هُـداهَاً وكفنت منه حـياً

وقال -رحمه الله- في الحكمة والأخلاق ، متحدثاً عن نفسه وهو يريد غيره ، أو ما هو أعم من نفسه :

يتحـدانـي العـدو فأسمو   

بصـفاتي عن كل وردٍ ذميمِ

ويرينـي بالنـقد كلَ خفيٍّ

أزدريـه مـن خُلقيَ المكتومِ

فإذا بي أرى العـداوة ضرباً  

مـن ضروب الإرشاد والتعليم

وإذا ما استفدته مـن عدوّي  

ضِعفَ ما أستفيده من حميمي

وقال (رحمه الله) مشيراً إلى واقع تعصّب الإنسان لأفكاره التي نشأ عليها:

رُبَّ فكـرٍ ناضلت عنه طويلاً    

ثم ألفيته على غيـــر أسِّ

وإذا بـي أنازعُ الحقّ كيما    

يرتضيه لأنـه ظـلّ نفـسي

وقال (رحمه الله) :

من ذنوبي أني أصرّ على شيءٍ

تلقّـيت عِلمـه في شبابـي

رُبّ باب فتحتـها لا لمعنىً      

أوصدت دون فكرتي ألفَ بابِ

وقال (رحمه الله) :

كم تمنيت مستحيلاً فضيعت

زمـاناً من فرصتي بالتمنّي

فأنا جاهلٌ ولكن يسلّيني

أنـي وجـدت أجهلَ منّي

وقال (رحمه الله) : 

قد يريني الصديق لوناً من العتـ

ب فأقسو أمامـه لِيَليـنا

ويريني العدو نوعاً من الجور

فأغـضي عن فعله ليهونا

وقال (رحمه الله) : 

رُبّ وقتِ أضعته بالأماني

وتأسفت بعدهُ كيف ضاعا

وإذ بي أضيّع وقتين من عمري

بشـيءٍ لم أحوِ منه انتفاعا

وقال (رحمه الله) في النقد :

بعـض الأنـام دفاتر مملوءَةٌ 

بالحـفظ إلا أنّها لا تعقِلُ

تروي حديث الأولين وتنتهي   

بالآخرين وكل شيءٍ تجهلُ

وقال (رحمه الله) :

كثُرَ المدّعون حتى سرى الشكّ

وضلّت قـواعدُ البُـرهانِ

لا تقولوا الميزانُ يُثبِتُ شيئاً

إن صدقتم فالعيبُ في الميزانِ

وقال (رحمه الله) : 

إنما الديـن وحدةٌ لقلوبٍ     

ربطَ الديـن بعضَهُنَّ ببعضِ

فإذا رثّتِ العقـيدةُ يَـوماً     

قلبَ الجـور حبّهُنَّ لِبُغضِ

وقال (رحمه الله) : 

 أقاموا بأموال المساكين هيكلاً

يشيّده باسم العدالـة جـائرُ

وقالوا هنا تحمىالحقوق فقلت قد

يكون ولكن أين تشرى الضمائر

$       $       $

قد يرى البعض أننا تحدثنا عن الشيخ –رحمه الله- وقدّمنا من الشواهد هنا أكثر مما تحتمله هذه اللمحات السريعة ، ولكن ذلك - بحسابنا -

تفرضه أمور :

الأول : أنه الجانب الذي يجهله أكثر الناس من ملكات الشيخ (رحمه الله) ومواهبه .

ثانياً : لأن بعضها يتصل بأخلاقه -كما عرفت-، وبعضها برؤياه ونظرته للأمور ، وهو جانب هام في التعّرف على شخصيته في ترجمة له (رحمه الله) .

ثالثاً : أهمية مضامينها التي وددنا أن يفيد منها قراء هذه الترجمة لهذا الشيخ القدوة -أعلى الله مقامه-، ولو وسعنا أن نورد أكثر من ذلك لفعلنا .