مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

تـمهـيــد

لشيخنا الفقيه الفقيد المفكر الإسلامي ، آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين (رحمه الله) -عبر عقوده التي جاوزت الثمانين عاماً في مراحلها الثلاث- أكثر من جانب يجب أن يؤشر  إليه كعلامة بارزة لما مثّله من دور فاعل في العلم والعمل ، أسلوباً وغايةً ، شكلاً ومضموناً .

وما أخلقه بأن يكون في ذلك كله مثلاً يقتدى على صعيد العمل الفردي في أكثر من جهة ، لا بالنسبة لطلاب الحوزة العلمية وأساتذتها في النجف الأشرف فقط ، بل بالنسبة لكل الحوزات العلميّة الأخرى في العالم الإسلامي كلّه ..

وذلك ما يفرض استجلاء هذه الجوانب صوراً ودلالات ودوافع ، بالشكل الذي يجعل ما أشرنا إليه معروفاً وماثلاً ، ولئن منعت الظروف –وقتاً وشواغل- عن ذلك على المستوى  المطلوب فلا أقل من لمحات سريعة مؤشرة قد تتسع ، بمعاودة أخرى ، في وقت آخر .

لدى تفتحنا وجيلنا في الحوزة العلمية في السبعينات من التاريخ الهجري والخمسينات من الميلادي على الحياة  الأدبية والفكرية ، لم نجد في الساحة أدبا وفكراً إسلامياً أصيلاً نرتكز إليه ، ونقتدي به على المستوى العام ، وراء ما ترفدنا به مصر ، إلاّ لدى أفراد معدودين ، كان شيخنا -أعلى الله مقامه- في طليعتهم .

ومع أنه كان يعدّ -آنذاك– من أعلام الحوزة  العلمية ، وأساتذتها الكبار المنظورين ، فإنه قد جاوز برسالته ووعيه وأخلاقه دنيا الاعتبارات في الإطار التقليدي الحوزوي ، فعمل كما ينبغي للرجل الرسالي ، وطبقاً لما تمليه متطلبات المواجهة في السّاحة الفكرية والثقافية في دروسه ، ومجالسه وتوجيهاته ، ورشحات فكره وقلمه ، كل ذلك بعفوية وصدق محسوسين .

كان -رحمه الله- لا يحسب لما وراء المسؤولية والغاية الرسالية حساباً ، وما أكثر الشواهد التي وعاها ذلك الجيل -بخاصة أولئك الذين تماسّوا معه- بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دروسه النظامية –طبقاً للنظام الحوزوي- أو الأخرى المفتوحة فيما وراء ذلك ، والتي يصلح كلٌّ منها ليُقدم به -رحمه الله- على مستوى القدوة في العلم والعمل ، والمسار والأسلوب ، تلك هي البدايات المنظورة لنا ، والتي تصاعدت -دون اختلاف- بصمت واستقامة حتى آخر مراحل حياته ، حين أصبح أحد كبار فقهاء النجف ، ومراجعها العظام .

كان  الرجل الذي لم يستعمل في التأشير لنفسه شيئاً ، وراء خطه المستقيم ، وسلوكه القويم ، وتقواه وعلمه ورساليته ، وكما كان منذ بدأَ وعرف لأول مرة ، دون اختلاف .

إن مساره دارساً ، ومدرساً ، وشاعراً ، وكاتباً ، ومفكراً أصيلاً ، وعالماً موسوعياً ، وفقيهاً ، ومرجعاً كبيراً ، وأخلاقياً ، يشكل كياناً ذا ملامح خاصة متميزة على مستوى الأمثلة الشوامخ ، ولا نظن أن هذه اللمحات ستكون على مستوى الوفاء في الحديث عنه .

إن صورته –كما وعيناها- تمثّل مجمل الصفات التي هي على مستوى النموذج في طلاب وخريجي وأساتذة ومراجع جامعة النجف الدينية ، في الأخلاق والمؤهلات ، والعلم والعمل ، فهي -إذن بنظرة- صورة الجامعة العلمية في النجف الأشرف من خلال واحد من أعلامها البارزين .

ومن هنا تأتي الصعوبة في أن نقدم له -مع ما أشرنا إليه من شواغل ،  وضيق وقت- صورة قلمية ، واضحة الملامح ، كما يرسمها تاريخ مسيرته العلمية ، ومجموع صفاته وملكاته ، ومواهبه ومَدَيات عطائه ، بعواملها الذاتية والموضوعية ، في الأمس واليوم .

إن ذلك يطلب منا –بطبيعته- أن نتعرف عليه أسرة وبيئة ، طالباً وشاعراً ، وكاتباً مُميّزاً ، ومدرّساً ، ومفكراً عقائدياً ، ومؤلفاً ، وأخلاقياً ،  ومرجعاً دينياً ، رسم للحوزة منهجاً إصلاحياً متميزاً ، في مستوى الدعم وشروطه ، وفي الانفتاح وسعة الرؤية .

ولا بدّ من أن ندرس أيضاً نهجه وأسلوبه في الحياة والعمل ، وفي الحوار العلمي ، مفردة بعد أخرى .

وإذا كان ذلك متعذراً في هذا الظرف ، فليكن ذلك على سبيل التأشير تحت العناوين الخاصة لهذه المحطات الكثيرة .