كان هذا المجلس ملتقى الصفوة من أهل العلم والأدب في الحوزة ،
لعاملين معروفين :
أولاً - :
قدرة ومنزلة مؤلّفه ، وما عرف به من الإمكانات الأدبية
والعلمية .
ثانياً -: كونه -كما خبروا-
ندوة أدبية وعلمية ، كان الشريك الكبير لشيخنا (رحمهما الله)
فيها ، صديقه الحميم العلامة الحجة الشيخ سلمان
الخاقاني (رحمه الله) الذي كان –مضافاً إلى علمه- شاعراً واسع
الثقافة ، وكان شفافاً ظريفاً ، كريم النفس واليد .
تحدّث الدكتور مصطفى جمال الدين (رحمه الله) عن مجلس شيخنا
وشريكه الخاقاني (رحمه الله) فقال :
(كان هذا الشيخ محور حلقة من العلماء ، يمتازون بثقافتهم
الواسعة ، وأساليبهم الرائعة ، منهم المرحوم الشيخ سلمان
الخاقاني ، وهو من أقدم تلامذة السيد الخوئي المرموقين ، وله
ولعٌ بالشعر واطلاع واسع على أغلب ما يصدر في المكتبة العربية
، وفي مكتبته العامرة ، وبإرشاداته وتوجيهه قرأنا ما جدّ من
الكتب المصريّة واللبنانية الخ ..) .
ثم بين (رحمه الله) أثر علاقته بالشيخين زين الدين والخاقاني
_رحمهما الله) عليه شخصياً من الناحية الثقافية والأدبـية ،
بصفته أحد أفراد هذه الحلقة ، فقال :
(هذان العلمان الكبيران -زين الدين والخاقاني- هما اللذان
وضعاني على الطريق الذي أنا الآن في نهاياته) .
ويقول –أيضاً:- (أما حياتي الأدبية والشعرية -بوجه خاص- فـإذا كنت مديناً
فيها لأحد ، فلهذين الشيخين الجليلين : محمد أمين زين الدين
وسلمان الخاقاني ، فهما اللذان وضعا اللبنة الأولى في أساس
ظللت أبني عليه بعد ذلك) .
كان شيخنا (رحمه الله) يبتكر الأساليب ، ويستغلّ المناسبات
لديمومة حيويّة هذا المجلس وعطائه ، وإذكاء حماس حُضّارهُ ،
وإقامة المباريات الشعرية في داخله ، والشواهد الموثقة كثيرة ،
وطريفة ، دوّن الأخ العلامة الجليل الشيخ ضياء الدين -نجل
شيخنا- بعضها .
ولما كان متعذراً استيفاء الحديث عنها ، أو إيرادها ، أو شواهد
منها ، نوجز منها هذا المباراة
، وهي نموذج ممثل لمجلس الشيخ حضّاراً ،
ومضموناً ، ومستوى أدبياً .
كان ذلك قبل خمسة وخمسين عاماً ، في ليلة الغدير من سنة
1364هـ ، حين أعدّ أحد كبار حضار هذا المجلس قصيدة في
المناسبة ، وحين اطّلعوا عليها تآمروا بينهم -دون علمه-، على
أن يغيّروا تلك الأبيات ، بحيث يبقى المضمون نفسه ، والوزن
العروضي كذلك ، بل كل الكلمات -إن أمكـن- باستثناء القافية
التي يجب أن تبدل ، فيكون لكل واحد منهم قافية مختلفة ، وهكذا
كان
.
وحين جاء صباح يوم الغدير قال كل منهم : إن القصيدة لم تكن إلا
قصيدته .. وكان لا بد أن يحكّموا من يقضي بينهم في هذه الدعوى
، ووقع الاختيار على الشيخ الطبيب الشاعر الميرزا محمد الخليلي
(رحمـه الله) ، فأظهر العجب هو الآخر من هذا التآمر ، ومن هذه
الخدعة الذكية بتحكيمه ، لذرّ الرماد في العيون ، في حين أن
القصيدة لم تكن –كما ادعى – إلا قصيدته .
فاضطروا إلى تحكيم آخر ، هو الأستاذ الشاعر الشيخ صالح الجعفري
(رحمه الله) ، وكان مما اتفقوا عليه أن تكون إجابة الحكم -وهي
شعرية- على وزن وقافية القصيدة المحكوم لها ، وهكذا كان كما
سترى ..
ومما يجدر التنبيه إليه أن لشيخنا
(رحمه الله) عدا قصيدته قصيدتين أخريين لاثنين من المشتركين
تشجيعاً لهما ، أو إغذاءً للجلسة الأدبية .
لقد اشترك في هذه الجلسة اثنا عشر شاعراً أو قصيدة (نظراً
للملاحظة السابقة) ، وإن كان ذلك لا يعني أنهما غير شاعرين ،
وإنما غير متهيئين للاشتراك في مباراة بين شعراء كبار
وهم :
1- : شيخنا (قدس الله نفسه) .
2 - : الشيخ سلمان الخاقاني (رحمه الله) .
3 - : الشيخ علي زين الدين (رحمه الله) .
4 - : الشيخ علي الصغير (رحمه الله) .
5 - : الدكتور مصطفى جمال الدين (رحمه الله) .
6 - : الدكتور صالح الظالمي .
7 - : الشيخ محمد الازيرجاوي .
8 - : الأستاذ عبد النبي الشريفي.
9 - : الشيخ محمد حسين الخزاعي.
10 - : الشيخ محمد الخليلي
(رحمه الله) ، الذي كان قاضياً فانقلب مدعياً .
11 - : الشيخ ضياء الدين الخاقاني .
12 - : الأستاذ صالح الجعفري –رحمه الله- القاضي الثاني .
ولقد بدأ الدعوى العلامة الحجة الشيخ سلمان الخاقاني (رحمه
الله) ، فقد تقدم إلى القاضي شاكياً في قصيدة طويلة ، منها
قوله :
|
مـن ذا يـردّ صباباتي وأفكاري
|
من معشر سلبوا بالجور أشعاري |
|
من معشرٍ خلتهم ان نكبة عرضت |
أو نالني حادث من خير أنصاري |
|
وخلتهم إن أخض في الدهر معركة |
درعـاً دِلاصاً يقيـني شر أخطارِ |
|
وأنـهم سيـفي الماضي أصول به |
حتـى أنال الذي أرجو من الثارِ |
إلى أن يقول :
|
خلاصـة القول يا بن الطيبين أرى |
كشف الذي ذقته من لاعج
النار |
|
قد كنت سجلت أبـياتاً أروم بها |
يوم القيامـة إحـباطاً
لأوزاري |
|
أبيات شعر بمدح المرتضى عرضت |
للنفس من وحي آدابي
وأفكاري |
|
وقـبل إكمالها قد جئت أعرضها |
عليهم بيـن أسـماع وأبصارِ |
|
مـا خلت أنهم سـراق مألكـة |
سراق قافـية سـراق أشـعارِ |
|
فقـد عدوا وتحـدّوا كل قـافية |
وغيروا كل بيت سَلسَلٍ جاري |
|
ثم ادّعوا نظمها شاهت مقالتهم |
فالحق يا صاح محـفوف بأنوارِ |
|
والحق يا صاح لا تخـفى حقيقته |
وإن أحاطوه مـن ظلم بأستار |
ويقول فيها :
|
فانـظر إلى الكل في عين مجربة |
ترنو إلى الحق في حزم وإبصارِ |
|
وابدِ الحقيقة واقطع كل جازية |
تسطو على الشعر أو تلهو بآثار |
ثم قرأ -رحمه الله- قصيدته المدعى سرقتها ، ومنها -بعد حذف
مقدمتها الغزلية-:
|
تركت حبّي وما لفّـقت من كلمٍ |
في وصف كلّ جميل الشكل
مِعطار |
|
وعدت والقلب مملـوء هوى ثملٌ |
في حبّ من فيه إعلاني
وإسراري |
|
أعنـي علياً أمـير المؤمنين ومَن |
في محكم الذكر فضلاً
خصّه الباري |
|
وصاحب البيعة الكبرى التي
شهدت |
جماعة القوم فيها
حكمها الجاري |
|
إذ قام فيهم رسول الله يخطبهم |
ويظهر الأمـر فيهم أي
أظهارِ |
|
يقـول من كنت مولاه فان له |
هذا عليٌ ولـيٌّ بعد إقـباري |
|
لكنما القـوم ضلّوا عن هدايته |
وقابلـوا النـص في صدٍ
وإنكار |
ويتقدم بعده سماحة شيخنا زين الدين (رحمه الله) إلى القاضي
قائلاً :
|
سمعاً ربيب المزايا الغرّ والشـيم |
شكوى تعج بها أصوات ذي ألمِ |
|
خواطر قد أثارتني علـى مضض |
من الشـجا وأقامتني على ضرم |
|
أمنصفي أنت من قـومِ قد انتحلوا |
قولي ولم يحذروا من بأس منتقم |
|
جميلةٌ مـن بنات الفكر ساحرة |
الألفاظ أتعبت في تقويمها هممي |
|
عدا عليها غزاة القـول فانتبهوا |
أحشاءها بيـد العقبان والرّخُمِ |
|
فأبدلوها بنـظم غـير منسبك |
وحرّفـوها بلفظٍ غير منسجم |
|
فـلا جزالة ذاك اللفـظ باقية |
فيه ولا ربـط معـناه بملتـئم |
|
محاسن أصبحت من بعـد بهجتها |
-ظلماً- موزّعة
الأشلاء والرحم |
|
كانت يتيمـة أمثال وقـد بليت |
لفعلهم مـن أبيـها البّر باليتم |
|
تحاكموا لك يا بن الاكرمين وهل |
وجه الحقيق مستور على الحكم |
|
أمعن بقولهم كي تستبين هدى |
قولي وتسمع في توقيعهم نغمي |
|
تلقى على كل حرفٍ دمعة
سكبت |
مني وفي كـل بيت حمرةً لدمي |
ثم قرأ (رحمه الله) قصيدته التي قال : إن الآخرين سرقوها ،
ومنها -بعد حذف مقدمتها الغزلية-:
|
تركت حبي وما لفّقت من كلم |
وعدت أقـرع مني سن ذي ندم |
|
وكيف أحذر من ذنبٍ
أتيت به |
وقد جعلت بحبل الله معتصـمي |
|
أخلصت حبي للمولى الذي أخذت |
له الولايـةُ ميثاقاً علـى الأمم |
|
أعنـي علياً أميـر المؤمنين ومن |
له القضاء بفصل الحُكم والحِكَمِ |
|
وصاحبَ البيعة الكبرى التي شهدت |
بنصها محكمات الصحف من
قدم |
|
إذ قام في الناس خير الناس يخطبهم |
لا يختشي قـول أفـّاك ومجترم |
|
ألست أولى جمـيع العالمين بهم |
شأن خُصصت به من بارئ
النسم |
|
ألا ومن كنت مـولاه فإن له |
نعم الولي عليٌّ بعـد منصرمي |
|
هذا وصيي الـذي تلفى ولايته |
للعالمين غـداً من أعظم النـعمِ |
|
إذا تزايلت الأهـواء واختلفت |
عن الهدى فعـليّ راسخ القدم |
|
ان كنت للرشد فيكم خير
مبـتدأٍ |
فانه بعد فقـدي خيـرُ مُختم |
|
يدعـوهم للهدى لو أنهم سمعوا |
لكنها دعوة كانت لذي صمم |
وجاء بعده العلامة الشيخ علي زين الدين
ليتقدم إلى القاضي قائلاً :
|
عجائب ظهرت من فعل ذا الزمن |
ترمي الفـؤاد بتـيار من المحن |
|
قـلّ الوفـاء فـلا ذو خلةٍ ثقة |
مـن الأنام ولا شخـص بمؤتمنِ |
|
جـفا الأخـلاء فالدنيا منغصة |
عندي فهل أنت يا ذا العدل
تنصفني |
|
فريدة من شـظايا القلب ينحتها |
فكري فيبرزها في مطرف حسن |
|
غذّيتها ما تشاء النفس من خلق |
ورضتها ما يشاء القلب من حزن |
|
حتى إذا أصبحت سحراً مفاتنها |
للعاشقـين سرور القلب والأذن |
|
تجاذب القوم أحشاها فلم يدعـوا |
سوى فؤاد بـداء الحزن مرتهن |
|
فهل ترى عدلوا في الحكم إذ عدلوا
|
عن الهدى وتعدّوا أوضح السنن |
|
إنا رضيناك فاحـكم غير متهم |
وقولك الفصل في سرٍ وفي علنِ |
ثم قرأ (رحمه الله) قصيدته التي منها -بعد حذف مقدمتها
الغزلية-:
|
تركت حبي وما لفقت من كلم |
وعدت فـي جَلد بالحزن ممتهنِ
|
|
وكيف أحذر من ذنب أتيت به |
وقد ضمـنت نجاتي في أبي حسنِ |
|
أخلصت حبّي للمـولى الذي نطقت |
بفضلهِ محكمات الصحف والسننِ |
|
أعنـي علياً أمـير المؤمنين ومن |
بحـبّه كنتُ فـي أمْن من الفتَنِ |
|
وصاحبَ البيعة الكبرى التي أخذت |
على الورى ووعاها كل ذي
أذُنِ
|
|
إذ قام في الناس خير الناس يخطبهم |
ومنطق الحـق لا يخفى على فَطِنِ |
|
ألست أولى جمـيعِ العالمين بهم |
شأن حبانـي به ذو العطف والمنن |
|
ألا ومن كنـت مولاه فحيدرة |
نعم الوليّ له فـي السرّ والعلـن |
|
هذا وصيي الذي تلفى ولايته |
للخائفين غـداً من أمنـع الجُنَنِ |
|
إذا تزايلت الأهـواء واختلفت |
فإنه خيـرُ من يمشي على سَنني |
|
إن كنت للرشد فيكم خيرَ داعيةٍ |
فإنه بعد فقـدي خيرُ مؤتَـمَن |
يدعوهمُ للهدى لو أنهم سمعوا
|
لكنها أنفـسٌ باتت على إحنِ |
وتقدم المرحوم العلامة الشيخ علي الصغير (رحمه الله) إلى
القاضي قائلاً :
|
لا يدّعي الصحب
هذا الشعر إن به
|
قرائن الصدق من شعري وأنغامي |
|
ولا تظنوا بـأن الصبح منكتمٌ |
وإن
أحاطـوه فـي ظلم بإبهام
|
|
فالكلّ يعـلم
أنـي
شاعر
لبق |
يوحى لي الشعر في وحي وإلهام |
ثم قرأ قصيدته وهي -بعد حذف مقدمتها-:
|
تركت حبّي ومـا لفّقت من كلم |
في
وصف كل جميل الثغر بسّام
|
|
وعدُت والقلب مملوء الهـوى
ثملٌ |
في حبّ من فيه أشواقي وتهيامي |
|
أعني علياً أميـر المؤمنـين ومن |
في محكم الذكر فضلاً ذكره
السامي |
|
وصاحب البيعة الكبرى التي شهدت |
جماعـة القوم منها حكم علاّمِ
|
|
إذ قام فيهم رسـول الله يخطبهم |
ويبـرم الأمر فيـهم خير إبرامِ |
|
يقول من كنـت مولاه فان له |
هذا علي وليـاً للهـدى حاميِ |
|
لكنما القوم ضلوا عن هدايته |
وقابلـوا النص في شك وأوهام |
وجاء دور الدكتور السيد مصطفى جمال الدين –رحمه الله- ليتقدم
للحكم قائلاً
:
|
ربّ القوافي إليك المشتكى فلقد |
تـنازع القوم في لحني وأوزاني
|
|
الشعر شعري وهذا وحي فاكرتي |
فـهل تغيـر شيـطاني وأغواني |
|
أم هل يوقّع في ألحـان فاكرتي |
لحنا ويوحيه من بعدي إلى الثاني |
إلى أن يقول :
|
أردت أن أصحب الدعـوى
ببينة |
فأرسـل الشعر حزناً دمعه القاني
|
|
وقال كلفتني ما لا يطـاق فهل |
تحتاج شمس الضحى يوماً لبرهان
|
|
وأنت رب القوافي الخالدات فقم |
يا أعدل الناس واحكم حكم
سلطان |
ثم قرأ قصيدته : ومنها -بعد حذف مقدمتها-:
|
تركت حبي وما لفقت من
كلم |
في وصف كل جميل الشكل فتان |
|
وعدت والقلب مملوء الهوى
ثمل |
في حب من فيه إسراري وإعلاني |
|
أعني علياً أميـر المـؤمنين ومن |
قـد خصه الله فـي آي وقران |
|
وصاحب البيعة الكبرى التي شهدت |
بها الخلائق من إنس ومن جـان |
|
إذ قام فيهم رسول الله يخطبهم |
مبـيناً أمـره في خيـر تبيان |
ألا ومن كنت مولاه فـان له
|
نعم الولـي علي بعـد فقداني |
|
لكنما القوم ضلوا
عن هدايته |
وقابلوا النص في صدّ وهجران |
وتقدم بعده الدكتور الشيخ صالح الظالمي ، فطرح دعواه على
القاضي بقوله :
|
فريدة قد بدت في طلعة القمر |
قلّدتها من بياني أحسن الـدرر
|
|
فكم سهرت من الساعات
منفرداً |
لأحكمَ السبك في ألفاظها
الغررِ |
|
مالي وللقـوم قد صالت
قرائحهم |
على حمى اللفظ
والتنسيق
والصور |
|
فأبـدلوا اللفظ لفظاً غير متسق |
وأبدلوا الشعر شعراً غير مبتكر |
|
صالـوا وما علموا أن الملاحة لا |
تخفى وكيف خفاءُ الأنجم الزهر |
|
ان القريض قريضي لا خفاء به |
ألبسته مـن نسيجي أفضل الحبر |
|
من يسرق الطيب لم يظفر بمقصده |
فالطيب يفضحه في نشره العطر |
|
احكم بعدلك ان الحـق متضح |
والعين رؤيتها تكـفي عن الأَثر |
وتلا قصيدته التي أدعى أنها الأصل وهي
-بعد حذف مقدمتها- :
|
تركت حبي وما لفقت من
كلم |
وعدت أقرع سن النادم الحصر |
|
وكيف أحذر من ذنبي وقد علقت |
نفسي بحب علـي خبرة الخير |
|
أخلصت حبي للمولى الذي
أخذت |
لـه الولاية ميثاقاً علـى البشر |
|
أعني علياً أميـر المؤمنين ومن |
لـه القضاء بأمر الله في القدرِ |
|
وصاحبَ البيعة الكبرى
التي شهدت
|
بنصها محكمات الصحف والسورِ |
|
إذ قام في الناس خير الناس يخطبهم |
والعين رؤيتها تكفي عن الخبرِ |
|
ألست أولى جميع العالمـين بهم |
شانٌ خُصصتُ به من منشئ الصور |
ألا ومـن كنت مولاه فحيدرة
|
نعم الولي لـه في البدو والحضر |
|
هذا وصيّي الـذي تُلفى ولايته |
لمـن تمسّك فيها خيـر مدخرِ |
|
ان كنت للرشد فيكم خير مبتدأ |
فإنه خيـر من يمـشي على أثر |
|
يدعوهم للهـدى لو أنهم سمعوا |
لكنه الجهل قد غطى على البصر |
وجاء بعده العلامة الشيخ محمد
الازيرجاوي ليدعي أمام الحكم ان القصيدة لـه دون الآخرين فقال
:
|
احكم أخا الود في عدل بلا زلل |
فـان حكمك فيه غـاية الأمل |
|
وأنت للصحب والأحباب ملتجأٌ |
نأوي إليه بوقت الضيق والوجل |
|
عجّل بحكمك (خير البر عاجله) |
فربمـا فاز من يمشي على عجلِ |
|
واعدل فكم دولة بالجور قد قلبت |
وبالعدالـة تبـقى صولة الدولِ |
ثم قرأ قصيدته وهي :
|
تركت حبي وما لفقت من كلم |
وعدت أقرع سن النادم الوجل |
|
وكيف أحذر من ذنبي وقد علقت |
نفسي بحـب أمير المؤمنين علي |
|
أخلصت حبي
للمولى
الذي
أخذت
|
لـه الولاية ميـثاقاَ من الأزلِ |
|
أعني علياً أمير المؤمنيـن ومـن |
قد ارتـضاه وصيّاً سيدُ الرُسُلِ |
|
وصاحبَ البيعة
الكبرى
التي
شهدت
|
آي الكـتاب بها في كل محتفل |
|
إذ قام
في
الناس
خيرُ
الناس يخطبهم |
لا يختشي قول ذي
إفك
وذي خطل |
|
ألست أولى جميع العالمين بهـم |
شأن خصصت به من علة العلل |
|
هذا وصيي الذي تلفى ولايته |
يوم الجزاء غداً من أفضل العملِ |
|
إذا تزايلت الأهواء واختلـفت |
عـن الهدى فعليّ خيرة السبل |
|
ان كنت خير نبي جئت بينكم |
فإنـه لكم في الله خيـرُ ولي |
|
يدعوهم للهدى لو أنهم سمعوا |
لكنه الجهل قد غطى على المقَل |
تقدم بعده الأستاذ عبد النبي الشريفى ،
ليتهم -أمام الحكم- الجميع بانتحال قصيدته ، وإبدال قافيتها
مدّعياً أنها الأصل فقال :
|
وزمرة من رواة الشعر قد نحلوا |
شعري ولكنهم باؤوا بإخفاقِ |
|
غداة قد أبدلـوا من كل قافية |
وأين شعرهم من شعري الراقي |
|
يا قاضي الشعر كن ما بيننا حكماً |
واقتصّ منهم بلا عطفٍ
وإشفاقٍ |
ثم قرأ قصيدته ومنها -بعد حذف المقدمة-:
|
تركت حبي وما لفقت من كلم |
في مدح كل جميل الشكل عبّاقِ |
|
وعـدت والقلب مني قـد تملكه |
هوى جديد فما يدنو لإخلاقِ |
|
قـد أستقر بقلبي حب (حيدرة) |
قلبي بغـير (علـي) غير خفّاق |
|
أبـي تـراب أمير المؤمنين ومن |
قد اصطفاه ولـياً خيـرُ خلاّقِ |
|
وصاحب
البيعة الكبرى
التي
شهدت
|
جماعة القوم فيها حكمها الباقي |
|
إذ قـام فيهم رسول الله يخطبهم |
ويوضح الأمر فيهم دون إغلاق |
|
تحاشد القـوم فـي خمّ بأسرهم |
فما تـرى غير أجـناد وأعناق |
|
فـقال وهو الأمين الفرد بينهم |
الله أخـرجه من طيب أعراق |
ألست أولى بكم يا قوم فاستمعوا
|
قالوا : بلى دون إكراه وإرهاقِ |
|
فقال:من كنت مـولاه فحيدرة |
ولـيّه اتـخِذوه للأذى واقِ |
|
لكنما القوم ضلوا عن هدايـته |
واغرقـوا في ضـلال أي إغراق |
وما أن انتهى حتى اخذ مكانه العلامة الشيخ محمد حسين الخزاعي
(حفظه الله) متوجهاً إلى القاضي بنفس الدعوى التي ادّعاها
الآخرون ، زاعماً ان القصيدة له دونهم ، فقال :
|
شعر سهرت به ليـلي أقطّـعه |
فجاء منسجماً يـزهو كمختالِ
|
|
فعاين الصحب ما قد نال
من صفة |
فيـها تضـمن تبينياً لأحواليِ |
|
تلاقـفوه وجـاؤوا يدّعـون به |
وذلك الأصل لا يخـفى بإبدالِ |
|
أنت الحكـيم الذي جئنا نحكّمه |
واخـتر برأيـك تأديباً لمحتالِ |
ثم قرأ قصيدته التي منها قوله :
|
تركت حبي وما لفقت من كلمِ |
في وصف كل جميل القدّ مَيالِ
|
|
وعدت والقلب مملوء الهوى ثمل |
في حبّ من فيه أرجو نيل آمالي |
أعنـي علياً أميـر المؤمنين
ومن
|
بحبّه أبتـغي حـطاً لأثـقالي |
|
وصاحب البيعة الكبرى التي
شهدت |
جماعة القوم فيها حكمها الحالي |
|
إذ قام فيهم رسول الله يخطبـهم |
لا يختـشي قول حسّاد وعذّالِ |
|
ألست أولـى جميع العالمين بهم |
قد خصني الله في شأن وإفضالِ |
|
ألا ومن كنت مولاه فـإن لـه |
هـذا علي ولـياً بعد ترحالي |
|
هذا وصيي الذي تلفى ولايته |
للعالمين غـداً من خير أعمـال |
|
إذا تـزايلت الأهـواء فاتبـعوا |
طريقهُ واحذروا من كيد ضلاّلِ |
|
ان كنت خيـر نبيّ جئت بينكم |
فانه بعـد فقـدي أفضل الآل |
|
لكنما القوم ضلوا عن هدايـته |
وقابلوا النـص في ردّ وإهمال |
وجاء دور الشيخ ضياء الدين الخاقاني ، فأخذ مكانه أمام القـاضي
، ليدّعي نفس الدعوى قائلاً :
|
هذه القصيدة من فكري لقد نظمت |
في شأن مدح إمام العجم والعرب |
|
لكنني لم أزل في منتـهى عجبي |
لقد بدا الأمر عندي غاية
العـجب |
|
من معشر كان ظني فيهم حسناً |
وكنت أعرف فيهم منتهى الأدب |
|
فكيف صالوا على شعري وما تركوا
|
إلا الضلوع تعـرّت في يد
السلبِ |
|
إذ غيروا بعض ألفاظ وقافية |
منها عناداً فزالت روعة الأدبِ |
|
فهل ترى أنهم إذ شاهدوا مرضي |
وضعف جسمي وقد أدى على العطبِ |
|
صالوا عليه
كما صال
الزمان
علـى |
جسمي النحيل فيا دنيا الوفا
اغتربي |
|
لكـنما أملـي في حاكـم نزه |
يجلو الحقيقة عن زور وعن كذب |
ثم قرأ قصيدته التي بقول فيها :
|
تركت حبي وما لفقت من كلم |
في وصف كل جميل الثغر ذي شنب |
|
وعدت والقلب مملوء الهوى ثمل |
من حبّ من فيه تُجلى أعظم الكرب |
|
أعنـي علياً أميـر المؤمنين ومن |
في مدحهِ الله أوحى مُنزَل الكتب |
|
وصاحبَ البيعة الكبرى التي شهدت |
جماعة القوم فيها أحسن الخطب |
إذ قام فيهم رسـول الله
يخطبهم
|
ويوضـح الأمر في تبيينه العَذِب |
|
يقول مـن كنت مـولاه فإن له |
بعـدي علياً ولـيّ خير منتخب |
|
لكنما القـوم ضلوا عن
هدايته |
فقابلوا النّص في صدّ وفي صخب |
وتأتي المفاجأة حين يتقدم العلامة الطبيب الشاعر الشيخ محمد
الخليلي ، الذي اختير قاضياً لأول مرة في تعيين الأصل ، فإذا
به يزعم أن القصيدة له ، ومما قاله (رحمه الله) :
|
يا نخبة الأدب الحي الذي بزغت |
شموس أفكارها فـي حلبه الأدب |
|
فأنبتت في رياض الشعر قافية |
نمت بماء الذكا لا هاطل السحب |
|
جادت قرائحكم نظماً ولا عجب |
ان جاد أمثالكم بالباهر العجب |
|
بعثـتموها عقوداً نضدت درراً |
تضيء في أُفق الآداب كالشهب |
|
في مدح خير إمام قد تأمر في |
خم على الخلق من عجم ومن
عرب |
|
بعثتموها وكـل رامني حكـماً |
فـي أسبقيته بالمنـطق العذب |
|
يقـول ان لئالي نظـمه لعـبت |
بها بلا حذر منـهم يـد السلب |
|
ثم ادعى سبقه بالنـظم سارقها |
ولـم يراع جهاراً حرمة الأدب |
ثم زعم (رحمه الله) ان أضعفهم سبكاً ونظماً هو صـاحب القصيدة ،
لان القوي هو الذي يأتي متأخراً ليغالب الضعيف ، ولأنه رأى ان
اضعف القصائد سبكاً هي قصيدة الشيخ ضياء الخاقاني ، اعتبرها
الأصل الذي نسجت عليه القصائد الأخرى :
|
رأيت أضعفكم في السبك أسبقكم |
نظـماً وأقواكم قد جاء للغلب
|
|
أجل وهل لضعيف النظم مقدرة |
بـها يبزّ نظام الشاعر الذّرب |
|
حتى يطـاوله أو يدعـي سفهاً |
بأنه سابـق أو غيـر مغتصب |
إلا انه استدرك بعدها ، فادعى أن القصيدة له ، وأنهم حكّموه
فيهم، إمعانا منهم في التآمر عليه ، ولكي لا يستطيع ادعاءها
فقال :
|
هذا إذا كنت قد راعيت حرمتكم |
ولم أطالبكم حقي ولم أعِب
|
|
وكنت في معزل عن ظلمكم دري |
كأنني أنـا لم
أسلبَ ولـم أُصَبِ |
|
لكنكم يا رعى الرحمان جانبكم |
رمتم أماناً بذا من سـورة الغضب |
|
جعلتموني كـي
لا ادّعي حكماً |
وهل يُحكَّم مسلوبٌ على السلبِ |
|
فريدة كنت قـد أعددتها ولَكَم |
غنّى بها الناس من ذي فطـنة
وغبي |
|
حتى غدت
مثل
ضوء الشمس
ساطعة
|
لم تحتجب عن عيون الناس بالحُجُبِ |
|
سرقتموها وهل لي أن أبوح بها |
ولا أحبّ افتضاح الصفوة النُجبِ |
|
إذ لست أبخل في طبّي على أحدٍ |
فكـيف ابخل
فـي
منتوجي
الأدبي |
ثم قرأ قصيدته التي ادعى أنها الأصل ، ومنها -بعد حذف المقدمة
الغزلية-:
|
تركت حبي وما لفّقتُ من كلمٍ |
وقد تغيّر منطـوقي ومعتقدي |
|
وعـاد قلبي مـملوءاً بحبّ فتى |
ولاّه في
يوم
حشر
الخلق
معتمدي |
|
أعنـي علياً
أميرَ المؤمنـين ومن |
أقام دين الهدى في مِقوَل ويدِ |
|
وصاحبَ البيعة
الكبرى
التي
شهدت |
بها حضور الملا موفورة العددِ |
ألست أولى جمـيع العالمين بهم
|
قالوا بلى وأبُ يحنو
علـى
الولد |
|
فقال مـن
كنت مولاه فحيدرة |
مولاه بعدي
كما
قد
كان
لي
عضدي |
|
هذا الوصي الذي تلـفى
ولايته |
لـمن تمسّك فيها
خيرَ مستـند |
|
لكنما
القوم
غضّوا
الطرف
وانقلبوا |
من بعدهِ بل
هم ضلّوا
عن الرشد |
وما ان أنهى إنشاده لقصيدته ، حتى
تعالت أصوات المعترضين على ما ادّعاه ، وكان شيخنا زين الدين
(رحمه الله) أول المتصدين له بقوله :
|
حكم تعرّضه الدعـوى إلى تهم |
والعدل أفضل ما يُرجى
من الحكم |
|
أردفت رأيك في دعوى تناقضه |
فكـنت معترضاً للرأي بالعقم |
|
حررت قاعـدة لو تم شاهدها |
لكـنت أولَ محـكومٍ ومنهزِم |
|
رأيت أن ضعيف القوم أسبقهم |
فكـان رأيُك فيـنا غير متهم |
|
ثـم ادّعيت قويّ السبك مجتنياً |
عما نطقت به في الرأي من كلم |
|
فكنت تهدم ما شيّدت من أسس |
وكنت تنقض ما أبرمت من
حِكَم |
|
ولو تعمّدت ضعفَ القول كنت به |
أسدّ رأيـاً وأقوى عند مختصم |
|
فـلا ادعاؤك بعد الحكم محتفلٌ |
بـهِ ولا الرأي إذ يبدو بمحترم |
وتلاه المرحوم السيد مصطفى جمال الدين الذي قال :
|
إيه (خليلي)كـل امرئ ضعفت |
ألفـاظه عدّ فينا غير مغتصب |
|
فربما كان فحلاً بالقريـض وقد |
رأى التضاعف يدنيه إلى الغَلب |
|
كالشـيخ إذ يتعاطى صبغ لحيته |
ليخدع الناسَ بالتدجيل والكذب |
وجاء الشيخ صالح الظالمي ليؤكد دعواه ، ويتّهم الخليلي بالخداع
وتجاوز العدل ، ومخالفة الثقة به ، فقال :
مرت كأغنية المهموم في السحر
|
هيـفاء تستلب الأكباد بالحور
|
|
تعادل الحسن في أطرافها فغـدا |
جمالها فتـنة الألباب والنـظر |
|
تنازع القـوم في أسلابها فأتت |
تشكو لحاكمها من قسوة البشرِ
|
|
وحاكم أحـرزت في عدله ثقة |
يرى الخصام فيُبدي حكم مقتدرِ |
|
ترجو النجاة من العادي وقد جهلت |
ما خبّأته بقاضـيها يـدُ القَدرِ |
|
أضحى يساجلها الألفاظ عن شغف |
بها ويسترقُ الألحاظَ في حذرِ |
|
واحـتال أن يتبـنّاها لغايـته |
فاختار للحُكم فيها
أجمل الفِكَر |
|
فاثبت الحكم فيها للضعيف لكي |
يقوى على أخذها منه
بلا خطر |
ثم اتجه إلى الجعفري قائلاً :
|
أبا رياض لقـد أمّـتك شاكيةً |
من العداء ودمع العيـن كالمطر |
|
فانـظر إليها بعطف إن مهجتها |
غدت موزّعـة بالهمّ والكدرِ |
وتوجه الشيخ سلمان الخاقاني رحمه الله للجعفري بقوله :
أبا
رياض يا لسـان النادي ونجـمه اللامع فـي البلاد
إلى قوله :
فاحكم
كفيت زلـة العـوادي بالعـدل والسـداد والرشـاد
واكشف
لـنا دفائـن الأحقاد (أبـا رياض يا لسان النادي)
وأصدر الأستاذ الشاعر الشيخ صالح الجعفري حكمه مع اعتذار ينم
عن عدم الثقة .
فقال : هذا رأي مرتجل ، قد يصيب وقد يكون معه الزلل ، فقد عرفت
نفسي ولم أقل : أصالة الرأي صانتني عن الخطل ، فالقصيدة لصاحب
القافية اللامية دون خطابها ، وإن لم يكن فهو دونهم أولى بها ،
والقضية قضية نشاط فكرٍ وذوق ، وقد شب عمر عن الطوق ، وأما
الأستاذ الخليلي فسامحه الله على فعلته ، وما هي إلاّ من فطنته
لا فتنته ، فقد صار مثالاً للحاكم النبيه ، وكل جانٍ يده إلى
فيه .
ثم قال قصيدة بوزن وقافية القصيدة المحكوم لها ، كما هو المتفق
عليه ، وهي :
إلّيـَة بك لا بالأعين النـجل
|
لأنت بين عيون الشعر كالشُعلِ
|
|
لو صور الشعر عيناً كنت كالكحل
|
أو صور الشعر ثغراً كنت كالقُبل |
|
من لي برشف
رضابٍ
منك
يسعفني |
وقـد حمته رماةُ الحيّ من ثُعَلِ |
|
يتيمة السلـفِ الغادين من مضرٍ |
خفيرة الحي بين البيض والأسلِ |
|
لم تحظ شمس الضحى يوماً بطلعتها |
الغراء إلاّ على شيءٍ من الخَجلِ |
|
وما ألمّ بها البـدر المنيـر دجـى |
إلا تعـثر بيـن الريث والعجلِ |
|
لم تستقر بأصـلاب الرجـال
وإن |
قرّت بأحلامهم من سابقِ الأزلِ |
|
لم ترتضع غير دَرِّ الفكر إذ حرمت |
المـراضع من صابٍ ومن عسلِ |
|
حمى طفولتها الضلـيلُ من
عبثٍ |
وحاطها المتنـبي حيـطةَ البطل |
|
حتى إذا قلب الدهر المـجن لها |
تبلغت بعد فيض البحر بالوحل |
|
لـو لم يقدر غـواة الشعر قيمتها |
لما غدت بيـن منتتاشٍ ومنتشلِ |
|
تجاذبتها أكـف لا
تمـتّ لـها |
بأيّ آصـرة في الأعصر الأول |
|
وا نكبةَ الفـنّ بين الـجدِّ
والهزل |
وضيعة الحق بين الذئب والحَمل |
ثم عَرَّض بالشيخ الخليلي ، ومحاولته التي ذكرناها لدى تحكيمه
، فقال :
|
وحاكم وحكـيم راح يـوهمها |
صدق الطويّة في قولٍ وفي عملِ |
|
أتته ترجو الشـفا مما ألم بها |
فكـان فـي ما أتاه علة العلل |
|
قال اقصديني في بيـتي تَري عجبا |
الطبّ والشعر مجموعين في رجلِ |
|
هذا فؤادك ذو ضعفٍ وذو هـنٍ |
وذا قميـصك مقدود من القُبل |
|
لا يخدعـنّك فتيانٌ عهـودهم |
كالورد بين طلوع الفجر والطفل |
|
كم مصرعٍ للغواني بين أرجلهم |
مـرّوا عليه بقلبٍ غيـر محتفلِ |
|
ما اسـودّ شعرُ الفتى إلا ليخبرنا |
بما طوى من سوادِ القلب والدَخلِ |
|
وإن شَعـري لما ابيضّ دل على |
بـياض قلبي فكوني يا بنـيةُ لي |
|
قالت: وضاقت بها
الدنيا بما
رحبت |
يا للبلـية مـن داريـة غـزل |
والمحكوم له -كما هو واضح- الشيخ محمد
الازيرجاوي … لكن الأستاذ الجعفري (رحمه الله) لم يصب الواقع
في ذلك ، فإن القصيدة الأصل كانت للعلامة الشيخ سلمان الخاقاني
(رحمه الله) .
وهناك مباريات أخرى جميلة نذكر هنا فقط
ما حـدث في إحداها من حوار ، وخصومة شعرية في مسألة التحكيم ،
وانتخاب الحاكم ، فهو من أجمل وأطرف ما يقرأ في موضوعه ، وفي
توظيف التاريخ والعقيدة بصورة أو بأخرى في هذه الخصومة .
لقد شارك في هذه المباراة -عدا بعض من تعرفنا عليهم في
المباراة السابقة- أعلام آخرون ، منهم السيد عباس أبو الحسن
العاملي ، والأستاذ
هادي محيي الخفاجي ، والسيد محمد رضا الحكيم ، والشيخ عبد
العظيم الربيعي ، والشيخ أحمد الطرفي ، والشيخ عبد الزهراء
الصغير ، ثم التحق بالمباراة بعدئذ الشيخ عبد المنعم الخاقاني
، والشيخ جاسم الخاقاني …
وتدور المباراة حول صورة رسمها شيخنا زين (رحمه الله) شعراً
لرجل جاوز سن الشباب ، فلم تعد قضية الحب تشغله ، ولا صورة
الحبيب تحرك مشاعره ، حتى ان فتاته التي توله بها وهي إلى جنبه
، لا تلفته ، ولا تذيب جليد عواطفه .
يقول شيخنا (رحمه الله) :
|
صبـوة تنقـضي مـع الأيام |
وفؤاد يسـلو حديـث غرام |
|
ودمـوع من الصـبابة يرقيها |
مسـرور السنـين والأعوام |
|
ألف الحـب ناشـئاً فلماذا |
لا يراعى للحب حـق الذمام |
|
مطـرق لا الفـؤاد منه كليم |
من هـواه ولا الدموعُ هوامي |
|
وإلـى جنـبه الفتاة التي كابد |
في حبـها ضـروب السقام |
|
جفّ منها ماء الصبا فاستحالت |
نضرة الحسن في الخدود
الوسام |
|
وتوارت تلك المحاسن كالبـدر |
تـوارى جـماله في الغـمام |
ثم يطرح الشيخ (رحمه الله) بصورة تساؤل حول ما يمكن ان يكون هو
السبب في ذلك ، فيقول :
|
أتـراه وقـد ألم بـه الشـيبُ |
تـناسى لـذاذة الأحـلام |
|
أم لأن الغـرامَ شـابَ فأضحى |
معـرضاً للسـهـادِ والآلامِ |
|
أم لأن الأيـام قـد أهـّلتـه |
فـي تجاريـبها لأسمى مقامِ |
|
فـرأى الحب والصـبابة والآلام |
مجـمـوعة مـن الأوهـامِ |
|
ورأى صفحة من الحزن تشجـ |
ي فطـواها عنه بغير اهتمامِ |
|
نزوات الشـباب والحلم الطائش |
محـظورة علـى ذي احترامِ |
ثم رأى أن هذه غير كافية لتفسير الحالة ، فقال :
|
هب تناسى غـرامه فلـماذا |
يتـصابى لسـالف الأيـام |
|
ولماذا يـبدو الوجـوم علـيه |
عنـد ذكـر الحقول والآرامِ |
|
أو ليست تلك البقايا من الحزنِ |
دليـلاً علـى بقـايا غرامِ |
بهذه افتتح شيخنا (رحمه الله) هذه
المباراة ، وعين موضوعها بعد أن طلب إلى الآخرين تصوير الحالة
شعرياً ، ثم ما يتصورونه سبباً لها على أن يتقيدوا جميعاً
بالوزن والقافية .
ورأوا بعد ذلك أن يجتمعوا لاختيار أحسن هذه المقطوعات شعراً ،
وأجملها إجابة ..
ولدى الاجتماع ، بدأ العلامة الشيخ عبد العظيم الربيعـي
متبرعاً ، فحكم بأن إجابة الشريفي هي الأفضل قائلاً :
|
قد قطعتم معـارك الالتـحام |
وأطلتم في النقضِ والإبرام |
|
صرح المخـض عن جناه فبانت |
طلـعة الحـق في فمٍ بسامِ |
|
فجواب من الشريفي شـريف |
وسواه فمـن فضول الكلام |
فأنكروا عليه ذلك ، وقال أحدهم :
قد أبان العظيم في الحكم جوراً ليري الـناس عثـرة الحكام
لكن الشريفي ثار لذلك ، والتفت إلى
الشيخ الربيعي قائلاً :
|
إنه غيظ حيـن أبـديت رأيـاً |
أحسـنت صقله يـد الإلهام |
|
راح يهجوك حين قصّـر باعا |
مثل رامٍ شمسَ الضحى بسِهامِ |
|
ولقـد قـيل فـي المقال قديماً |
تكـره العين كل سامي المقامِ |
لكن ذلك لم يُجدِ ، فقد واصل آخرون
الإنكار على الربيعي تبرعه بالحكم فقال أحدهم :
أرأيت الجواد يكبو عن القصد وينـبو بالضرب حد الحسامِ
يرسل
الحكمَ قبل أن يعرف الحق ويـبدي جـراءة المـقـدامِ
لكن زميله يلتفت إليه كما لو كان
معتذراً عن الشيخ الربيعي اعتذاراً يستبطن اتهامه بفقدانه
القدرة النقدية ، والتمييز بين الجيد والرديء فيقول :
خدعته
ظواهر اللفـظ تنمـيقاً فصـدّته عن بلـوغ المـرامِ
ورأى البرقَ قد علا
جانب الوادي فظـن السحاب غير جـهام
فردّ هذا اعتذاره بأنه تقدم للحكم دون
أن ينتخب لذلك ، واختار إجابة واضحة العيوب ، ويمضي معدّداً ما
في إجابة الشريفي من قولِ زور فقال :
|
ومـن اخـتاره ليحكم بالجور |
ويــدلي بـرأيـه للأنـام |
|
إنه يرتـضي جواب الشريـفي |
وهـل كان غير زور الكلام |
|
وصم الحبّ وصمة تخجل الحب |
ويـندى لـها جبـين الغرام |
|
قد عرفنا الغرام يشرق في النفس |
فيسـمو بـها لأعلى مـقام |
|
وعرفـنا الغرام سراً من القدس |
نزيهاً عن ساحـة الآثــام |
|
وعـرفنا الغـرام وحياً إلـهياً |
ينـير النفـوس بعـد الظلام |
|
يفخر العاشقون في عفة النفس |
ويستعـذبون مـرّ الـهيام |
|
ويريدون في الهوى لـذّة الروح |
ويـأبـون لـذة الأجـسام |
|
وتـراه يصـور الحب شيـئاً |
عابـثاً بالقلـوب والأحلام |
|
ثـم يخـتاره الربيـعي رأيـاً |
مبـدياً حكـمه بلا استعظام |
ويتأثر الربيعي من ذلك فيقول مهدداً :
|
لست أخشى إذا بدا الحق عندي |
يا عذولي إظهاره في كلامي |
|
أتراني أكون شيطانها الأخـرس |
آلـف السكوت والإفحام |
|
هـو رأيي بـه تعبـدنـي الله |
فقـولوا ما شئتم في
ملامي |
|
علـم الله أننــي لا أحابـي |
وإذن مـا لعتبكـم من مقام |
|
لا تهيجوا عواطفي واتركوا زند |
شعوري لا يصلكم بضـرام |
وهنا تثور ثائرة صديقه العلامة الشيخ
أحمد الطرفي (رحمه الله) ، وكان من أظرف الناس ، وأطيبهم قلباً
، وأحبهم للدعابة ، وأكثرهم احتمالاً لها ، مع عفاف وخلق ودين
، فيقتحم الميدان مناضلاً عن صديقه الربيعي ، موافقاً له في
الرأي ، فيقول -وشعره يتقد غضباً-:
|
ذهب الحق والحياء مـن الناس |
فـلا مُسـعدٌ له أو محامي |
|
وعفت سنّة الـوفاء وضـاعت |
في أباطيـلهم صفات الكرام |
|
ويريـدون هـدم مـا أسس |
العـدل عنـاداً بمعولٍ هدام |
|
وإذا ناصـر الحقيـقة فــردٌ |
قابلـوه حربـاً بجيش لهام |
|
فيغـطون وجهـها بنــقاب |
من سخيف الأهواء والأوهام |
|
ويصرّون منكرين كأن الشمس |
تخـفى أنـوارها فـي لثام |
|
وإذا غـار للـوفاء غيــور |
وخـزته أسـنة الأقــلام |
|
وإذا رام أن يقــول بـحقٍ |
ألجـموه ظلـماً بألف لجام |
|
غـرّكم أن رأيتـمونا سكتـنا |
فجـرأتم على اللقا والصدام |
|
إن أسـد العرين غيـر رقـود |
وحـماة الذمـار غيـر نيام |
|
فاحـذروا إن عقلـتم غضـبة |
الحق وخافـوا مغـبة الإقدام |
تنتهي ثورته ، فيلتفت أحد الحاضرين
قائلاً بدعابة قاسية تجاري ما عرف به الشيخ الطرفي (رحمه الله)
من ظرف ، وبها نعرف مدى التسامح في المجالس الاخوانية فقال :
|
قد عذرنا الأديب يصدر حكماً |
بيـن أهل النبـوغ والأفهام |
|
ما الذي أبرز الهجان إلى السبق |
عـراة العـقولِ والأجـسام |
|
صهلت كالجياد في أول الشوط |
وأبـدت نهيـقها في الخـتام |
ويكثر الشغب بين الحاضرين وتثور ثائرة
المعترضين ، وتتعالى الأصوات بين مفند ومنتصر ، فيوجه أحدهم
عتابه إلى الجميع ، منبهاً إلى ما بلغت بهم الخصومة من تسامح
واعتداء فقال :
|
قـد تجاوزتم حـدود النـظام |
ونقضـتم قواعـد الاحترام |
|
احفـظوا للأديب حريـة الرأي |
وصونـوا لـه جمـيل المقام |
|
ليس حكماً ما قاله إنـه الرأي |
وهل في إبـدائه مـن ملام |
يقتنع الجميع بقوله ، ويعم الهدوء ،
وبعد فترة قصيرة ، يقوم أحدهم مفتتحاً جلسة التحكيم ، وطرح
أسماء المرشحين فيقول :
|
قـادة الفـن والنبوغ السامي |
قـد أتيـتم بمعجزات عظام |
|
وأبنتم وجـه الحقيقة كالصبح |
تجـلى عنه سـتار الظـلام |
|
لمـحات مـن عالم النور تبدو |
في قـواف مسبوكة بنـظام |
|
حكم قد تنزلت كنزول الوحي |
مـن سـر عالـم الإلـهام |
|
غيـر أن اختلافكم أبهم الأمر |
وأخـفاه عن ذوي الأفـهام |
|
أفترضـون بابن يعقوب فصلاً |
نافـذاً رأيـه بهـذا الخصام |
(وابن يعقوب هو العلامة الخطيب المعروف
الشيخ محمد علي اليعقوبي -رحمه الله-) .
فينبري أحدهم مؤيداً بالقول :
أنا في
الحكم قد رضيـت علياً فهـو في الحكم سيد الحكام
ويتلوه ثان كذلك قائلاً :
عـدل
كسـرى ممـثل بعلي حيـن يعلو منـصة الأحكام
ومثلهم الثالث فقد قال :
قد رضيت الشيخ الكبير أبا
موسى لإعـطاء حكـمه في كلامي
ويرفع رابع صوته مؤيداً قائلاً :
صـرح
المصطـفى بـأن علياً هـو والحـق لم يزل في وئام
وخامس يقول معللاً تأييده لهذا الاختيار ، ومعرّضاً بالقول
للربيعي في اختياره السابق قائلاً :
|
قد رضيـناه للحكومة شيـخاً |
لا فتـياً يصـبو لدين الغرام |
|
وتجنبت حكـم كـل دخـيل |
يحسب الحق من فضول الكلام |
وسادس أيضاً قائلاً :
|
لعلـيّ تلقى المقاليد في الحكم |
وهـل فوق حكمه من مرام |
|
ولقـد قال سيد الرسل (أقضا |
كـم علي) في شرعه الإسلام |
وسابع :
أن
مـثل (العلـي) يجدر فيه أن يولى القضاء عند الخصام
وثامن : يصحب تأييده بغمزة جميلة ، فيقول :
لست
أبغي غير
تحكيم أبي
موسى فقـدماً قـضى لأهل الشام
ارتضـيه وإن تـنازل مخدوعاً لعـمرو ولم يَـمل للإمـامِ
لكن أجد الحاضرين يخالفهم في اختياره وقافيته ، فيقول :
أنـا
لا أرتـضي المحـكم إلا جعـفرياً لأننـي جعـفري
والمقصود بالجعفري الأستاذ صالح
الجعفري (رحمه الله) .
فرَد أحدهم جعله الاسم مدعاة لاختيار
المسمى قائلاً :
إن يك
الاسم مرشداً للمسمى إن هـذا (محـمد وعلـي)
ويعلل أحدهم اعتراض هذا الشخص على اختيار الشيخ اليعقوبي
واختياره الجعفري مكانه بهذا التعليل البالغ الطرافة قائلاً :
وهم
الشيخ إذ دعو