|
ثانيا :- دروسهُ في الأخلاق
قال بعضهم : إن شيخنا (رحمه الله) كان فيلسوفاً أخلاقياً ، وقـد مر أن
في أساتذته (رحمهم الله) من كان معروفاً بذلك نظرياً وعملياً ، كالشيخ
الاصفهاني ، والسيد البادكوبي ، والشيخ علي محمد البروجردي (رحمهم
الله).
ومن يقرب من الشيخ (رحمه الله) ، ويرى
صورة تعامله مع شؤون الدنيا المختلفة -سلباً وإيجاباً- فيما يتصل بنفسه
أو بالآخرين ... المواقع . الناس . الأحوال المتقلبة . الصحة . المرض .
الشدة . الفرج . الحياة . الموت . يكاد يجده فيما يظهر له -على الأقل-
في حالة واحدة . مما يعسر أن تكون إلاّ لدى المتعاملين -في جميع ذلك-
مع ذات واحدة هي ذات الخالق -سبحانه-، وإلا لدى من وعي الخلفيات والأسس
في المقادير ، وتعامل معها برؤيـة الآباء من أهل الحكمة ، والا لدى من
راض نفسه حتى ملك انفعالاتها ، وردود أفعالها .
إن التواضع والحب والرأفة والصبر والرضا وغير ذلك من الصفات الفاضلة ،
كانت من أخلاقه النفسية التي أصبحت لديه -بطول المجاهدة- ملكات ، بل
سجايا هي بعض مقومات شخصيته التي لا تنفك ، ومن الطبيعي بعد ذلك ان
تنسجم معها أخلاقه العملية -كآثار-، وأن لا يحـتاج في شيء من ذلك إلى
معايير وحسابات .
ذلك أمر مشهود لكثير ممن عرف شيخنا على قرب ، وبها وُصِفَ شاباً من قبل
من كتب عنه على ما بينهم من اختلاف .
فاقرأ ما قاله الشيخ أغا بزرك (رحمه الله) من جهة ، والأستاذ الشيخ علي
الخاقاني من جهة أخرى ، ولقد رايته -وأشهد الله- في مصيبتين كبيرتين
تلقاهما فبدا لي مع ما يعانيه من مرض قرحة (المعدة) ، لفرط ما رأيت من
حالٍ هادئ مطمئن ، كما لو كان قاسياً لا راضياً ، وهي نظرة قصيرة
قطعاً..
ثم قربت منه بعد ذلك أكثر مما كان ، وأطلت مجالسته ، فإذا هو من أرق
الناس حسّاً ، وأكرمهم أخلاقاً ، وأحسنهم تعاملاً مع الله وخلقه .
وقد قدّمنا بعض ثُنائياتٍ له من ديوانه (أمالي الحياة) ، وهو من نتاج
مرحلة شبابه (ذكره أغا بزرك في ترجمته) ، وهي تعكس آراءه قبل أكثر من
خمسين عاماً ، ونظراته الأخلاقية التي هي رشح ما هو عليه بالفعل خلقاً
نفسياً وعملياً .
وكان لهذا الجانب الأخلاقي من شخصية الشيخ (رحمه الله) أثره البالغ في
طلاّبه وعارفيه ، بل هو الجانب الأكثر أثراً في نفوس عارفيه من أي
جانبٍ آخر ذكرناه من جوانب مؤهلاته وملكاته ، على ما لتلك الجوانب من
أهمية عظيمة ، لا لشيء إلاّ لأنه الجانب الذي يبدو للناس أنه أقل
وجوداً أو بروزاً لدى قياس علماء الدين ، بما عرف عن الرسول (ص)
وأوصيائه المعصومين (ع) ، في واقع تعاملهم مع الناس .
إن الناس بحاجة
أن تشم في رموز الدين رائحة آل محمد (ع) يريدونهم آباء قبل أن يكونوا
زعماء ، وقدوات بالمثل قبل أن يكونوا بالتعليم .
كنت في ديوان الشيخ (رحمه الله) يوماً
، وبقربي شابّ حوزوي نابه من أسرة علمية معروفة ، وحين جاء الشيخ (رحمه
الله) ، ورأى تواضعه وبساطته وعفوية تعامله ، ونسيانه لنفسه ، وللمظاهر
التي يفرضها عادة مقامه ، قال :
(هذا ما نفقدهُ . هذا ما نريدهُ) .
لا نعني بهذا الحديث التأشير سلباً لأحد في ذلك ، ففي المراجع الآخرين
(حفظهم الله) من هو مثل وقدوة ، لكنا أردنا فقط التنبيه إلى بروز هذا
في مكونات شخصية شيخنا (رحمه الله) .
وقد لا يعلم الكثيرون أنه كان لشيخنا (رحمه الله)
درس في الأخلاق حضره عدد من فضلاء طلاب الحوزة ، ولا أدري ما إذا كان
هذا الدرس هو الأساس وراء كتابه (الأخلاق عند الإمام الصادق (ع)) ،
الذي صدر لأول مرة في سلسلة حديث الشهر التي يصدرها الأستاذ عبد الأمير
السبيتي في السبعينات من التاريخ الهجري ، لعله في سنة 1372 ، أم كان
الكتاب هو الأساس وراء الدرس ، ولكن المؤكد أن توجّه الشيخ (رحمه الله)
هو ما كان وراء الاثنين .
وإذا كنا والقراء لم نسعد بحضور هذه الدروس التي
فاتنا بها أثر شخصيته وأنفاسه ، فإننا نستطيع أن نتلمس ذلك في رشحات
قلمه ، وجمال بيانه ، بتقديم بعض هذه الدروس في الآتي :
|