|
رابعا :- خطبـــه
كان شيخنا (رحمه الله) خطيباً بارعاً ،
امتلك أدوات الخطابة وشروطها المختلفة في الأسلوب والمضمون . واعياً
لأسباب التأثير النفسي في اللغة والصوت والمعنى . بارعاً في شدّ انتباه
سامعيه إليه بالمناداة مرة وبالاستفهام -مقرراً أو منكراً- أخرى ،
وبالتعجب ثالثة .
وشيخنا (رحمه الله) يحرص في أكثر خطبه
-كما ينبغي- على ان تكون الفواصل بين الجمل قصيرة متلاحقة ، لتكون أجمل
إيقاعا ، وأعظم وقعاً ، ويكثر أحيانا- من غير تكلف من السجع والمحسنّات
البديعية الأخرى ، وعلى أن يخاطب القلوب والمشاعر ، ويحرك العواطف من
حيث منشئها في الأصل ، مؤكداً على عنصري الترغيب والترهيب .
وهو يعطي للتوحيد في افتتاحيات خطبه
حيزاً مهماً ، وبأعلى ما يعبر عن معناه ، مقتبساً -من خطب الإمام علي
(ع) في النّهج- النص عينه أحياناً ومعناه أحياناً أخرى ، ومغنياً خطبه
بالآيات الكريمة ، وأحاديث المعصومين (ع) ، وحكمهم ، أو ببعض الفقرات
من أدعيتهم المتصلة بموضوعه ، وبروائع الشعر العربي كذلك .
وكثيراً ما يختم خطبه بالصلاة على
الرسول الكريم (ص) ، وأوصيائه الاثنى عشر (ع) والزهراء واحداً بعد
الآخر ، واصفاً كل واحد منهم بما يعبر عن مقامهم سماوياً وأرضياً بأروع
ما يعبر عنها ، وهو يعطي بذلك معرفة مضافة لمستمعيه بمعنى الولاية لهم
(عليهم السلام) .
وقد أطلعني العلامة الجليل الشيخ ضياء
الدين نجل شيخنا (رحمه الله) على مجموعة كبيرة من خطبه في الجمعات ،
وفي المناسبات المختلفة .. ربما تجاوز -لو طبعت- جزءين كبيرين .
واني لأرى -بقناعة- أنها تشكل ثروة
كبيرة من الناحية الأدبية والدينية، فعدا الجانب الأدبي المتميز لدى
الشيخ (رحمه الله) فانه جمع فيها من فرائد الأفكار والحكم والعظات
فأوعى ، وبما لا مزيد عليه .
ولكي نلمّ بقيمة هذه الخطب أسلوباً
ومضموناً ، ولكي نبرز ضّمها هنا كجزء من الدروس اللامنهجية العامة
لشيخنا (رحمه الله) في المرحلة الثانية من تأريخه في خدمة الإسلام
والأمة ، ولإفادة قارئ هذه الترجمة نسوق هنا ثلاثة نماذج من هذه الخطب
المباركة التي نتمنى أن تطبع كاملة في أقرب فرصة .
قال (رحمه الله) :
بسم الله الرحـمن الرحيمْ
الحمد لله الذي علا فاستعلى ، وكان
بالمنظر الأعلى ، قرب فدنا وعلم السّرّ وأخفى ، وليّ التدبير وبيده
ملاك المقادير ، لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ،
لا يخيب من سأله ، ولا يعز عليه ما فعله ، أنيس المنفردين ، وظهر
المنقطعين ، ومال المقلّين ، وقوة المستضعفين ، وكيل الفقراء ، وموضع
شكوى الغرباء ، ذو الجود العميم ، ومحيي العظام الرميم :
)اللَّهُ
الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ
بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
مِّنْهُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ .(
.
احمده على إحسانه الكثير ، وخيرة
الغزير ، وتكليفه اليسير ، ودفعه العسير .
وأحمده على تثميره قليل الشطر ،
وإعطائه وافر الأجر ، وحطه مثقل الوزر ، وقبوله ضيق العذر ، وأساله
التوفيق لما ندبني إليه ، والعصمة عما حذرني منه ، والفوز فيما دعاني
له .
وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك
له في كمال ، ولا شبه له في صفة ، ولا ند له في ملك ، ولا وزير له في
خلق ، ولا ظهير له في
تدبير ، وهو العلي الكبير ، وهو على كل
شيء قدير .
واشهد أن محمداً (ص) عبده الذي أرسله
هادياً لعباده ، ونوره الذي أضاء في بلاده ، المحمود في المقربين ،
والمأخوذ ميثاقه على جميع النبيين ، صلى الله عليه وآله المطهرين ،
صلاة ترفعهم إلى أعلى عليين .
أيها الناس ؛ اتقوا الله الذي يعلم
سركم وجهركم ، ويعلم متقلبكم ومثواكم ، وأكثروا من الاستغفار ، فإن
الله -عز وجل- لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم .
واعلموا أنه لا يتقي العبد حتى يخزن
لسانه ، وقد ورد عن النبي (ص) : (أكثر خطايا ابن آدم في لسانه ، ومن
خزن لسانه ستر الله عورته ، ومن كفّ غضبه كف الله عنه عذابه ، ومن
اعتذر إلى الله -عز وجل- قبِل عذره ، وتجاوز عنه) .
وعنه (ص) : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة
لا يدري أنها بلغت منه حيث بلغت فيوجب الله بها سخطه إلى يوم القيامة ،
وان أحدكم ليتكلم بالكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها أهل المجلس فيهوي
بها العبد مما بين السماء والأرض ، وأنه ليزل عن لسانه أكثر مما يزلّ
عن قدمه) .
وعنه (ص) : (لا يستقيم إيمان عبد حتى
يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، ولا يدخل الجنة رجل
لا يأمن جاره بوائقه) .
أيها الناس ؛ إن اللسان من أجلّ نعم
الله (تعالى) على الإنسان ، إذ به يتميز على سائر أنواع الحيوان ،
ولكنه واسع المجال ، رحب الميدان ، وباللسان تنالُ الدرجات الرفيعة ،
والمراتب العالية إذا وجه على وفق الحكمة ، واستخدم فيما يوجب الرحمة ،
ومن أطلق عذبة لسانه ساقه إلى شفا جرفٍ هارٍ ، إلى أن يضطره إلى دار
البوار ، ولا ينجو منه الا من يقصده بلجام الشرع ، ولا يطلقه إلا فيما
ينتفع به في الدنيا والآخرة .
وآفات هذه الجارحة كثيرة ، وآثامها
كبيرة .
فمن آفات اللسان : الكذب .
وقد ورد عن أبي جعفر (ع) قال : (ان
الله -عز وجل- جعل للشر أقفالاً ، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ،
والكذبُ شرّ من الشراب) .
قيل : وكان أمير المؤمنين (ع) يقول :
(ألا فاصدقوا ان الله مع الصادقين، وجانبوا الكذب فإنه يجانب الإيمان ،
ألا وإن الصادق على شفا منجاة وكرامة، ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة
وهلكة ، ألا وقولوا خيراً تعرفوا به، واعلموا تكونوا من أهله ، وأدوا
الأمانة إلى من أئتمنكم ، وصلوا أرحام من قطعكم ، وعودوا بالفضل على من
حرمكم) .
ومن آفات اللسان : الغيبـة .
وهي من الجرائم الموبقة ، وقد قال
-سبحانه- في كتابه :
)يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ
بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا
يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ .(
.
وعن النبي (ص) : أنه قال : (يا أبا ذر
إياك والغيبة ، فان الغيبة اشد من الزنا ، قلت : ولم ذاك يا رسول الله
؟ ، قال : لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه ، والغيبة لا
تغفر حتى يغفرها صاحبها .
يا أبا ذر ، سباب المسلم فسـوق ،
وقتاله كفر ، وأكل لحمه من معاصي الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، قلت :
يا رسول الله ؛ وما الغيبة ؟، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قلت : يا
رسـول الله ؛ فان كان فيه الذي يذكر به ؟ ، قال (ص) : اعلم أنك إذا
ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته ، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه) .
ومن آفات اللسان : البهتان .
فعن أبي عبد الله (ع) : ( من بهت
مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال
، قلت : وما طينة خبال ؟ ، قال : صديد يخرج من فروج المومسات) .
ومن آفات اللسان : النميمة .
فعن النبي محمد (ص) : (يا أبا ذر لا
يدخل الجنة القتّات ، قلت يارسول الله ؛ وما القتّات ؟ ، قال : النمام
.
يا أبا ذر ؛ صاحب النميمة لا يستريح من
عذاب الله في الآخرة .
يا أبا ذر ؛ من كان ذا وجهين ولسانين
في الدنيا ، فهو ذو وجهين في النار .
يا أبا ذر ؛ المجالس بالأمانة ،
وإفشاؤك سرّ أخيك خيانة ، فاجتنب ذلك واجتنب مجلس العثرة) .
وعنه (ص) :
)ألا أنبئكم بشراركم ؟
، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين
الأحبة ، الباغون للبرءآء
المعائب) .
أيها الناس ؛ طوبى لمن فكر في الكلمة
قبل أن يطلقها ، ونظر في عاقبتها قبل ان يرسلها .
طوبى لمن ختم على لسانه قبل يوم يختم
فيه على الأفواه ، وتشهد عليه الجوارح بما ارتكبت ، وتشهد الأيدي
والأرجل بما اكتسبت .طوبى لمن اشتغل بالبحث في عيوب نفسه ليصلحها عن
عيوب غيره ليفضحها .
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ويعمى عن
العيب الذي هو فيه
وما خير من تَخفى عليه عيـوبه
ويبدو له العيب الذي بأخيـه
الله . الله -أيها المؤمنون-؛ فان كل
كلمة يقولها ابن آدم عليه مدونة ، ولابد ان يجد عاقبتها سيئة أو حسنة ،
وان الموقف عسير ، والحساب دقيق ، والحكم فصل ، والجزاء عدل ، عصمنا
الله وإياكم عن تتبعّ الزلات ، ونبّهنا عن اتباع المضلات ، وكفانا شرور
أنفسنا ، ووفقنا لما يصلحنا ، إنه ارحم الراحمين .
بسم الله الرحمن الرحيم
)وَيْلٌ
لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ .
يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي
الْحُطَمَةِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ . نَارُ اللَّهِ
الْمُوقَدَةُ . الَّتِي
تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ .
إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ .(
.
وقال رحمه الله
"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله القريب من خلقه، فلا تخفى
عليه همامة نفس، ولا خالجة فكر، ولا خاطرة قلب، ولا اختلاجة عضو، ولا
طرفة عين، ولا حركة متحّرك، ولا سكون ساكن، البعيد عنهم فلا يحيط به
فهم، ولا يسمو إليه وهم، ولا تحده بصيرة ولا يدركه بصر ولا تناله صفة،
ولا تبلغ كنهه معرفة، قصرت العقول ان تعرف مدى كبريائه، وحصرت الألسن
أن تدرك الغاية من ثنائه، وانقطع العادّون أن يحصوا متواتر آلائه،
ومتظاهر نعمائه.
أحمده لما نفذ فيه علمه، وأشكره لما
تجاوز عنه حلمه، واستمدّ منه التوفيق وأساله من كل فضل هو به حقيق،
وأشهد أن لا إله إلا هو ( الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم
استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من
السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له
ملك السماوات والأرض والى الله ترجع الأمور، يولج الليل في النهار
ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور).
واشهد ان محمداً (ص) عبده وصفوته
ورسوله وخيرته خير من قام له بعهده وأفضل من حباه برفده، صلى الله عليه
وآله التامّين في محبة الله ، المخلصين في توحيد الله.
يا أيها الناس ( إن وعد الله حق فلا
تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور، ان الشيطان لكم عدوّ
فاتخذوه عدوّا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.. الذين كفروا
لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر كبير.).
فاتقوا الله الذي بيدهِ محياكم، وبأمره
مماتكم، واليه معادكم واحذروه فقد حذّركم، واخضعوا لما أمركم فإنه لا
نجاة إلا بالطاعة، ولا ربح إلا بهذه البضاعة.
أيها الناس من خاف الناس لسانه فهو من
أهل النار، ومن كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه أعقبه الله يوم القيامة
أمناً وإيمانا يجد طعمه، ألا وان شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شره.
وشر الناس من باع آخرته بدنيا غيره، وان لكل ذنب توبة إلاّ سوء الخلق
فان صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب، وقد جعل الله (سبحانه) مكارم
الأخلاق صلة بينه وبين عباده، فحسب أحدكم ان يتمسك بخلق متصل بالله،
جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم، وتعرضوا لرحمة الله بما أمركم من طاعته،
تواضعوا، ولا يتكبرن أحد على أحد، فان يد الله –سبحانه- على الجميع.
أيها الناس، حرام على كل قلب يحب
الدنيا أن يفارقه الطمع، وحرام على كل قلب مُتولهٍ بالشهوات أن يسكنه
الورع، ألا وأن حب الإطراء والثناء يعمي ويصمّ عن الدين، ويدع الديار
بلاقع، فويل لبائع الآخرة بالدنيا، وإن خيركم من أعانه الله على نفسه
فملكها، وعرف سرعة رحلته فتزود لها، خيركم من جعل كل همه للآخرة، وكل
سعيه لها، خيركم من ذكرتكم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ودعاكم
إلى الخير علمه، خيركم المبرؤون من العيوب، المتنـزهون عن المعاصي
والذنوب.
عباد الله، إن دين الله وحدة متداخلة
لا تتفكك ولا تتجزأ، فمن اتبع دين الله فليأخذ بجميع تعاليمه، ومن ترك
منها شيئاً فقد خرج من حضيرة الدين وجزّأ وحدته، شرائع الإسلام متحدة،
وأحكامه مشتبكة، فليس لأحد أن ينقي بعض قواعده فيتبع ، ويختار في بعضها
ما يشاء له الهوى فيخالف، إن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة، من أخذ
بها لحق، ومن تركها مرق، ومن فارقها محق، ليس المسلم بالخائن إذا
أؤتمن، ولا بالمخالف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق، وانّ الشيطان عدو
ماثل يضع لكم الحبائل، وينصب لكم الغوائل، ليخرج بكم عن هذه الحظيرة،
ويهبط بكم عن هذه المنزلة الخطيرة، بأمانيه الكاذبة وطرائقه الخادعة،
فاحذروه واتقوا الله فيما أنتم عنه مسؤولون، واليه تصيرون، فان الله
(تعالى) يقول: كل نفس بما كسبت رهينة)
ويقول: (ويحذركم الله نفسه والى الله المصير)
ويقول (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) إنكم مسؤولون عن
الصغير والكبير، مجزيون على النقير والقطمير، إلا وإن أقرب الأهوال
منكم الموت فاحذروا سكرته وأعدّوا له عّدته .
فان استطعتم ان تجزعوا لأجسادكم
وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحب الله
واتركوا ما كره الله.
عباد الله، إن بعد البعث ما هو أشدّ من
القبر، يومٌ يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، ويسقط فيه الجنين،
وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم عبوس قمطرير، يوم شرّه مستطير، إن فزع
ذلك اليوم ليرعب الملائكة الذين لا ذنب لهم وترعد منه السبع الشداد،
والجبال الأوتاد، والأرض المهاد، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية يومئذ
تعرضون لا تخفى منكم خافية، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم
اقرؤوا كتابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية وأما من أوتي كتابه
بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت
القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه.
جعلنا الله وإياكم ممن يؤتى كتابه
بيمينه ووفقنا للاهتداء بمناهج دينه وملا قلوبنا بأنوار يقينه إنه أرحم
الراحمين.
"بسم الله الرحمن الرحيم"
(ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا
سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين. لتَرَونّ
الجحيم. ثم لترونها عين اليقين. ثم لتُسألنّ يومئذ عن النعيم).
وقال رحمه الله في إحدى خطبه:
"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله الموصوف بغير كنه، المعروف
بغير شبه، متمّ النعمة، ومرسل الرحمة جاعل النور والظلمة، الذي يَرى
ولا يُرى، وهو بالمنظر الأعلى. والذي إليه الرجعى وله الممات والمحيا.
وله الآخرة والأولى، والذي هو أضحك وأبكى والذي خلق الزوجين الذكر
والأنثى من نطفة إذا تمنى، والذي عليه النشأة الأخرى، والذي هو أغنى
وأقنى، وهو ربّ الشعرى، مبيد القرون، وداكّ الحصون، وهو الله في
السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم، ويعلم ما تكسبون. أنزّهه عن المثيل،
وأسترشده إلى خير سبيل، وأشهد ان لا اله إلا هو، لا ينازع في ملكوت،
ولا يدافع في جبروت، ولا يضارع في كمال، ولا يقايس في جلال.
وأشهد ان محمداً (ص) عبده المصطفى
لأعظم أماناته، المنتقى لختام رسالاته صلى الله عليه وآله الطاهرين
صلاة تبلغ بهم أرفع درجات المقرّبين.
أيها المؤمنون، اتقوا الله الذي يعلم
السرّ وأخفى، تبلغوا بها الدرجات العلى، وأجيبوه إلى ما دعا، واحذروا
عما عنه نهى، فان العاقبة منوطة بالطاعة، وان الجزاء كفاء للعمل، اتقوا
الله فان الجنة أزلفت للمتقين، واحذروا فان جهنم أعدت للغاوين.
في الأثر، عن جابر بن يزيد الجعفي قال:
خدمت سيد الأنام أبا جعفر محمد بن علي (ع) ثماني عشرة سنة، فلما أردت
الخروج وودعته فقلت له: أفدني، فقال (ع): بعد ثماني عشرة سنة يا جابر؟،
قلت: نعم إنكم بحر لا ينـزف منّه ولا يبلغ قعره.
قال: يا جابر . (بلغّ شيعتي عني السلام
وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل، ولا يتقرب إله إلا
بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم
ينفعه حبنا. يا جابر من هذا الذي سأل الله فلم يعطه؟ أو توكّل عليه فلم
يكفه؟ أو وثق به فلم ينجه؟ يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته وأنت
تريد التحول عنه وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت
على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبأ بها، أو كثوب لبسته أو كجارية
وطأتها، يا جابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال، لا اله إلا الله
إعزاز لأهل دعوته، الصلاة بيت الإخلاص وتنـزيه عن الكبر، والزكاة تزيد
في الرزق، والصيام والحج تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء،
وحبنا – أهل البيت- نظام الدين).
إيـهٍ يا نفس، ما أغناك بكتاب الله عن
جميع المواعظ، وما أكفاك بربّ العزة عن أي متكلم ولافظ، لقد أنكشف
المستور واستبان المحذور أما آن لك أن تضعي حداً لهذا الغرور، أما آن
لك أن تخضعي لبارئك بالإنابة، فعسى تحضين من لطفه بالإجابة، أفيقي فقد
أوشك الستار أن يرفع، وكاد الحبل المتصل أن يقطع، فالحذار الحذار،
والتوبة التوبة، فقد أسرفت في الحوبة.
|
كنت في سفرة الغواية والجهـ |
ـل مقيماً فحان منـي قـدوم |
|
بعـد خمس وأربعين لقد ما |
طـلت لـولا ان الغـريم كريم |
|
تبت عن كل مأثم عسى يمـ |
ــحي بهذا الحديث ذاك القديم |
قال بعض العلماء: إن الأغلال لم تجعل
في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الربّ، ولكن إذا طفا بهم اللهب
أرسيتهم الأغلال في النار، ثم خر مغشياً عليه، ثم قال – ودموعه تنحدر:
يا بن آدم نفسك نفسك، فإنما هي نفس واحدة إن نجت نجوتَ وان هلكت لم
ينفعك من نجا. كل نعيم دون الجنة حقير وكل بلاء دون النار يسير.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا
وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في امرنا،
وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم فكما خصصتنا بدينك القويم،
وهديتنا صراطك المستقيم، فاجعلنا اللهم من حملة كتابك الكريم، وأشياع
نبيك العظيم، اللهم اجعلنا ممن اقتفى سيرته واتبع سنته، والتزم عترته
اللّهم شرف بنيانه، وعظم برهانه، وافلح حجته، وارفع درجته، اللهم فكما
اصطفيته وآله الطاهرين من جميع برياتك فاصطف لهم أزكى الزكيات من
تحياتك واشرف الشرائف من صلواتك.
اللهم صل وسلم على المصطفى بين البرية
طفلاً، وخيرها شاباً وكهلاً، واطهر المطهَّرين شيمة، وأجود المستمطرين
ديمة، الذي أقمت به الرسالات وأوضحت به الدلالات خير من قام بأمر الله،
وسيد من وفى بعهد الله أبى القاسم محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه
وآله).اللهم صل وسلم على آية الله الباهرة ومعجزة الله القاهرة، يعسوب
الدين، وعصمة المتقين والمتصدق في صلواته بخاتمه على المسكين. أبي
الحسنين علي أمير المؤمنين (ع).
اللهم صلّ وسلم على لؤلؤة تاج الكمال،
وواسطة عقد الشرف والجلال، أكرم الخلق أباً، وخيرهم إذ ينسبون نسباً،
ام الأئمة النجباء سيدتنا
فاطمة الزهراء (ع).
اللهم صل وسلم على لساني الحكمة،
وريحانتي نبيّ الرحمة، اللذين لم تدّنسهما الجاهلية الجهلاء، ولم تشرك
فيهما فتن الأهواء، السيدين الزكيين. أبي محمد الحسن، وابي عبد الله
الحسين (عليهما السلام).
اللهم صلّ وسلم على أمين الله وابي
أمنائه وخليفته وأبي خلفائه، مصباح العالمين وخازن وصايا المرسلين، أبي
محمد علي بن الحسين زين العابدين (ع).
اللهم صلّ وسلم على الإمام الرشيد،
والقصر المشيد كاشف الكُرب ورفيع الرُتَب، الفلك الدائر بالفضائل
والمآثر، أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر (ع).
اللهم صلّ وسلم على الكتاب المبين
والحق المستبين وزعيم الصالحين أمين الله على الحقائق وشهيده على
الخلائق أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع).
اللهم صلّ وسلم على سيد البرية،
والموفيّ لله بحقوق العبودية، مطعم الطعام على حبه، والصابر على الأذى
في جنبه، الإمام العالم أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم (ع).
اللهم صلّ وسلم على الصادق الذي أوجب
الله الكون معه، والهادي الذي فاز من اتبعه نور الهدى، والمنقذ من
الردى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع).
اللهم صلّ وسلم على الموفي بعهد الله
وذمته والخازن لأسراره وحكمته، بركة الله في البلاد، وأمانة الله في
رقاب العباد، أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد (ع) .
اللهم صلّ وسلم على المُطهرين اللّذين
لم يعثرا في مشكل، ولم يهفوا في معضل، الدليلين اللّذين أقام الله بهما
الحجة، وسد بهما الفرجة إمامي كل عدوّ وولي، أبي الحسن علي بن محمد،
وأبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).
اللهم صلّ وسلم على حافظ أسرار ربّ
العالمين وبقية الله من الصفوة المنتجبين، فاتق كل رتق ومحقق كل حق،
والشافع الذي لا ينازع، والولي الذي لا يدافع، بهجة الزمن، ومحيي
الفروض والسنن، أبي القاسم الحجة المنتظر محمد بن الحسن (عليهما
السلام) .
اللهم اظهر كلمته واعلِ دعوته وأتم
نوره وعجل ظهورهُ وأعزّ به أولياءك واكبت بسيفه أعداءك اللهم بلّغه
آماله في خاضته وعامته واجعلنا من أهل طاعته.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات واشفِ
غيظ صدورهم، واجمع منتشر أمورهم وأصلح فاسدهم، وانصر مجاهدهم، ولقهم
خير الدنيا، وارزقهم رضوانك في الأخرى إنك ذو رحمة واسعة وفضل عظيم.
"بسم الله الرحمن الرحيم"
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون).
|