|
من سقطات التاريخ
وددت لو تتاح لي الفرصة فأجيب التاريخ عن سقطاته، ومن لي بهذه الأمنية
ولو وهبت تعمير السابقين وجلد المجاهدين؟.
قلت قبل عام في مثل هذا الحفل: التاريخ مصور شكلي يحفل بالأشكال
الظاهرة، ويصور الهيئات البارزة وقد يكون دقيقاً جداً فيصور الألوان
ويرسم الحركات، ولكنه لا يتغلغل إلى الألباب ولا ينفذ إلى الأعماق.
ولو اجتيحت لي الفرصة وحاسبت التاريخ لقلت :
ان التاريخ مصور مراء يمسخ الحقائق، ويشوه الصور حتى في الأشكال
البارزة، والمعالم الظاهرة التي تلتقطها العدسة البسيطة.
ان سقطات التاريخ أكثر من ان تعدّ وتنكّره لمن يخالفه في العقيدة اظهر
من أن يخفى، وللتاريخ جلبة شديدة خلف السياسة وخلف العقيدة يستجديهما
الحوادث ويسترفدهما الوقائع.
يتنكر التاريخ حين تتنكر السياسة الزمنية، ويغضب حين تغضب العقيدة
الموروثة ويتسامح حين تتسامحان، ولو أردت ان أثبت هذه الدعوى لأقمت
عليها الف برهان وبرهان.
لو كان يزيد موفّقاً في سياسته لعرّفه التاريخ بأنه الزاهد العابد، وان
أطل من الدماء أكثر مما أطلّه أبوه فـي صفين، وان أراد ان يزلزل مركز
الدين في يوم كربلاء، وان يستأصل الوحي في مهابط الوحي.
سقطات التاريخ أكثر من ان تعد وتنكره لمن يخالفه اظهر من ان يخفى
وحسبنا هنا ان نذكر شاهداً واحداً يتصل بالموضوع.
يقول التاريخ: لما أراد الحسن (ع) ان يسالم معاوية زجره الحسين (ع)
واشتد عليه في هذه الفكرة، وقال له -فيما قال-: أعيذك بالله أن تسيء
أباك وهو في قبره فغضب الحسن وقال: علمت انك تقول هذا، ولقد وددت أن
أصيرك في بيت ثم أطيّنه عليك حتى افعل ما أنا فاعل.
يقول التاريخ هذا في الحسنين (ع) اللذين اذهب الله عنهما الرجس...
وبعد فان وجه المصلحة اظهر من ان يخفى على الحسين (ع) فيحتج على أخيه
الأكبر بهذه الشدة.
وفي وداعة الحسن (ع) وحلمه المعروف ما يمنعه عن مقابلة أخيه بهذه
الغلظة، وفي أدب السبطين (ع) ما يعصمهما عن المراشقة بفضلات الكلام
وأوساخ اللغة، وليت التاريخ نقل لنا بعض هذه الشدة من الحسن (ع) على
أصحابه الآخرين الذين اعترضوا عليه في أمر المصالحة وقالوا في كلماتهم
ما قالوا. ان الحديث كاذب دون ريب، ولكن التاريخ يقول ذلك، والمؤرخون
يصرّون على تدوين ما يقول.
وقال -رحمه الله-
حسين مني وأنا من حسين:
ما هذه الحبسة التي ملكتني أكثر من يومين، وأنا أريد أن أعدّ هذا
الحديث؟.
ما للكلمات تموت على شفتيّ حتى كدتُ أن أيأس، وأن ألقي اليراع؟.
ثم مالي أريد أن أقول: يا للبشرى، فيكتب قلمي يا للأسى، فهل أنا في حفل
مولد أم في ذكرى شهادة؟.
لا أكتمكم -أيها السادة- أني بكيت قبل أن اكتب، وبكيت بعدما كتبت، وما
أدري ما هو شأني إذا وقفت لأقرأ لكم ما كتبت؟.
ما هذه العاطفة العاصفة التي لا تفارق ذكر الحسين (ع) حتى عند
الابتسامة لميلاده؟.
وقد قال الأثر الكريم: إن الرسول (ص) بشّر في يوم ميلاده فبكى، وإنه
دخل على ابنته الصديقة (ع) ليهنئها بوليدها فبكت، وإن أهل البيت الطاهر
(ع) قد استقبلوا هذا الوليد الحبيب بالابتسامة والدموع.
.. بدموع الحزن.. نعم، وأحزان أهل البيت هي الأفراح لهم في الصميم!!.
أحزان أهل البيت (ع) هي أفراحهم الأثيرة عندهم، لأن الغايات العظمى
التي أنيطت بهم لا تتحقق إلا بهذه الأحزان.
وكان السهم الذي ينالونه من قِبَل هذا الوليد هو السهم الأوفر، ولذلك
كان الحزن بمقدمه أكبر، وعلى ذلك المقياس الخاص بهم كان فرحهم بمولده
أكبر.
|