مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

أسلوب في الحوار العلمي

قال (تعالى): (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

ومن تطبيقاتها في القرآن الكريم بلسان رسوله، قوله (تعالى): (وإنـّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين).

فساوى بينه وبينهم في احتمالي الكون على الهدى أو الضلال.. ولا أحد يتصور ان ذلك كان يقصد به الواقع. وإنما قصد به استيعاب أنانية الطرف الآخر وأخذها في الحساب لدى المخاطبة.

أما تطبيقاتها في السنة فأكثر من أن تحـصى، ان الديـن بطبيعته -كمعرفة وإيمان- لا يمكن ان يقوم على القسر، فالطريق -كما علمنا الله تعالى – هو اللغة العلمية والتفكير الهادئ ومما هو معروف أن ما يحول بين كثير من الناس وبين قبول بعض الحقائق هو التعصب.

فإذا ما تجنبنا في طرحنا ومحاوراتنا نفح الكبر في نفوسنا الذي يشعر الطرف الآخر بالتعالي عليه، وتجريحه حتى بالصورة غير المباشرة، فإنه سيكون قطعاً أكثر استعداداً للإصغاء، وأقرب إلى الموضوعية حين يوازن ليختار. وحين يشعر فوق ذلك بالإحسان والحب فان قلبه سيستجيب ممهدا الطريق لعقله لكي يفهم ويستوعب. تلك مسألة نفسية ثابتة.

قال (تعالى) لرسوله (ص) -مشيراً إلى دور أخلاقه في نجاح الدعوة- (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

ومن المفارقات المؤسفة أن يتعامل بعض أهل الدين مع الناس بجفاء وغلظة وتعالٍ لا مبرر له، مما يؤدي إلى بعد نفسي ونفرةٍ لدى البعض على الأقل..

والأمثلة في التاريخ والواقع على ذلك موفورة، وذات أرقام، ولا ينفع في مسالة كهذه التنبيه، فهي ذات صله بتكوين الإنسان نفسياً وأخلاقياً، أي أنها تنبع من داخله متأثرة بسعة وضيق صدره، وسعة وضيق افقه، وليست متعمدة ولا مقصودة لدى أصحابها.

وشيخنا – قدس الله نفسه – من الأمثلة النموذج في حسن الحوار وحكمة المخاطبة. إنه يُشعر مخاطبه- وفي أول وهله-، إن كان كبيراً في السّن أنه أمام أخ عالم واسع الأفق، مشرق النفس، كبير العقل والقلب.. وإن كان اقل سناً مما هو، أنه أمام أب عالم حكيم يمتلئ حناناً وحباً.

وأنه لفرط إيمانه ووضوح حجته صاحب رؤية لا صاحب خبر، والشواهد في تعامل شيخنا رحمه الله لدى من تعرف عليه في ذلك كثيرة، وهي قائمة في كتاباته بالمستوى الذي اشرنا إليه. لا فرق عنده في ذلك بين قريب وبعيد.

إنه من أحكم الناس في مخاطبة وحوار ومناقشة، ومن أصفاهم وارقهم في تنبيهٍ وعظةٍ، فاقرأ مثلاً -إن شئت- حواره مع الدكتور احمد أمين في (المهدي والمهدوية) فهو يبدؤه بقولهِ:

صلتي بالدكتور أحمد أمين قديمة… انه يؤشر إلى صلة سابقة ليعطي لنفسه حق السؤال والمناقشة، ويدعو له رغم انه -كما يفترض- في موضع خصومة.

وحين تقرا كتابه: (إلى الطليعة المؤمنة)، وكتابه (من أشعة القرآن) تجد شواهد كثيرة تؤكد لك أن ذلك هو أسلوب الشيخ وسلوكه الدائم، لأنه رشح أخلاقه ومعرفته.

فأقرأ هنا ما نقله لنا في ص163 من كتابه (إلى الطليعة المؤمنة) ط(1) من حوار دار بينه وبين احـد العلـماء من أتباع المـذاهب الأخرى.

قال -رحمه الله-:

(كان هذا الأخ إلى جانبي في المسجد النبوي الشريف ورآني قد افترشت مصلى من الأسل الهندي لأسجد عليه فقال لي -نضر الله وجهه-: ما بال أخي يصلي على الأسل؟ ولماذا لا يسجد على هذه؟، (وأشار إلى الطنافس التي كست ارض المسجد).

فقلت: لأنني لا أستجيز السجود على الطنافس.

فقال : وعلى أي المذاهب تقول هذا؟

(لم يقل شيخنا رحمه الله إنه على مذهب أهل البيت (ع) لأنه يعلم ان للمسألة أدلتها في المأثور لدى المذاهب الأخرى) أيضاً وقال :-

فقلت: وما شأن المذاهب هاهنا يا أخي ونحن بين يدي صاحب الرسالة (ص)؟، فلماذا لا نرجع إلى ما يقول؟.

فاستحسن كلمتي وابتسم، قال لي: وما يقول صاحب الرسالة في هذا السبيل؟.

فقلت: يقول (ص) في حديثه المستفيض أو المتواتر بين جميع علماء الحديث من المسلمين: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا).

وقد أغنى الشيخ بحث هذا الموضوع بما ذكره قبل ذلك وبعده بما لا يحتاج معه إلى مزيد، فراجعه من ص 158 – 170 من كتاب إلى الطليعة المؤمنة.

وأقرأ أيضا رسالته إلى الأستاذ عبد القادر العماوي من مصر على أثر نشره لكتابه : بعنوان (مستقبل الإسلام)، في ص 128 ال ص 130 من كتاب شيخنا السابق تجد دليلاً مضافاً في ما قلناه عن أسلوبه في الحوار. قال رحمه الله :- في رسالته وكان ذلك بتأريخ 30 حمادي الثاني 1372 هـ:

(أحييك على بعد الدار تحية المسلم الصحيح والعربي الصميم.

أقول: على بعد الدار نزولاً على حكم المسافات البعيدة التي يعدّها الناس فاصلاً بين البلاد. والمسلمون أين ما حلّوا من بقاع المعمورة والمؤمنون أخوة أشقاء مادامت العقيدة التي تملأ قلوبهم وتوجه إراداتهم عقيدة واحدة. والأعمال التي توجههم إلى الله وتقربهم منه أعمالاً واحدة، ومادامت روح القرآن تنفذ إلى قلب كل مسلم، ولغة القرآن تهيمن على لسان كل عربي، وكل مسلم.

ثم يقول له رحمه الله :-

أخي: كم يحز في نفسي وفي نفس كل غيور من أنصار الإسلام وأبناء القرآن هذا التناحر الذي نجده بين المسلمين، وبين الكتّاب المسلمين على الأخص؟. كم يحزّ في نفوسنا هذا التناحر حول هذه الأسماء التي سموها فرقاً واعتبروها مذاهب فأضاعوا بها جوهر الإسلام ولوّثوا بها قداسة القرآن؟

أليس من العجيب – أيها الأخ – أن يعمد الكاتب المسلم الذي يريد أن يساهم في خدمة الإسلام فيصوّر أخاه المسلم الذي يجتمع معه في أهم الروابط وأقواها، ويتحد معه في أكثر الأشياء التي توجب الوحدة.. أليس من العجيب ان يصور أخاه هذا بأبشع صورة ويسمه بأقبح سمة؟؟.

أليس من العجيب أن يختلق الأكاذيب اختلاقاً ليصف أخاه بأشنع الصفات، وهو لا يعلم من آراء أخيه الخاصة به شيئاً ولا يعرف من سيرتهِ قليلاً ولا كثيرا، وكل ما يعرفه عن آرائه وأقواله سخافات يتقوّلها مستشرقون وخيالات يتوهمها مغرضون.

تأمل -أيها الأستاذ- فيما لو قابله أخوه بالمثل -وبيده قلم أجرى، وبين جنبيه قلب أجرأ - فكال له بالصاع صاعاً، وكافأه على العمل جزاءاً بشريعة القصاص، واقتداءاً بسنة العدل، فوضع له صورة تشبه الأولى في الوضع، وتزيد عليها في القبح؟.

تأمل –أيها الأستاذ– ماذا يأخذ الغرباء عن هاتين الصورتين من تصوير فني للإسلام، بأيدي أبنائه، وتفكرّ في ما يجر عليه ذلك من بلاء وما يعقبه من ويلات، ثم انظر أليست المسؤولية تقع في ذلك على المسلم الأول الذي أراد أن يساهم في خدمة الإسلام فأوقع الضربة الكبرى على رأسه.

تأملوا أيها الكتّاب في ما تكتبون، وتجرّدوا للعقل عن العاطفة، وسايروا البرهان في استنتاجاتكم، ثم اكتبوا بعد ذلك ما تشاؤون.

تأمّلوا فان الكتابة ليست حبراً على ورق، ولكنها تحكّم في عقول، وحكم على مبادئ ضعوا لهذا التنابز حداً فان في الحقائق غنى عن الخيال.

بعد هذه المقدمة التي لا يستطيع أحد أن ينكر ما فيها من منطقية وحرص وتجاوزه الإطار الخاص والشخصي في طرحها إلى إطارها العام الشامل بصورة جعلته يحس معها بوحدة الموقف في المسألة عاد ليقول :

كان بوسعي -أيها الأخ- ان أمرّ على كتابك (مستقبل الإسلام) كريماً، وان أقول: سلاماً، كما علمني القرآن أن أمرّ وأن أقول. ولكن حق الإسلام يلزمني ان أوقفك على ما فيه وقفة إجمالية، أما حين يحتاج الأمر إلى التفصيل فاني أفضل السكوت لئلا أكون شريكاً في الجريمة.

والشيخ -رحمـه الله- قد يبدو هنا قاسياً بصورة يظهر فيها كما لو كان خارجاً على طريقته، ولكن الأمر الذي جاء في الكتاب -بما فيه من اللاعلمية والتعصب- يستحق ذلك، وقد مر في التمهيد ما يحتمل هذا التصعيد.

قال رحمه الله :- والكتاب الذي يقول عن الشيعة الاثني عشرية: إنهم يعتقدون بإمام خامس وبمكرّر الخامس، وبإمام سابع وبمكرّر السابع، والذي يعتمد في ما ينسبه إلى طوائف المسلمين على كتاب الغرب البعيدين عن روح الإسلام، البعيدين عن معرفة مذاهبه جدير بالسكوت عن كل ما فيه، وقد عرفت انك تشتهي أن تضع كل شخص قيل بإمامته في قائمة ألائمة الاثني عشر، وتجعله على حساب الشيعة الاثني عشرية، وعلى هذا القياس كان من اللازم ان تدرج في القائمة أسماء أخرى غير زيد و إسماعيل، وكان كل واحدٍ من الأعداد الاثني عشر يحتاج إلى مكرر أو مكررين أو أكثر.

ثم قال رحمه الله آخر الرسالة:-

وقد رايتك تتحدث عن عقيدة المهدي عند الشيعة، وكنت قد تحدثت مع الدكتور احمد أمين حول هذه العقيدة، فأرسلت إليك نسخة من الكتاب للاطلاع عليها، وختاماً. تحياتي الطيبة لكم ولكل أديب مسلم في مصر.

وخذ ثالثا من الشواهد -على أسلوب الشيخ رحمه الله وطريقته هذا الحوار الحاني الجميل في مسألة يبدو الطمع في جعل -من هو طرف فيها مستوعباً للأسس الحكيمة والعادلة للرأي الإسلامي- فيها صعباً ومعقداً. لكن شيخنا رحمه الله - بلغ الغاية في بيان ذلك.

نقل لنا الشيخ رحمه الله في (140 ال ص 147) من كتابه من (أشعة القرآن) القسم الثاني ط2، مطبعة الزهراء- بيروت قال:

(سلم باحترام وجلس بأدب واطرق قليلاً ثم تنحنح وقال: ما جنايتي أنا يا سيدي: فابتسمت له وقلت : وما علمي  أنا بجنايات الناس يا عزيزي؟، ومن أنت لأعرّفك ذنبك إذا كنت مذنباً، وإذا كنت أنا عارفاً به كما تظن؟.

فقال : أنا ( فلان) من عشيرة (كذا) ومن أهل قرية (كذا).

فقلت : ولا أزال في حاجة إلى مزيد من التعريف. فمن أبوك؟.

فاطرق الشاب خجلاً، وسمعته يبتلع بقايا ريقه، وقال بصوت خافت: هذا مصدر بليتي. وهو كذلك سبب سؤالي عن جنايتي، ليس لي أب يعرفني به الناس (إنني ابن زنا)، ولكن ما ذنبي أنا إذا كان أبواي قد أجرما بفعلتهما ؟، ما هو ذنبي أنا لتحرمني شريعة الله العادلة من حقوق شرّعها الله لجميع الناس؟.

الست أنا من الناس؟.

لماذا لا أرث قريبي إذا مات. كما يرث الناس أقرباءهم إذا ماتوا ؟.

ولماذا لا أرشح للجهات التي يرشح لها أمثالي إذا أنا ساويتهم في الشرائط التي تعتبرها الشريعة ماعدا طهارة المولد؟، فلا أكون إماماً في جماعة - مثلا - ولا في جمعة، ولا أكون أهلاً لقضاء ولا لإفتاء. ولا. ولا.. ما هو ذنبي لأحرم من كل هذه الحقوق؟؟ .

فقلت : وكيف عرفت انك ابن زنا لتجهر وتسأل هذا السؤال؟. فقال - وهو يتمتم - هذا ما يقوله الناس عني.

فقلت : إنني سألتك كيف علمت، ولم أسألك عما يقوله الناس عنك وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً.

أيستطيع هؤلاء القائلون أن يأتوا بأربعة من الشهداء لإثبات هذه الفعلة الشنعاء النكراء، ثم إثبات أنك من نتاج هذه الصلة غير الشرعية؟..

أيستطيعون ذلك؟. فهذه هي البينة التي يشترطها دين الإسلام لإثبات هذه الجريمة...

أما الوسيلة الثانية لإثباتها فهي الإقرار.وللإقرار بهذه الجريمة  توابعه ولوازمه في أنظمة الإسلام.

إن الناس ليقولون قولاً عظيماً، ويرتكبون جريمة موبقة، وانك لترتكب مثل جريمتهم حين تردّد قولتهم دون علم ودون بينة.

إن الزاني غير المحصن إذا ثبت زناه، وانتفت في حقه الشبهة، ولم تسبق منه التوبة يجلد مائة جلدة في قانون الجنايات الذي شرعه الإسلام، أما من يقول هذه القولة دون بينة فانه يجلد - في شريعة الإسلام- ثمانين جلدة لقذفه الأب ويجلد كذلك ثمانين جلدة لقذفه الأم، ويعزّر بما يراه الحاكم الشرعي لإهانته الوليد الذي نشأ عن هذه الصلة.

واقرأ -إذا شئت- قول الله -سبحانه- في كتابه: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا. وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم.(1)). 

وقوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون ان الله هو الحق المبين(2) ).

أرأيت ؟ أرأيت ؟.

جلد ثمانين جلدة، وإهدار كرامة وحرمة، فلا تقبل له شهادة أبدا، ولا يرشح للمقامات الرفيعة التي يرشح لها العدول من المسلمين، وطرد عن رحمة الله في الدنيا، وطرد عن رحمته ورأفته في الآخرة، وشهادة عليه من جوارحه بما اكتسب واستحقاقه العذاب العظيم بما اجترم.. هذه هي العقوبات التي ترصدها هذه الآيات الكريمة للذين يرمون المحصنات المؤمنات، وبديهي ان تتضاعف العقوبة إذا رمى الرجل مع المرأة، وبديهي ان تزداد شدّة وتغليظاً إذا أصابت رميته الوليد في ما أصابت.

وإذا كان عظم العقوبة في القانون دليلاً على عظم الجريمة في رأيه، تبين لنا ان جريمة القاذف قد تكون اكبر من جريمة الزاني في نظر الإسلام، والناس يجهلون فضاعة هذه الخطيئة فيستسهلون أمرها، ويستسيغون ارتكابها ويستخفّون بآثارها.

غير أن الآثار الواقعية تعمل عملها. علم الناس بها أم جهلوا، وعدل الله يرصد الجزاء الوفاق لانتهاك محارمهِ. جدّ الناس بها أم هزلوا، والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة دون علم، ودون بينة صحيحة من أشد المجرمين عقاباً وأعسرهم حساباً.
 


(1) النور : 4 - 5 .

(2) النور : 23 - 25 .