مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

وإذا لم تجد هذه المحاولات؟

ولكن ….

إذا لم تجد فتيلاً كل هذه المحاولات وكل هذه الاحتياطيات، والتقى الرجل المسعور الذي لا يأبه لحرمة الله وحرمة الدين، وحرمة الاجتماع، بالأنثى التي تضاهيه في ذلك أو تزيد، وكانت الصلة النجسة الدنيئة الدنسة، وانعقدت النطفة كما أرادتها العهارة والدعارة، فماذا يريد الناس من الإسلام بعد ذلك؟.

أيريدون من الإسلام أن يدمج هذه النطفة بالمجتمع الطهور، فلا يميزّ الفرد الصحيح عنه بحكم ولا بميزة.

أيريدون من الإسلام ان يتغاضى عن القصور الذاتي لهذا المخلوق، عن قصوره الذي يقعد به عن المجالات العالية التي يبتغيها الإسلام لأبنائه؟.

أيريدون منه أن يتناقض فلا يجعل فارقاً بين الصلة التي اقرّها واعترف بها والصلة الأخرى التي أنكرها، وشدّد في النكير عليها؟. أيريدون منه أن يصنع كذلك ليقولوا -بعد هذا-: ان الإسلام قد تناقض، ولم يجرِ مع الأصول التي سنها لتشريعه ؟.

يقولون : أي ذنب جنى هذا المخلوق؟.

لا.لا . إنه لم يجن أبداً ولم يرتكب إثماً، وسيوفى جزاء عمله إذا عمل صالحاً، ولا يظلم فتيلاً من جزائه، ولا يبخس مثقال ذرة من أعماله، ولا يحمل شيئاً من جريمة أبويه التي اقترفاها.

أما أن شهادته لا تقبل وإن كان عدلاً . وأنه لا يصلح - في موازين الشريعة- لإمامة الجمعة والجماعة، ولا يتولى القضاء ولا الإفتاء.. أما هذه الأحكام التي قررها الشارع في حقه واستثناه فيها دون غيره، فليست عقوبات أرصدتها له الشريعة ليسأل الناس عن جنايته التي ارتكبها، واستحق العقوبات من أجلها، بل لأن لقبول الشهادة واستحقاق الإمامة وتولي الولايات العامة أحكام لن تثبت إلا بشروط، ولن تعطى إلا بقابليات. وقصور هذا المخلوق في ذاته أمر لا ينكره أحد، وبعض القوانين الوضعية المتزنة تعترف بذلك إلى حد ما، والفارق أن القوانين لا ترتب أثراً على هذا الاعتراف، لأنها لا تنظر في تشريعها إلى الركائز العميقة في الإنسان.

أما الدين -ودين الإسلام على الخصوص- فلا بدّ وأن يرتب الأثر مادامت نظرته في التشريع لابد وأن تتغلغل في الأعماق وتسبر الأغوار.

إن الإسلام لا يهوي بهذا الإنسان في مستوى يمكنه ان يصل إليه بالاختيار، ولكنه لا يرتفع به إلى أسمى مما يدرك، ولا يذهب به إلى ابعد مما ينال .. إنه يبوّئه المكانة التي تخوّله إياها طبيعته، وكفى بذلك نصفاً، وكفى بذلك عدلا.

أما الميراث، فأي حقّ له فيه مادام الإرث فرعاً عن ثبوت الصلة في النسب، ومادامت صلته تلك غير ثابتة في نظر الشارع؟. وليس منع الميراث حكماً خاصاً به وحده. فان أباه وأمه لا يرثانه كذلك إذا مات قبلهما، كما لا يرثهما هو إذا ماتا قبله، وهكذا كل قريب له بواسطتهما إذا مات القريب قبله أو مات هو قبل القريب، فلا توارث من الجانبين.

ليس لذلك المخلوق المسكين ذنب -يا عزيزي-، وليست الأحكام جزاء على ذنب، ولكنها الطبيعة القاصرة الناقصة تتحكم في صاحبها، وتقعد به في المجالات، وما يصنع الشارع تجاه الأمر الواقع إلا أن يعطيه القدر الذي يستحق؟.

أما أنت .. أما أنت، فأرجو أن تعدّل من موقفك في الحياة، ومن نظرتك إلى نفسك.

لا.. لا تلبس حياتك هذا القناع الأسود، الحالك السواد.

لا.لا تنظر إلى نفسك هذه النظرة الحاقدة، البالغة الحقد، ولا تسأل عنها هذا السؤال الجائر الشديد الجور.

لا . لست ابن زنا وإن لم تعرف لك أباً منذ نشأتك، وإن قال الناس عنك، وقالوا وإن أكثروا فيك وأقلّوا ، ولو أنك ضمنت لي بقية الشرائط لقبلت شهادتك أيها العزيز .. فهل أنت فاعل ؟ .

فابتسم الشاب ابتسامة عريضة عميقة، ظننتها ابتسامته الأولى في عرضها وعمقها، ثم وّدعني  وقام ، وقد رأيته يثبت قدميه على الأرض أكثر منه حين دخل .