|
هناك جانبٌ هامٌ من نشاط شيخنا – رحمه الله – وعمله في
خدمة الأمة الإسلامية والرسالة. نرى أن نفردة لما له من أهمية – تتصل
بكل ما سبق لنا التحدث عنه . ثم إنها تحتلّ جزءاً كبيراً في آثاره ..
ذلك هو مراسلاته.
وقد وثق بعضها في كتابيه: (إلى الطليعة المؤمنة). و (من
أشعة القرآن).
إن رسائل شيخنا – قدس الله نفسه– والتي سنقّدم منها
أمثلة في ما يأتي تمثل أنموذجاً عالياً فريداً في آداب المراسلة ، وهي
تعبّر – كما لا يعبر غيرها – عن إمكانياته المتميزة في الأدب الإنشائي
الفنّي التي سبق التأشير إليها ، وتعبّر – بنفس الوقت– عن أسلوبه في
الحوار العلمي وعن خلقه وعرفانه .
فهو لا يتحدث فيها من خلال آفاقه العلمية والفكرية
الواسعة . وإدراكه لما يفرضه العدل في تقويم آراء الآخرين ومواقفهم ،
وتقديره لآثار الكلمة الطيبة في نفوسهم فحسب، بل ومن خلال قلبه الكبير
وحبّه الصادق للناس أيضاً، وحرصه على أن يشركهم -بما أراه الله من
الهدى- لا فرق في ذلك لديه بين من كان من داخل الأمة أو من خارجها ..
إن من يقرأ رسائله – رحمه الله – يجد لأول وهلة أنه
يلاشي الحواجز والمسافات بينه وبين من يراسله أو يحاوره ، فهو أبٌ حانٍ
حريص بالنسبة للبعض، وأخ صميم صادق الصلة والمحبة بالنسبة للبعض الآخر
، لا فرق في ذلك بين ما يكون به مجيباً أو مبتدئاً ، وذلك سرّ ما تركته
هذه الرسائل من أثر ، ومن فعل نفسي وفكري لدى من كانوا الطرف الآخر
فيها، فلنقرأ -كمثلٍ- هاتين الرسالتين:
أولاهما رسالته للشيخ أحمد حسن الباقوري (وزير الأوقاف
في مصر -سابقاً-) إثر
إدخال
الفقه
الإمامي
ضمن
ما
يّدرس
في
الأزهر،
قال
(رحمه الله):-
تحية الإيمان ، وثناء العلم ، وشوق الأخوة .
أخي، والله يعلم أنها أحب نسبةٍ إلى قلبي ، وألمسها
لعاطفتي. وأبقاها أثراً في نفسي.
أخي،
والله
يعلم
أنها
ألذّ
دعوة
في
فمي، وأعزّ جامعة يناضل
عنها
قلمي.
أخي، والله يعلم أنها أصدق النعوت في رأيي، وأرفع
المنازل في ديني، وأبر الدعوات عند ربي.
إنني أقول: أبي فاستبين صغري للكبير الذي انسبهـ وأقول:
ولدي فأدل بكبري على الصغير الذي أنجبه ، وأقول أخي فاشعر بأرض تسويني
بمن أدعو على القدم، وبسقف يظلني وإياه على سواء، وبسبب جمعني وإياه في
الوجود، ولبن شركني معه في الغذاء ، وأحسّ بصلةٍ تلفني به لفّ النظير
بالنظير، وضم الظهير للظهير، واذكر شريعة ماثلته بي في الحقوق ،
وعادلتني معه في الواجبات، وكافأتني به في الحرمة ..
بلى، وأذكر يداً كريمة عليا باركت لنا هذا النسب،
ووطّدت بيننا هذهِ الصلة، وعقدت بيننا ميثاق الولاية، ومدته بقانون
النصرة .
أخي . بتّ الله حوادث ظالمة أقصتني عنك ، وباعدتك عني ،
فما وصل الله هذا السبب ليقطع ، وما نصب هذا الذمام ليخفر، وما حصّن
الرسول هذه الوحدة لتتمزق.
لم أر -كالإسلام- ديناً يتسّع
لمذاهب
الفكر
ويكبر
نتاج
العلم، ولم أر
-كالقرآن- كتاباً
ينشّط
حركة
الرأي، ويكره
خمود
الوعي،
ثم
لم
أر
–كالمسلمين-
أتباعاً يحرجون بما أنفسح له دينهم ، ويبرمون بما نشط له كتابهم.
إن المسلم يرث من سلفٍ له قولاً، أو يرى باجتهاد منه
رأيا، فيخال ان الإسلام حكر على رأيه، فلا إسلام وراء الأكمة ، ولا
إيمان خارج المضيق.
وإذا لم يكن إسلام ، فلا أخوة ترتجى . بل ولا كرامة
تحتشم. ولا رأي يحترم ..ما هذا ؟ ما هذا ؟ ..
لقد فصلتني عن
أخي
فواصل،
نعم.
ولكن أليس بيني وبينه ما يجمع؟..
أليس من حقي أن أحصي ما لديه من ثراء فلعله اختصّ بشيء
من تراث أبي ؟ ..
أقول:اختص، ولا أقول: استأثر، لأنني أراه يدعوني
لمشاركته ما بيديه .
وأخي، أليس من حقه أن يطلع على ما بيدي ؟ .
لئن كان هذا الإعراض عن زهد، فان الزهد هنا مما يضحك،
وان كان من قطيعة فان القطيعة هنا مما تبكي .
وإذا لم يكن محيص عن القول في أخي ، وإذا لم يكن بدّ من
الخصام ، أفليس من واجب العلم أن اطلع على القول الذي أنقد فانقل
بأمانة ، ثم أخاصم على علم ؟ .
أخي ، آن لنا أن ننظر ببصر يخرق الحجب ، وببصيرة تمزّق
الغشاوات ، وبصبر يتحّدى المعوقات .
آن لنا أن نستيقن أن حجباً فرّقت بيننا في الصورة لا
تقوى على أن تباعد مابيننا في الجوهر، ولا تشجع ان تخالف ما بيننا في
الروح، ولا تملك شيئا من ذلك ولن تملكه أبداً ما دامت ضالّتنا الهدى ،
وما دام قائدنا الرسول الكريم (ص)، ورائدنا القرآن العظيم .
وقضية السنة والشيعة – كما قلتم – قضية إيمان وعلم
معاً– وإذا كانت كذلك فمن أولى بحلها من العالم المؤمن ؟ .
.. من أولى بحلها من العالم المؤمن إذا كان يستطيع أن
يقول، ويستطيع أن يعمل؟ وقـد بدأتم الشوط .. وكانت خطواتكم موفقة
مبرورة، يباركها الله ،ويباركها العلماء المؤمنون .
يباركها العلماء المؤمنون لان القضية قضيتهم ، والشوط
شوطهم، والمدى مداهـم ومن يـبخل من العلماء المؤمنين ان يكون نصيرا لله
على غايته ، وردءاً للعلم والإيمان في قضيتهما ؟ .
بدأتم الشوط وكانت خطواتكم موفقه مبرورة وإن الإيمان
والعلم ليبتـهلان إلى الله أن يسدّدكم في الخطى، وأن يوفقكم لإتمام
السعي، وان يهنئكم النجاح ويلقيكم عقبى الفائزين.
ثانيتهما رسالته إلى صديق له شاب مسيحي راسلـه في غضون
سنة 1956م وهو -كما عرّفه لقرائه في مقدمة لكتابه (رسالات السماء)-:
صديقي وصديق القراء (ط.ظ) شاب مسيحي حر، رفض الباطل على
اقتناع وبيـنه وطلب الحق ليقتنع به عن بينه، وهو حين رفض الباطل وحين
طلب الحق يحمل روح الوداعة، ويعتمد على التفكير المنصف والنقد المنطقي
الرصين، ويستمد من ثقافة وأدب مقبولين.
(واسميه ط.ظ لأنني لست أعرف له اسماً غير هذا لرمز وقد
درجنا عليه معاً في رسائلنا، والعجيب ان واسطته في المراسلة (وهو
حانوتي مسلم) كان لا يعرف له اسماً آخر.
(وأقول: شاب على ما توسمته من أحاديثه في رسائله وعلى
ما وصفه بهِ واسـطته الانف ذكره لما سألته عنه .
(وقد لخص حديثه بقلمه ، قال في رسالته الأولى التي
أرسلها اليه في البصرة بتاريخ (8 مارت 1956)) .
(سيدي ومن اصلي مخلصاً للرب الهي ان يفتح بتوجيهه بصري
وينير قلبي: تحية الدين العظيم المقدس الصحيح الذي مازلت اطلبه جهد
طاقتي من عهد بعيد، منذ ميزت بفاكرتي بين ما هو حسن وما هو قبيح، وما
هو ضار وما هو نافع، ومذ فرّقت في شعوري بين المعقول وغيره. وتحية جمال
الخلق ، ورحابة الصدر وسعة الأفق التي وجدتها وأحسست بها لمـا قرأت
كتابكم (من أشعة القران) ذلك الكتاب الذي قد وقفتم فيه ووفقتم لرد فضول
بعـض المتاجرين بالكذب والمتدينين بالسباب ، ويخجلني كثيراً -وعظمة
الرب الإله وذمة الدين الحق- ان يكونوا من المسيحيين، بل ويخجل المسيح
ذاته -السيد المعظم رسول السلام والوداعة- ان يكون هؤلاء القوم من
متبعيه، والمنتحلين لدينه والمتسببين لاسمه الكريم.
(ويستطرد فيذكر نشأته ومعاناته مع دينه الذي كان عليه
ثم محاولته لطرق أبواب أخرى وبدئه بدراسة القران) وأخيرا يقول:
(فأرسلت إليك يا سيدي بكتابـي هذا لأنبئك بقصتي ومقصدي
واستأذنك في السؤال عن جملة من الخواطـر التي تدور وتتردد في ذهني،
طالبا منك حلها والتوجيه فيها، وبعض هذه التي اسمـيها خواطر تدور حول
مضامين الكتاب (من أشعة القران) وبالطبع ان جميعها يحوم حول دين
الإسلام، وليسمح لي السيد عن قصوري في اللغـة فاني لست من رجال هذا
السياق).
فأرسل (رحمه الله) إليه هذه الرسالة التي كانت مفتاحاً
لنيف وعشرين رسالة متبادلة بينهما:
أخي في الله وأمانتي منه ، وعديلي في الصلة به ، حيّاك
الحق الذي تطلب ، وسدّدك التوفيق الذي تتمنى والغاية التي تترجى .
عهد قطعه الله عليك أنت يوم آتاك هذه النفس الطلوع ،
وهذا العقل الطموح وهذه الحرية الفكرية التي لا ترضى ان تستعبد، وهذا
الميزان العدل الذي لا يطمع ان يحيف في حكمه مثقال ذرة، ولا يسمح ان
يظلم من حقه قيد شعرة.. عهد قطعه الله عليك يوم آتاك هـذه الهبات ان
تطلب الحق ما وسعك الطلب، وان تجاهد لنجاتك ما أمكنك الجهاد، وان تخلص
في طلبك وجهادك ما قدرت على الإخلاص، وعهد قطعه الله عليّ أنا يوم
أسلمت له وجهيّ ودنت له بعقيدتي، وتعبدت له بإرادتي: أن أدل عليه ما
وسعتني الدلالة، وان انصح له ما قدرت على النصح ، وأن أخلص في دلالتي
وفي نصحي ما وجدت إلى الإخلاص سبيلاً .
كل أولئك أمور تفرض عليك ان تطلب، وتحتم علي ان أجيب،
ومن الله العون لك على الطلب، والإسعاد لي على الإجابة، والمدد لنا
معاً على بلوغ الغاية .
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع
المحسنين).
أخي وعزيزي : ليس عجباً من الإنسان ، وهو الذي خلقه
الله حراً، ويريد له ان يبقى كذلك حراً . وليس عجيباً منه أن يتخلص من
عقائد أسلافه ومألوفاتهم، مهما كانت لاصقة بالنفس، وعالقة بالشعور
ومرتبطة بالعادة .. ليس عجيباً من أمر الإنسان أن يركل هذه برجله متى
أدرك أنها تخالف الحق الصريح، وتباين المنطق الصحيح، بل العجيب منه
-وهو يدعي الحرية لنفسه- ان لا يفـعل ذلك..
قد دلّتني لهجتك في كتابك على ثورة نفسية متقدة ، تدفع
بها القوة إلى الظهور، وتمنعها الملابسات ان تنفجر ، فلقد انكرت
واستنكرت، ثم رجعت واسترجعت، وأنت بـارّ محق في كل ما صنعت، على أني
أنصح لك بالأناة، فللعجلة مغبة لا تحمد .
أما هؤلاء المتاجرون بالكذب المتدينون بالسباب، فما شأن
طالب الحق معهم ؟ .
ليأخذ سبيله مجدّا وليذرهم في طغيانهم يعمون، وما شان
السيد المسيح بهم؟، انه ليس منهم في شيء وما جرأتهم على محمد بأفحش
كذبا من دعوى متابعتهم للمسيح، ولا تقوّلهم على الإنجيل بأقل إجراماً
من تحاملهم على القران . كل ذلك في نظر الحق سواء بسواء.
وأما الإنصاف والعلم والحق وسائر الحرمات التي غضبت من
أجلها، أما هذه المعاني النبيلة فهي أبعد مرتقى، وأسمى منزلة من ان
ينالها هؤلاء الظالمون، ومحمد في القمة من هذه المعاني .. إي وعينيك
إنه في القمة العليا منها. أقولها لا لأني مسلم أغار لإسلامي، بل لأني
إنسان أفخر بإنسانيتي، والمنصفون من الناس كافة يعرفون صدق ما أقول .
لا تعجل -أيها العزيز- فتحسبني بهذا القول ادعوك إلى
الإسلام، فهذا مالا أنصحك به قبل أن تستوضح في حكمك . وقد قلت في (أشعة
القران) إن الإسلام لن يقبل إيمانا لا ينهض على أساس مكين .
وبعد أن تستوضح بنفسك السبيل فيه فإن الأمر سيكون إليك
أيضاً، فمن أسس الإسلام الثابتة أنه لا إكراه في الدين .
أخي: لم اعتب أنا، ولم يعتب احد من أعلام المسلمين
لأعمال هؤلاء الباغين ولأقوالهم، ولكنها حقائق يسجّلها الباحثون من
أمثالي ليطّلع عليـها الأحرار من أمثالك.
والذي استغربته منك هو تبرمك بالشك، والشك –كما يقول
بعض الفلاسفة- باب اليقين ، وبيّن ان البساطة في الجهل خير من التركيب،
ودليل ذلك –ومن الأمور ما هو غني عن الدليل- انك تؤمن بأنك في حالتك
الأخيرة أدنى إلى الصواب منك في حالتك الأولى .. أليس كذلك ؟ .
وغريب أيضا قولك –أيها الأخ-: ان مرحلتك الأولى من
الدراسة قد ذهبت أدراج الرياح، وانك تأسف لها، وتأسف لزمان أضعته
بسببها. غريب –وحقك- ذلك، لان طالب الحق إنما يستبينه ببطلان الباطل،
ولا بدّ له –للوقوف على ذلك- من جهود يبذلها في البحث، ولابدّ له من
زمان يقتله في التنقيب.
وبعد، فلولا مرحلتك هذه التي تذكرها من الدراسة لم تكن
لتصل إلى النتائج التي توقن بها الآن ، وتحمد الوقوف عليها .
وعرفت
الثقة التي أوليتني بها على البعد، وهو لطف جديد من
ألطاف
الله
علي
إذا
كانت
ثقتك
في
موضعها،
وحافز
كبير لي على العمل بموجب هذه الثقة إذا لم تكن صادفت
موقعها، وعلى أي حال فنصيحتي هنا ان لا تلجئك هـذه الثقة إلى التقصير
في البحث أو التقليد في الرأي فأنت من الطلاب الأحرار ، ولست أدّعي
العصمة لنفسي وان كنت ادّعيها وأومن بها لديني.
وأما رحابة الصدر، وسعة الأفق، المعاني التي توسّمتها
فيّ فائذن لي ان أقول لك إنها من خصائص ديني وليست من خصائص ذاتي، ولله
المنّة عليّ إذا صح توسمك، فارتسم على روحي شبح من هذه الخلال .
عزيزي وأخي: ليكن لك ما تؤثر ، فاكتب وانقد واستفهم،
ممدوداً بعون الله مكلوءاً بحفظه ، اكتب وانقد واستفهم عما شئت، والله
-سبحانه- هو المستعان، وسأعرفك بتغير عنواني إذا انتقلت إلى موضع أخر،
وسأرشدك إلى تأخير المراسلة إذا قضت الملابسات علي بشيء من ذلك، ففي
عزيمتي سفر قريب ولكن سأنجر ما أعدك به بتوفيق الله -سبحانه-.
واحسب ان السيادة والقداسة وما إليهما من الألفاظ التي
تكثرها في خطابك ممـا تفاوت بيننا في المنزلة، فأرجو أن تبدلها
بالأخوة، فإنها المس للقلب وأدنى إلى الصواب .
10/ مارس/ 1956 محمد أمين
زين الدين
|