مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

دوره في إصلاح الحوزة ودعمها

وكما هو المؤمل في شيخنا -رحمه الله– وهو يحمل المزايا التربوية والإصلاحية التي عرفنا عنها، فقد طبعت هذه المزايا مرجعيته بخصائص مميزة، كـان يمكن ان يكون لها تأثيرات اكبر لو أنه دخل هذا العالم في غير هذه الظروف التي دخلها، ومع هذا فقد برز من الجوانب الإصلاحية والتربوية في الدراسات الحوزوية خاصة ما يمكن ان يقتدى به مع الزمن ويمكننا ان نذكر من هذه الجوانب:-

1- التركيز على إقامة حوزات علمية في كل بلد إسلامي يوجد به رجال دين فضلاء، يمكنهم القيام بعبء تدريس المواد العلمية المطلوبة في الدراسات المنهجية في الحوزة، وعدم انتقال الطلاب إلى الحوزات العلمية الكبرى في النجف أو غيرها إلا بعد استكمال الاستفادة من العلماء الموجودين في تلك البلاد، وكان (ره) يهدف من هذا إلى:

أ- التجديد المستمر لمعلومات أولئك الفضلاء وخبرتهم في تلك المواد الضرورية الأساسية لمهمتهم، وأدائهم لمسؤولياتهم في المجتمع.

ب- استقطاب اكبر عدد ممكن من الطلاب الذين لا يمكنهم السفر إلى الحوزات العلمية الكبرى، بسبب الظروف المعيشية أو غيرها من الموانع.

جـ إشاعة الثقافة الإسلامية الأصيلة في كل مكان يتواجد فيه مثل أولئك العلماء والطلاب بشكل منهجي متكامل، فوجود الطلاب بين ذويهم وأصدقائهم مما يدعوهم دائماً إلى طرح معلوماتهم في المجتمع بكل وسيلة يستطيعون فيها ذلك.

د- عدم تأثر الدراسات العلمية بالظروف الاجتماعية والسياسية العامة، التي لها أثرها الكبير في سفر الطلاب وإقاماتهم في الأقطار التي فيها الحوزات العلمية الكبيرة.

إلى غير ذلك من الايجابيات التي كان يكررها ( قدس سره) في كل مناسبة، وليس اقلها البركات الإلهية التي جُعلت لطلب العلوم الإسلامية في أي بلاد وتحقق فيها مثل هذا الطلب.

2- تقريره -وبمساعدة بعض الفضلاء الذين يعتمد عليهم في الحوزة العلمية في النجف الاشرف- منهجا عاما للدراسة في الحوزة العلمية فيها كما في غيرها من البلاد، حيث يتواجد وكلاؤه المعتمدون، وبموجب هذا المنهج قرّر مساعداته المادية التي يعطيها لطلاب الحوزة بعد إجراء الامتحانات اللازمة لذلك.

فكما هو معروف عن الدراسات الحوزوية أنها ذات طابع حرّ في الأسلوب والاستقلال، والوقت، إلا ان الجدية المطلوبة في الدراسة التي أناط سماحته بها مساعداته استوجبت تحديد مقدار معين لكل مرحلة ينبغي للطالب اجتيازه خلال فترة معينة، وهكذا فقد قسّم هذا المنهج المراحل الدراسية المعروفة إلى اثنتي عشرة سنة، في كل سنة مرحلتان فيكون المجموع 24 مرحلة ومن خلالها يستطيع الطالب أن يحاسب نفسه بل ويحاسب أساتذته حين يريد لنفسه تحقيق الحد الأدنى للدراسة الجدية المطلوبة والمنهج هو

جدول

المنهج المقترح…..

ويلاحظ هنا أنه (رحمه الله) عقب على هذا المنهج بملاحظات مهمة هي:

1- أعد هذا المنهج لتوفير الحد الأدنى من الدراسة الحوزوية، حيث يجتاز الطالب مرحلتين في كل سنة، وحيث يجري الامتحان السنوي لسماحة آية الله العظمى الشيخ زين الدين (دام ظله)

2- المطلوب هو النجاح في مواد كل مرحلة بمستوى الكتاب المذكور فيها، ولا تفرض دراسة نفس الكتاب المذكور، إذ يكفي استيعاب المواد وان كانت الدراسة في كتب أخرى.

3- يمكن للمجدّين من الطلاب تقديم إجابة لأكثر من مرحلتين في امتحان واحد مع المحافظة على التسلسل المطلوب.

كما ألحقت به إعلانا بينت فيه علقته (رحمه الله) مع طلاب الحوزة العلمية ومساعدته لهم.

"بسم الله الرحمن الرحيم"

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خيرته من خلقه محمد وآله المنتجين .

وبعد، فتنفيذاً لأمر سماحة آية الله العظمى الشيخ زين الدين ( دام ظله) بمراجعة المنهج الذي أمر بإملائه سابقاً، والأخذ بنظر الاعتبار للنتائج التي أفرزتها التجربة الماضية معه، والملاحظات البناءة التي طرحها الأساتذة والطلاب حوله، فقد تّمت – بعون الله – هذه المراجعة فأقرّ سماحته تعديل بعض النقاط الواردة في المنهج وبموجبه نعلن ما يلي :

1- مساعدته (دام ظله) للطلاب ( حتى المرحلة الأخيرة من المراحل المذكورة في المنهج المرفق مع هذا الإعلان ) مشروطة بالنجاح في الامتحان السنوي العام (الذي يجري كل سنة). أما طلاب البحوث الخارجة فيشترط أن ترد أسماؤهم كمدرّسين لطلاب ناجحين في بعض المراحل المتقدمة، مع مراعاة ما يلي :

أ –أن لا تقل الدروس التي يلقونها عن درسين .

ب- أن يُقرن ذكر الطالب لاسم المدرّس بشواهد الحال المثبتة لذلك.

ج- أن يكون التدريس بالشكل المتعارف في الحوزة العلمية.

2- لا يكتفى بمجرد الحضور في البحث الخارج بل لا بدّ من معرفة كفاءة الطالب فيه بما يلي :-

أ- تدريس مالا يقل عن المواد الواردة في المرحلة العاشرة فما فوق من المنهج المرفق .

ب- تزكية أستاذ البحث الخارج بأن ما يكتبه الطالب على بحثه مستوفٍ لمطالبه فيه .

ج-تأييد الفضلاء الذين سيعيّنون لهذه المهمة – ان شاء الله - .

3- تخفيفاً على الطلاب الأعزاء -ولتعدد الامتحانات المطلوبة منهم- يجعل الامتحان سنوياً بعد أن كان كل ستة أشهر، على أن يقدم الطالب في كل امتحان إجابة لمرحلتين من المراحل المذكورة في المنهج، وسيكون موعد الامتحان السنوي هو  العشر الأواخر من شهر محرم الحرام كل عام، ويعطى الراسبون فرصة ثانية بإجراء امتحان ثان لهم بعد شهر من الموعد السابق في الدروس التي رسبوا فيها . أما الدرجة المطلوبة في النجاح فهي (70% ).

4- يمكن للطالب الراسب في الامتحان السنوي والتكميلي أن يتدارك الأمر على نفسه فينتظم في الامتحان اللاحق بنفس المراحل التي رسب فيها .

5- مساعدة الطالب الناجح في المرحلة الرابعة فما فوقها مشروطة بشهادة النجاح في صحة قراءة القرآن الكريم من اللجنة المعينة لهذه المهمة .

6- الطالب الذي لم يحالفه الحظ في النجاح يُعطى نصف المساعدة المقرّرة للمرحلة الأخيرة التي رسب فيها حتى الامتحان السنوي اللاحق، فان نجح فيه استؤنفت له مساعدة المرحلة كاملة منذ نجاحه وإلا قُطعت عنه المساعدة نهائياً .. وهذا الاستحقاق مشروط بما يلي :

أ – أن يكون ناجحاً في الامتحان الذي سبق رسوبه.

ب – أن يكون منتظماً في الدراسة الحوزوية .

ج – أن يقدّم عذراً شرعياً مقبولاً لعدم النجاح .

7- الطلاب الجدد الذين لا يستطيعون الانتظام بالامتحان السنوي العام يجرى لكل منهم امتحان خاص في المرحلة التي يختارونها، ومع النجاح يعطون مساعدة المرحلة التي نجحوا فيها.

8 – استحقاق المساعدة مشروط بأن لا يكون للطالب أو الأستاذ أومن يعيله مورد آخر غير الحق الشرعي مما يكفيه للحياة الكريمة بما يناسب شأنه .

9- المحافظة على التقوى والصلاح والورع بما يتناسب ومكانة طالب العلم في المجتمع وأدائه لرسالته العظمى بين الناس .

والله سبحانه هو الموفق والمأمول لتسديد خطى الجميع في صراطه القويم .

3- أما مساعداته لطلاب الحوزة العلمية فهي تجري بشكل متنام، لاحظ فيها المستوى العلمي للطالب وفق المرحلة التي أدى فيها الامتحان، مع عدد أفراد الأسرة الذين يعول بهم .

فالطالب المجرد الذي أدى امتحانه بمستوى الرسالة العملية له مقرر المرحلة مضروباً ×2، أما الطالب الذي أدى الامتحان في إحدى مراحل كتاب شرائع الإسلام فيضرب ×3، ويصعد الرقم إلى 4 في اللمعة، و 5 في المكاسب، و 6 لطالب البحث الخارج فحين يكون مقرر المرحلة 1500 دينار مثلاً فطالب الرسالة العملية المجرد يستلم 3000 دينار ، وطالب الشرائع 4500 ، وهكذا ثم يضاف إليه مقرر أفراد العائلة -إذا كان معيلاً- ويتصاعد هذا بدوره مع كل فرد يعول بــه .

وهو بهذه الطريقة الفريدة استطاع تقدير الدرجة العلمية التي يبلغها الطالب من جهة، مع مراعاة إعالته في الوقت نفسه من جهة أخرى.

ومعروف في الحوزة العلمية في النجف أن مساعدات سماحة الشيخ ( قدس سره) كانت من أعلى المساعدات التي يتلقاها الطلبة .

4- تبنّي بعض الأساتذة الأكفاء لتدريس المواد العلمية في الحوزة بموجب المراحل المذكورة في المنهج الذي أقره لسد بعض الثغرات التي مني بها الطلاب المجّدون نتيجة لنقص الكادر التدريسي في الحوزة العلمية في بعض الظروف .

5- تبنّي بعض الأساتذة الأكفاء في تدريس علوم القرآن والتجويد، وهيأ لهم مساعدات خاصة لذلك وأناط النجاح في امتحان المرحلة الرابعة من منهجه السابق فما فوقها ، واستحقاق المساعدة المادية بالنجاح في قراءة القرآن وصحة هذه القراءة بالشكل المناسب لطالب ديني مسؤول .

6- لم يحصر توزيع هذه المساعدات بالمسؤولين عنها من قبله، بل كان بعضها عن طريق بعض المراجع الآخرين فالمهم لديه هو وصولها إلى مستحقيها وتحقيق الهدف منها .

دَورُهُ في مساعدات العوائل الفقيرة والمؤسسات الصحية العامة أثناء الحصار

كان لشعور سماحته -رحمه الله- بما مني به أبناؤه المؤمنون من شظف العيش وعوامل الفقر، ولاسيما ما أصيب به الناس في العراق نتيجة الحصار أثر عميق في نفسه، كعاطفة أبوية وكمسؤولية إسلامية معاً .

ومما يعرفه ذوو العلاقة القريبة به أنه خفض مستوى معيشة بيتهِ ومصارفه اليومية الخاصة إلى المستوى الأدنى مما لم يألفه في الأوضاع العادية، ليس من حاجة، بل من شعور أخلاقي وديني تفرضه المرحلة على مثله، أشبه بما عبّر عنه الإمام علي (ع) في قوله :-

(لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل) .. إلى قوله (ع) ..(أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر).

ولهذا فقد أوعز إلى وكلائه في خارج العراق خاصّة بالعناية بالفقراء في بلادهم بقدر الإمكان، وإرسال مقدار مما يستلمونه من الحق الشرعي إليه لمساعدة الحوزة العلمية في النجف ، والعوائل المحتاجة في العراق ، ثم ومنذ سنتين قبل وفاته (ره) تقريباً ألزمهم بإرسال الثلث مما يستلمونه بحسب وكالتهم عنه، حيث ضاقت به الأمور هنا، وبموجب الرقم الذي يستطيعُون إرساله فتح باب التسجيل للعوائل المحتاجة ، معتمداً على بعض المؤمنين الذين يثق بهم في جميع أنحاء العـراق حتى بلغ مجموع من سُجّل في قوائم المستلمين ما يقارب 35 ألف فرد ، مع طلبة الحـوزة العلمية وعوائلهم، إضافة إلى مساعدات أخرى كان يقوم بها في بعض المؤسسات وكـان توزيع المساعدات يجري كما يلي:-

أ – إعطاء العائلة بموجب عدد أفـرادها، بإضافة فرد لربّ العائلة ، فحين يعين 750 دينـاراً للفرد –كما جرى في الأشهر الأخيرة قبيل وفاته – تعطى العائلة ذات 5 أفراد مثلاً 4500 دينـار وهكذا .

ب-إعطاء مساعدات إضافية في بعض مواليد أهل البيت ( ع) وبعض الأشهر المباركة كشهر رمضان وقد يصل الإعطاء إلى الضعفين أو الثلاثة أضعاف المساعدات الشهرية. وقـد تكون المساعدة بشكل عيني كالتمر والطحين والرز والملابس وغيرها .

ج- وهناك مساعدات محدودة لمن يروم الزواج من الفقراء وفق شروط خاصة .

4- أوعز ( قدس سره) إلى المؤمنين الزائرين الوافدين من خارج القطر بجلب ما يمكن جلبـه من الأدوية لمساعدة من كان يثق به من الأطباء الاختصاصين في علاجهم للمرضى وخصوصاً الفقراء ، حيث لا تتوفر مثلها في الصيدليات، ولا يستطيع الفقراء شراءَها لغلاء ثمنها، وكانت استجابة المؤمنين مشكورة إذ أمكن بهذه الطريقة توفير كميات جيدة مـن الأدوية في وقت عزّت فيــه .

5 – يقدم مساعدات لترميم بعض المستشفيات وسداد بعض نقائصها وتصليح بعض أجهزتها الضرورية وتوفير بعض مستلزماتها التي تهمّ المرضى.

6- ومما يلاحظ -ونحن بهذا الصدد- ما قام به ( قدس سره ) وباقتراح من بعض الفضلاء من وكلائه من أجل التحفّظ على الحقّ الشرعي، وإغناء رغبة أولئك الذين يودّون الإشراف بأنفسهم على صرف حقوقهم الشرعية، تشكيل لجنة من ثلاثة من وكلائه يضاف إليهم المكلف صاحب الحق، الشرعي وتوضع خطة مناسبة لصرف ذلك الحق وإجراء الصرف بموجبها ، ويوكل تنفيذها إلى بعض الثقاة بإشراف تلك اللجنة، وخصوصاً إذا كان المبلغ كبيراً .

7- ولأنه ( قدس سره) كان كثير التحّرز والاحتياط، فهو قليل الوكلاء حتى في البلاد التي يرجع معظم أبنائها بالتقليد إليه ، فهو لا يعطي الوكالة إلا بعد إحرازه الثقة التامة بالوكيل، وبإمكان أن يكون هذا -في سلوكه العام والخاص – صورة صادقة عنه ؛ ولان هذه النظرة أوجبت ضيقاً في تلك البلاد، فقد أعطى لبعض وكلائه السابقين الذين يثق بهم سعة في الوكالة يستطيعون بموجبها توكيل آخرين من ثقاتهم على أن يكون هؤلاء محاسبين أمام أولئك الوكلاء ، وفي الحدود التي تضمنتها وكالاتهم الأصلية.