مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

بعض أجوبته في مسائل عقائدية وبعض فتاواه

(مسألة): ما يقول .. في معنى دلالة الذات ، كما جاء في الدعاء المنسوب للإمام أمير المؤمنين (ع) في قوله  ( يا من دل على ذاته بذاته ) .

الجـواب :

الكلمة المسئول عن معناها فقرة من دعاء الصباح المعروف . المشهورة نسبته إلى سيد المسلمين وأمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ولم نعثر في كتب الحديث لهذا الدعاء على سند متصل نثبت به صحـة نسبته إلى الإمام (ع) من حيث الرواية . ولكن جماعة من الثقاة الأعلام قد أوردوا الدعاء في كتبهم . ونسبوه إلى الإمام (ع)، غير مترددين في نسبته إليه.

ويضاف إلى ذلك علو مضامين الدعاء ، وموافقة معاني فقراته لما ورد عنهم (ع)، وعن جدهم الرسول (ص) في الأحاديث والأدعية الصحاح، بل وموافقة كثير منها لمعاني القرآن الكريم ، وفي كل هذا ما يغنينا عن التحدث في ناحية سنده .

والكلمة المسئول عن معناها بذاتها فقرة عالية المضمون ، رصينة المبنى ، يستبين الناظر البصير فيها قبساً من أنوار النبوة، ونفحة من نفحات العصمة .

وهي موافقة المعنى لكثير من أقوال المعصومين (ع)، الثابتة عنهم بالأسانيد المعتبرة كقول الإمام الحسين (ع) في دعائه يوم عرفة: كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدِل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي ترشد إليك.

وقوله (ع) في الدعاء نفسه : منك اطلب الوصول إليك وبك استدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك .

وقول الإمام زين العابدين (ع ) في دعاء السحر الذي رواه عنه الثقة الجليل أبو حمزة الثمالي (ره): بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم ادر ما أنت.

وهذا هو المعنى الذي أراده الرسول (ص) لما سئل : بماذا عرفت ربك؟، فقال: بالله عرفت الأشياء . يعني فالله –سبحانه- دليل ذاته أولا، لأنه الظاهر بنفسه المظهر لغيره من الكائنات، وبه عرفت الأشياء ثانياً، لأنه علتها وموجدها ومكونها بعد ان كانت معدومة ولولا وجوده وتدبيره لما كانت ولما دبرت .

بلى .وهذا هو المعنى الذي دلت عليه الفقرة الأخيرة من قوله (تعالى): (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك ان على كل شيء شهيد(1)). فهل يحتاج إلى آية تثبت وجوده وهو الشهيد على كل شيء ، الذي لولا وجوده لما ثبتت الأشياء.

وهو احد معاني قوله (تعالى): (الله نور السماوات والأرض (2)) . كما ذكره المحققـون من علماء التفسير، فان اظهر خواص النور كونه ظاهراً في ذاته مظهراً لغيره ، والى هذا يؤول ما رواه الصدوق (ره) في كتاب التوحيد عن الإمام الرضا (ع) –في معنى الآية الكريمة-: (هاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض ) .

ومعنى لفظة (دل) في اللغة: هدى وارشد، والدلالة هي الهداية والتسديد إلى الطريق، سواء كان ذلك عن قصد أم عن غير قصد.

فمن استعمال المادة في الهداية عن قصد قوله (تعالى): (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم(1)). ومن استعمالها في الهداية عن غير قصد قوله (تعالى): (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته(2)).

ولفظة (دل) قد تأتي قاصرة وقد تأتي متعدية، فمن استعمالها قاصرة قول الرسول (ص) في الحديث المشهور ( الدال على الخير كفاعله)، ومنه قول أبي العتاهية :

           وفي كل شيء له آية     تدل على أنه واحـــد

ومن استعمالها متعدية الآيتان الكريمتان الآنف ذكرهما .

وتتعدى إلى المفعول الثاني بالى ، فتقول: دللته إلى الشيء. والأكثر في الاستعمال تعديتها بعلى، فتقول دللته على الشيء، ومنه الشواهد المتقدم ذكرها، ومنه كذلك فقرة دعاء الصباح المسئول عن معناها: (يا من دل على ذاته بذاته) .

ولفظة (ذات) تستعمل -لغة- في عدة معان ، منها حقيقة الشيء وخاصته ، وقد ذكر هذا المعنى الكثير من اللغويين، واستدركه صاحب تاج العروس على الفيرزابادي لما تركه في القاموس .

ويراد بحقيقة الشيء وخاصته هنا: وجوده الخاص الذي يتميز عما سواه ، سواء أكان ذلك الشيء جوهراً ام عرضاً. فيقولون: ذات هذا البياض وهذا الخط، كما يقولون ذات زيد وذات ذلك الجسم .أي تلك الحقيقة الخاصة المتميزة بوجودها عما عداها من الحقائق والموجودات.

وبهذا المعنى صح إطلاق كلمة الذات على الحق –سبحانه-، وصحت إضافتها إليه، فيقال: هـو –عز اسمه- ذات لا كالذوات ، أي وجود ثابت متميز عما سواه من الكائنات لا يشـبهه شيء منها، كما يقال: هو شيء لا كالأشياء ، وكما صحت إضافة النفس إليه في قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم (1)) وغيرها من الآيات الكريمة .

وقد أضيفت كلمة الذات إليه –سبحانه- في كلمات كثير من البلغاء، منها قول الإمام أمير المؤمنين علي (ع) في خطبة الأشباح : وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته.

وقوله (ع) في خطبة له في التوحيد : ولا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذاته ولتجزّأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه.

وقوله (ع) في خطبة أخرى : الحمد لله الذي اعجز الأوهام ان تنال وجوده، وحجب العقول عن ان تتخيل ذاته.

وفيها كذلك : بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله.

وقوله (ع) في خطبة أخرى: أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه.

ومنها قول الإمام الحسين (ع) في دعائه يوم عرفة : الهي أنت الغني بذاتك ان يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عني.

وقول الإمام الصادق (ع) لم يزل الله- جل وعز- ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور.

وفي كتاب للإمام الرضا(ع) : الممتنع من الصفات ذاته ومن الأبصار رؤيته ، إلى كثير من كلمات الأئمة من أهل البيت المشتملة على ذلك .

وفي حديث ابن عباس: تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله، أخرجه البيهقي.

وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم النيسابوري وصححه في كتابه المستدرك على الصحيحين، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدري ، قال (واللفظ للإمام أحمد): اشتكى علياً الناس ، قال: فقام رسول الله(ص) فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا علياً فوالله انه لأخشن في ذات الله .

وفي لسان العرب، وتاج العروس ، وصحاح الجوهري، ونهاية ابن الأثير : اخيشن في ذات الله، والمراد انه خشن في سبيل الله أو في طاعته، أو في دينه لا تأخذه لومة لائم .

وقريب منه في المعنى قول حبيب بن عدي الصحابي الأنصاري ، أورده البخاري:

    ولست أبالي حين اقتل مسلماً   

 على أي شيء كان لله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وان يشأ    

يبارك على أوصال شـلوٍ ممزع

 وقول حسان بن ثابت : كما أورده ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري :

        وان أخا الاحقاف إذ قام فيهم

  يجـاهد في ذات الإله ويعدل

وقول النابغة:

      محبـتهم ذات الإله ودينهم قـديم فما يخشون غير العواقب

وقول أبي تمام:

       يقول فيسمع ويمشي فيسرع(1)   ويـضرب في ذات الإله فيوجع

وقد أكثرت من ذكر الشواهد على ذلك من أحاديث الرسول (ص) وكلمات أوصيائه الأئمة المعصومين (ع)، ومن أقوال الشعراء الذين لا يشك في أصالتهم في اللغة لئلا يبقى ريب في صحة هذا الاستعمال.

وذهب قوم إلى المنع منه فلا تطلق كلمة ( الذات ) على الله ، ولا تصح إضافتها إليه.

وقد احتجوا لذلك بأن ( ذات ) مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب ، أحد الأسماء الستة المعروفة عند النحويين. فيقال: هو ذو مال، وهي ذات مال ، وتاؤها هي تاء التأنيث، ولذلك فلا يصح إطلاقها على الله ، لأنه سبحانه لا يسمى ولا ينعت بما لحقته علامة التأنيث.

وقد عرفت أن كلمة الذات التي تطلق عليه تعالى إنما هي بمعنى حقيقة الشيء وخاصته، وقد نص عليه اللغويون، وترادفها كلمة النفس والعين، وهي غير ذات بمعنى صاحبة التي لحقتها علامة التأنيث .

واحتـجوا لعدم صحة إضافة الذات إليه بأن ذات الشيء نفسه فلا تصح إضافتها إليه لأن الإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه.

وهذا الوجـه واضح الفساد لأن العرب يقولون: جاء زيد نفسه، وأخذت الشيء بعينه، وفي القرآن الكريم ( كتب ربكم على نفسه الرحمة)(1)، ومعنى هذا أن الإضافة صحيحة، وأن المغايرة في الإضافة يكفي أن تكون من وجه ما، ولو من جهة العبارة .

على أن هذا الوجه لو صح لاقتضى المنع من إضافة الذات إلى أي شيء، فلا يقال ذات زيد، ولا ذات الشيء ، ولا يختص المنع بإضافتها إلى الله كما يدّعون.

ومن الغريب أن الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن أنكر مجيء الذات بمعنى عين الشيء ونفسه في اللغة، فقال في مادة (ذو): وقدا استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوها عبارة عن عين الذات جوهراً كان أو عرضاً، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر وبالألف واللام وأجروها مجرى النفس والخاصة، فقالوا : ذاته ونفسه وخاصته ، وليس ذلك من كلام العرب، ثم قال في مادة (نفس) وقوله (تعالى): (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك(1)) وقوله (ويحذركم الله نفسه(2)): فنفسه ذاته فأضاف الذات إلى ضمير الجلالة وجعلها تفسيراً لكلمة( نفسه) في الآيتين الكريمتين .

والباء في قوله (ع): يا من دل على ذاته بذاته، هي الباء التي تدخل على الدليل في مثل هذا التعبير ، كما في قولك: دل فلان بفضله على كرمه وبتجاوزه على حلمه، والجار والمجرور متعلق بدلّ ، فهو -سبحانه- دال، وهو دليل ، وهو مدلول .

ويحتمل أن تكون الباء سببية، نظيرها في قول المتكلمين : هو واجب الوجود بذاته، أي أن وجوده وجب بذاته لا بسبب علة أخرى خارجة عنه، وليس معنى ذلك ان ذاته علة لذاته ،فانه محال، بل معناه أن ذاته الوجود ، فيستحيل عليه العدم : لان سلب الشيء عن نفسه محال ومؤدى الفقرة – على هذا الاحتمال – ان دلالته سبحانه على ذاته ذاتية لا تستند إلى علة، ولا تفتقر إلى جعل ، وهو معنى في منتهى الرفعة والعلو.

ودلالته –سبحانه- على ذاته بذاته هي طريقة الواصلين الكاملين في معارفهم ، الذين ارتاحت نفوسهم، وسمت أرواحهم وصفت قلوبهم، فاشرقت عليهم أنوار القدس ، فابصروها باعين البصائر ، وشهدوها بمشاهدات السرائر، والله –سبحانه- هو مفيض النور عليهم لما استأهلوا، ومتم النعمة عليهم لما استكملوا، نعم وبتلك الانوار ابصروا ما دونها من الآثار .

وهذا هو معنى قولة الرسول (ص) في الحديث الشريف الذي قدمنا ذكره لما سئل : بماذا عرفت ربك؟. فقال (ص): بالله عرفت الأشياء.

تجلّت على قلبه العظيم أنوار العظمة فأبصر بها حقيقة الحقائق ، وأولى الأوائل، ثم أبصر بنورها ما وراءها من عوالم ومعالم، فقال هذه القولة العظيمة: بالله عرفت الأشياء .

وهذا هو معنى قول الإمام الحسين (ع ) في الفقرات التي قدمنا نقلها من دعائه يوم عرفه، وقوله (ع) في الدعاء نفسه : الهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليك بكسوة الانوار وهداية الاستبصار ، حتى ارجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، انك على كل شيء قدير .

والسبيل المؤدي إلى هذه الغاية التي يطمح إليها الطامحون، والقمة التي يحاول ان يسمو إليها العارفون ، هو تطهير النفس بطهور الشريعة من جميع الاوضار والأوزار ، وتهذيب أخلاقها وطباعها وسرها وعلانيتها باتباع مناهج الله وتطبيق قوانينه، والارتقاء بها إلى حيت الكمال الأعلى والصفات المثلى .

وهنالك حيث يتم للنفس الصفاء والنقاء ، تكمل لها الأهلية وتستحق الفيض ويشرق النور وتتم النعمة .

بلى، حيث تتوفر للنفس المؤهلات والمكملات، ويتم لها الاستعداد.

فان هبات الله لاتكال جزافاً ، ولا تؤتى دون استحقاق ، ونور الله لا يتجلى للقلب المظلم والضمير المعتم ، والحقيقة العظمى الطاهرة الزكية لا يمكن ان يبدو إشعاعها في غير القلب النقي الزكي .

هذا هو السبيل المؤدي المضمون الأداء إلى هذه الغاية الكبرى .

نعم ، هنا أوجه من البراهين يذكرها بعض الأكابر للدلالة على الحق بالحق -جلت عظمته-، ومن هذه البراهين ما أفاده أستاذنا الفيلسوف المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني تغمده الله برحمته ، والبرهان -على اختصاره- قوي متين ، بل وهو في غاية القوة والمتانة لمن كان له قلب.

وهو: أننا إذا تصورنا مفهوم واجب الوجود لذاته ، أي ما يتحتم لذاته أن يكون موجوداً ، ويستحيل أن يكون معدوماً ، فهذا التصور بنفسه يوجب لنا القطع بوجود واجب الوجود ، لأنه لو لم يوجد لكان عدمه أما لأنه ممتنع ليكون معدوماً لذاته، وإما لأنه ممكن ليكون معدوماً عند عدم تمام علته ، ولا قسم للمعدوم غير هذين ، وهو خلف لأنا فرضناه واجبا .

وبتقرب آخر أوضح وأصرح : إذا كان معنى واجب الوجود هو ما يتحتم لذاته ان يكون موجوداً، فكيف يتصور ان لا يوجد؟، بل وكيف يحتاج وجوده إلى إثبات والشرح المطابق لذلك المعنى: ان ذاته الوجود ، ومن البديهي ان سلب الشيء عن نفسه محال، وهو واضح –بحمد الله- لمن تأمل ، نيّر لمن تفكر ، يغني الطالب عن أي دليل وأي تعليل .

واحتمل بعض شراح الدعاء الشريف ان يكون المراد -من قوله (ع): يا من دل على ذاته بذاته-: يا من دل على وجود ذاته بآثار ذاته ، وانه من حذف المضاف في الموضعين للعلم به ، فيكون إشارة إلى الاستدلال بالمعلول على وجود العلة الذي تشترك فيه عامة الناس من الخواص والعوام ، بل ويكون إشارة إلى دليل الفطرة الموجودة في نفس كل إنسان تهديه إلى وجود القوة العظمى المسيطرة التي بيدها التقدير والتدبير ، فإن الله –سبحانه- هو الذي بث الآثار في هذا الملكوت، وركب الفطرة في نفس الإنسان، وانطقها جميعاً بالدلالة عليه ، فهو الذي دل بهذه الآثار على وجوده .

وهذا المعنى الذي احتمله (قده) -مضافاً إلى بساطته- يحتاج إلى تكلف تقدير المضاف في العبارة في الموضعين ، فالمعنى الأول أجلى وأعلى.

ومن فتاواه (رحمه الله) نقرأ:

(مسألة): قد وجد في وقتنا هذا من يطلق على نفسه ويطلق عليه أتباعه عنوان (نائب باب المولى)، مدعيا النيابة عن (الحسين بن روح) –رضوان الله عليه – السفير الثالث في زمن الغيبة الصغرى الواقع واسطة بينه وبين الإمام المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – حاضراً ، وهو يدّعي رؤية الإمام القائم – عليه السلام – في المنام ، وأنه قطع بأنه هو، وقد أرسـله إلى الشيعة يأمرهم وينهاهم في المسائل الخاصة والعامة، ويأخذ منهم الخمس، وقوله وأمره ونهيه كل ذلك مقدم عند أتباعه على ما يأتي من الفقهاء مع التعارض، وطريقه في هذه التبليغات والأوامر والنواهي رؤيته المنامية للإمام القائم – عجل الله فرجه – نفسه أو الحسين ابن روح، كما تدعى له الملاقاة لهما في عالم اليقظة.

وقد حدث أن أعلن هو نفسه اشتباهه وتخليه عن دعواه أمام جمع من العلماء، وكتب تقريراً موقعاً بذلك ومذيلاً بتعليق من العلماء الذين حضروا مجلس الاعتراف والتخلي، إلا أن دعوته لا زالت قائمة ويتجمع الأتباع، وأن من تابعه من العلماء من وكلائه لازال يؤمن بصدق دعواه وحقانيتها، وإن ادعى توقف الدعوة إليها، الأمر الذي يشهد الواقع بخلافه.

ويقوم تسليم هؤلاء ومن قاربهم بهذه الدعوى على ما ينقلونه عنه من إخبارات بأمور خفية، وما جاء على يده ينسبه للإمام القائم (عج) من نصوص يلفظها يرون أنها فوق مستوى الناقل، وأنه يمتنع عليه أن يأتي بها من نفسه في ظروف لا يحتملون معه أنه يستمدها من غيره من دون الإمام (عج)، مما جعلهم –كما يقولون– يقطعون بصحة دعواه.

والصفة السائدة في هذه النصوص استعمالها لغريب اللغة الشاذّة جداً.

أولاً : ما هو الرأي المذهبي في إمكان هذه الدعوى ؟

ثانياً : ما هو توجيهكم – حفظكم الله – لهؤلاء الوكلاء والأتباع ومنهم من كان معروفاً بالوثاقة والحرص على الدين ؟

ثالثاً : من يصر من هؤلاء على دعواه بعد بذل الجهد من العلماء معه في بيان بطلان الدعوى، هل يجوز الاقتداء بصلاته وحضور محاضراته وخطاباته وجلساته وتدريسه، أو يمتنع عن ذلك، ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيقاف سريان البدعة.

ملاحظتان :

1 – تحت يد الرجل منجد لغوي ، والنصوص تحمل العيب المذكور من ناحية الفصاحة وأنها لا ميزة بلا غية لها ، والبيان الأول منها – وهـو  خطاب للشيعة بالاستجابة للدعوى، وهو منسوب إلى الإمام ( عج) لا يخلو من أخطاء نحوية .

2- المبتدع في الدين مع انتفاء الشبهة هل يبقى عادلاً أم لا ؟

بسمه تعالى : دين الإسلام –ومذهب أهل البيت (ع) على الخصوص- أعظم شأناً وأكبر خطراً، وأقوى حجة، من أن يعتمد في دعوته على مثل هذه الأساليب الملتوية، أو يلجأ إلى حجج غير منطقية، أو غير شرعية، أو على وجوه متناقضة وغير صحيحة، أو على أطياف وما يشبه ذلك مما ذكرتموه في السؤال، والإمام الحق – عليه وعلى آبائه الطاهرين أفضل الصلاة والسلام – أسطع نوراً وأجلّ مقاماً وأجلى حجة من أن يفعل مثل ذلك أو يوقع شيعته في مثل هذه الأخطاء والأخطار، ولاسيما في مثل هذه الظروف ، ولذلك فيجب الابتعاد –جهد المستطاع- عن هؤلاء ومقاطعتهم وعدم الحضور في مجالسهم، وعدم الاستماع إلى دعوتهم، فضلا عن الصلاة معهم ، ولا ريب في انتفاء العدالة ممن يرتكب ذلك مع انتفاء الشبة . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

*  *  *

(مسألة): ما رأي سماحتكم -أدام الله ظلكم- في الفرق بين طائفتي المحدثين والأصوليين ؟

وهل صحيح أنّ هناك فروقاً جوهرية بينهما ؟، وما وصيتكم لنا في المسـألة؟

أفتونا مأجورين أعزكم الله وأعز بكم الإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتـه.

بعض أبنائكم المؤمنين


 

 

باسمه تعالــــى

لم أجد فرقاً رئيساً بين مسلكي المحدثين والأصوليين، فما في السؤال من التعبير بالطائفتيـن خطأ. وإنما هي طائفة واحدة تنـتهل من معين أهل البيت ( ع) وتستمسك بعروتهم الوثقى .

والفروق التي تذكر لا تتجاوز ما يحدث بين أي فقيهين ولو من مسلك واحد، وخصوصاً في هذه العصور حيث كان للشيخ صاحب الحدائق والشيخ الأنصـاري (قدس الله سرهما) الفضل في جلاء الكثير من الحقائق التي كانت غامضة قبلهما، فجزاهمـا الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين .

على أنّ معظم تلك الفروق – حتى فيما قبلهما من الزمن – لم يختصّ بأحد المسلكين دون الآخر ، فهناك فقهاء من ذوي المنهج الأصولي قد وافقوا الإخباريين في اختيار ما قيل باختصاصهم به من المسائل وبالعكس .

وفي كتابي الحدائق والدرر النجفية مباحث قيّمة في هذا الشأن .

أما وصيّتي للأحبة من أبنائي المؤمنين فهي : ضرورة المحافظة على وحدة كلمتهم وترك الخوض في هذه الأمور التي هي من شؤون فقهاء أهل البيت (ع) الورعين الأتقياء ، فهم المؤتمنون على أحكام شريعة الله (تعالى)، وهم الذين أمر المعصومون (عليهم السلام) شيعتهم بالاقتداء بهم في العمل بتلك الأحكام ، وهم حجة الإمام صاحب العصر (عج)، وهو حجة الله – كما في المكاتبة عنه ( ع ) –

عصمنا الله وإياكم عن مجانبة هداه ، ووفقنا جميعا لنيل رضاه . إنه سميع مجيب ..

 


(1) 57 فصلت

(2) النور 35.

(1) الصف: 10.

(2) سبأ: 14 .

(1) الأنعام 54.

(1) كذا ورد في ديوان أبي تمام شرح الخطيب التبريزي.

(1) الأنعام 54.

(1) المائدة 116.

(2) آل عمران .