|
دوره في إنماءِ الحركة الأدبية في النجف
أعني بالإنماء هنا توسّع الحركة عمودياً، بأن تستمر في انتقالها من
الجيل السابق
إلى الجيل اللاحق، وتوسعها أفقياً بأن تمتدّ من بلها الجغرافي الذي هي
فيه إلى
بلدان أخرى.
وذكرت في تاريخ الحركة الأدبية في النجف الأشرف أن من أهم عوامل نموّ
المجالس
الأدبية، تاريخياً وجغرافياً، أنها كانت تعقد في الأماكن الخاصة
كالمنازل والمدارس
ليلتي الخميس والجمعة وليالي شهر رمضان المبارك، ويحضرها ثلة مختارة من
الشبان
يديرون الحوار بينهم.
وربما كان هذا تحت إشراف شيخ مربّ يرشد وينقد، كي يضع هذه الثلة من
الشبان على
الطريق السوي في بناء شخصياتهم أدبياً.
والشيخ زين الدين أستاذ موهوب، يمتلك من القدرات التربوية ما أهّله لأن
يكون
أستاذاً من أساتذة الأجيال في النجف أدبياً وعلمياً، وما دفعه إلى أن
يقوم بما أهّل
له من أدوار تربوية في العلم والأدب.
وغرفته التي كان يسكنها في مدرسة الأخوند الوسطى، الواقعة حالياً في
شارع الإمام
الصادق (ع) قريباً من الحرم العلوي الشريف، كانت أحد المجالس الأدبية
النجفية.
تردّد عليها وارتادها منتدىً أدبياً جَمعٌ من مريديه، في طليعتهم الشيخ
سلمان
الخاقاني الذي كان مؤازره في دور تربية الشبان الذين كانوا يترددون على
الغرفة.
ومن هؤلاء الشبان: السيد مصطفى جمال الدين، والسيد حسين بحر العلوم،
والسيد محمد
بحر العلوم، والشيخ محمد رضا العامري، والشيخ صالح الظالمي، والشيخ
ضياء
الخاقاني.
وقد أشار إلى دوره هذا في التربية الأدبية الأستاذ عبد النبي الشريفي
في كتابه
ومضات الشباب.
كما أشار إليه الأستاذ علي الخاقاني في كتابه شعراء الغري، عند ترجمته
للسيد
مصطفى جمال الدين، قال:
))
ولد في قرية المؤمنين عام 1346 هـ، ونشأ بها
على أبيه وجده فعنيا بتربيته وحسن توجيهه، ولم أحسّا منه النبوغ المبكر
والذكاء
المفرط بعثا به حيث منهل الفضل والعلم، وكان ذلك عام 1357 هـ. فاتصل
بالعلاّمة
الشيخ محمد زين الدين الذي عُرف بصدق تدريسه وقوة توجيهه، فأخذ عليه
مختلف العلوم
الأولية، من نحو وصرف ومنطق ومعان ٍ وبيان، واقتبس منه المعلومات
الأدبية الكافية
مما ولّد عنده قوة الشاعرية وفهم الأدب وحسن البيان
((.
والسيد جمال الدين نفسه أشار إلى هذا في مقدمة الديوان، وما بعدها تحت
عنوان
))
الشجرة التي احتضنتني برعماً
((
قال:
((
وصاحبنا الذي نكتب سيرته، ونحاول أن نتعرّف تجربته، واحد من هؤلاء
الوافدين إلى النجف من قرى سوق الشيوخ، كان يبحث عن مدرّس ٍ في النحو
يأخذ عليه شرح
ابن الناظم لألفية أبيه محمد بن مالك، لأن الدراسة في النجف، كما هي في
أكثر مراكز
الدراسة الدينية، دراسة فردية أغلب مراحلها، والطالب فيها له حريّة
اختيار مدرّسِه،
وكما يكون الطالب طالباً، يكون في الوقت نفسه مُدرّساً، فهو إذ يدرسُ
ألفية ابن
مالك عند زيدٍ، يدرّس عمراً قطرَ الندى لابن هشام، وأستاذه مثله أيضاً،
حتى إذا
تقدم في دروسه كان نظام الحلقات في انتظاره، ثم ينتقل إلى الحلقة
الكبرى، عند أحد
مراجع الدين التي تسمى ب((
الخارج))
، لأن الدرس فيها ليس له
كتاب مقرّر، فهو خارجُ الكتبِ المقرّرة، ولكنه يمتاز بموضوعه. وموضوع
الخارج إما في
الفقه، أو في أصول الفقه، واستحدث أستاذنا الخوئي درساً في التفسير هو
إلى الخارج
أقرب منه إلى الكتاب المقرّر
)).
((
وظلّ صاحبنا يبحث عن هذا المدرّس حتى وقع اختياره على المرحوم
الشيخ علي زين الدين من البصرة، وجرّته صِلتُهُ بالشيخ علي إلى صلتِهِ
بأخيه الشيخ
محمد أمين زين الدين، وهو اليوم أحد مراجع الدين في النجف، حفظ الله
مهجته، وجعل
خير الحوزة على يديه. وكان هذا الشيخ، بالإضافة إلى علمه الجمّ، شاعراً
من طراز
متقدم، وكاتباً بارعاً ذا أسلوب متميّز، لعله أقرب إلى أسلوب الزيّات،
تدل عليه
رسائله إلى الطليعة المؤمنة وكتابه الرائع الإسلام: ينابيعه، مناهجه،
غاياته، ولعله
أول كتاب يظهر في النجف عن الإسلام بلغةٍ مشرقة الأسلوب، حديثة
المعالجة لقضايانا
الفكرية. كما كان فيلسوفاً أخلاقياً تشهد له الأخلاق عند الإمام
الصادق، ورسالته
كلمة التقْوى في عشرة أجزاء أكبر دليل على فقاهته، وغير ذلك من
مؤلفاته. وكان هذا
الشيخ الجليل محور حلقة من العلماء يمتازون بثقافتهم الواسعة،
وأساليبهم الرائعة,
منهم المرحوم الشيخ سلمان الخاقاني، وهو من أقدم تلامذة السيد الخوئي
المرموقين،
وله ولع بالشعر، و اطلاع واسع على أغلب ما يصدر في الكتبة العربية، وفي
مكتبته
العامرة. وبإرشاده وتوجيهه قرأنا ما جَدّ من الكتب المصرية واللبنانية،
وتابعنا
مجلات الرسالة والرواية اللتين أصدرهما الزيات، والثقافة التي صدرت عن
لجنة التأليف
والترجمة والنشر برئاسة أحمد أمين، والكاتب المصري برئاسة طه حسين،
والكتاب التي
أصدرتها دار المعارف بتحرير عادل الغضبان، وسلسلة اقرأ وغيرها من
السلاسل والكتب
والقصص التي كنا لا نهتدي إليها لولا إرشاد أبي المهدي وتهيئتها لنا،
أمثال كتب طه
حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، والمازني، وأحمد أمين، وسلامة موسى،
وعبد الله
العلايلي، ونجيب محفوظ، وغيرها
((.
((
هذان العلمان الكبيران، زين الدين الخاقاني، هما اللذان وضعاني
على الطريق الذي أنا الآن في نهايته )) .
((
كنت أدرس على الشيخ علي زين الدين شرح الألفية، وقسماً من المختصر
للتفتازاني، ودرست حاشية ملا عبد الله في المنطق على الشيخ محمد رضا
العامري
والشرائع على الشيخ عبد الكريم شمس الدين، والمعالم واللمعة على
المرحوم الشيخ محمد
على الصندوق، ولكني تمحّضتُ في أكثر دروسي بعد ذلك على الشيخ محمد أمين
زين الدين،
فأخذت عنه الكفاية والرسائل وقسماً من المكاسب وأكثر شرح منظومة
السبزواري في
الفلسفة الإسلامية، وقد تنقلت في حياته الدراسية على أساتذة كثيرين،
ولكني لم أجد
من هو أجلى بياناً، وأكثر إيصالاً من الشيخ محمد أمين زين الدين))
.
((
وكانت لأستاذي هذا رحلات سنوية قد تمتد أشهراً في بعض الأحيان،
يستوطن فيها قريته نهر خوز في قضاء أبي الخصيب، أو يذهب فيه للإرشاد
والتوجيه
الديني إلى أتباعه في البحرين، فأجد عناءً كبيراً في العثور على أستاذ
أنسجم مع
بيانه انسجامي مع الشيخ زين الدين، حتى إذا أكملتُ مرحلة السطوح، كما
كانت تسمى في
النجف، وانتقلت إلى مرحلة الخارج في بحث سيدنا الإمام الخوئي، ( قدّس
سرّه)، استرحت
من هذا العناء
((.
((
أمّا حياتي الأدبية، والشعرية بوجه خاص، فإذا كنت مديناً فيها
لأحد فلهذين الشيخين الجليلين: محمد أمين زين الدين وسلمان الخاقاني،
فهما اللذان
وضعا اللبنَة الأولى في أساس ظللتُ أبني عليه، بعد ذلك، حتى خُيّل إليّ
أنه أعجب
كثيراً من النّظارة
((.
|