مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

الحركة الأدبية في النَّجف

من الظواهر المعروفة في تاريخ المراكز العلمية الإسلامية في العالم انبثاق الأدب من واقع الحركة العلمية ونشأته، نمواً وتطوراً، في أحضانها. وفي الغالب يزدهر بازدهارها ويضمر بضمورها.

والنجف الأشرف، باعتباره مركزاً من المراكز العلمية الإسلامية، لم يختلف عن لداته من المراكز العلمية الإسلامية الأخرى في وجود هذه الظاهرة التي تمثل العلاقة بين العلم والأدب، في انبثاق الثاني من الأول، ونشأته في أحضانه، وفي أجواء بيئته الطبيعية والثقافية.

ومن المعروف، تاريخياً، أن بدايات وجود الدرس العلمي الديني في النجف الأشرف كانت في القرن الرابع الهجري.

إلا أن تلكم البدايات لم ترتفع إلى المستوى المساعد على انبثاق الأدب من العلم فيها، لأنها كانت بدايات صغيرة ومحدودة، وسبب هذا هو بطء حركة الهجرة إلى النجف والسكن فيه آنذاك.

وعندما انتقلت المرجعية الدينية من بغداد إلى النجف الأشرف في القرن الخامس الهجري، متمثلة بالشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، المرجع الديني للشيعة الإمامية آنذاك، حيث هاجر من بغداد إلى النجف الأشرف، وهاجر معه طلابه وأصحابه ومريدوه من رجالات الشيعة الإمامية، ازدهرت الحركة العملية، ولكن لم يقدر لها أن تتمخض عن حركه أدبيه ملازمه لها، لانشغال الشيخ الطوسي ومن معه بإرساء وتثبيت دعائم الحركة العلمية وتنظيم أوضاعها، وترتيب أحوال أساتذتها وطلابها.

وبعد وفاة الشيخ الطوسي، ضمرت الحركة العلمية في النجف، وسبب ذلك نشوء مدينة الحلة، وانتقال الحركة العلمية الإمامية إليها، ((في أخريات القرن الخامس أنشأ الأمير العربي سيف الدولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي الحلة)).

))وبعد تأسيسها بقليل انقلبت الحضارة العراقية إليها، وتقدمت تقدماً باهراً حتى على الزوراء، ولا سيما بعد مزعجات التتار عليها، التي سلمت الحلة منها، وهي إلى جنبها، ثم اتسعت معارفها وتكاثرت فيها العلماء حسب اتساعها وحضارته)).

)) وبعد نصف قرن من ظهورها نبغت فيها أساطين الإمامية ونوابغ الدهر وعجائب الدوران، كإبن إدريس الحلي صاحب السرائر أستاذ نجيب الدين بن نما الحلي، وهو أستاذ نجم الملة والدين الشهير بالمحقق على الإطلاق، صاحب كتاب الشرائع، وحسبك العلامة الحلي الشهير بابن المطهر وولده فخر المحققين صاحب الإيضاح، وكثير من أمثالهم)) .

)) وكانت الحلة من أول القرن الخامس إلى أربعة قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عن الشيعة الإمامية)) .

ومنذ القرن التاسع الهجري، حيث أخذ نجم الحلة بالأفول، عادت الحركة العلمية في النجف تأخذ بالنمو فالازدهار.

وعند حلول القرن العاشر الهجري، أخذ أبناء القبائل العربية بالهجرة إلى النجف الأشرف لطلب العلم في الحوزة العلمية، والمجاورة لمرقد الإمام أمير المؤمنين (ع)في مدينة النجف. والأدب، كما هو معروف، وبأشكاله الفنية، شعرية ونثرية، من السمات البارزة في حياة العرب، وقد نبغ منهم العديد من الشعراء والخطباء والكتاب، وفيهم الأفذاذ الذين اشتهروا على مستوى القطر العراقي، وعلى مستوى العالم العربي، كما فيهم النوادر الذين اشتهروا على مستوى العالم، أمثال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والأستاذ محمد مهدي الجواهري والسيد أحمد الصافي النجفي.

ومن أولئكم القبائل العربية التي هاجر بعض من أبنائها إلى النجف واستوطنوها خلال القرن العاشر: آل البلاغي وآل الجزائري وآل محيي الدين.

ثم توالت هجرات بقية أبناء القبائل العربية الأخرى.

ففي القرن الحادي عشر هاجر إلى النجف عوائل من آل الأعسم وآل النحوي وآل قسام.

وفي القرن الثاني عشر الهجري هاجر إلى النجف جل أبناء العشائر العربية النجفية المعروفة الآن، الذين برز منهم في العلم والأدب النخبة من الرجالات النوابغ، وهم: آل كاشف الغطاء، وآل بحر العلوم، وآل الظالمي، وآل الشيخ عبد الرسول، وآل الفرطوسي، وآل قفطان، وآل المظفر، وآل أطميش، وآل زاير دهام.

وفي القرن الثالث عشر الهجري هاجر إليهم آل الشبيبي، و آل الدجيلي، و آل سميسم، و آل السوداني، و آل مطر، و آل الغراوي، و آل الخرسان، و آل العصامي، و آل زوين وغيرهم.

وارتبطت هذه الحركة الأدبية النجفية بمثيلاتها في البلدان العربية، أمثال مصر وسورية ولبنان، وتفاعلت مع مثيلاتها الأخرى في البلدان غير العربية، وبخاصة في إيران، للرابط المذهبي بين أبناء النجف وأبناء إيران، ولأن الحوزة العلمية في النجف تضم الوفرة من العلماء والطلاب من الجالية الإيرانية.

ولا يخفى تأثير هذا التفاعل الثقافي والأدبي بين الحركة الأدبية في النجف الأشرف والحركات الأدبية الأخرى في البلدان العربية فقد مرت بنفس المراحل التي مرت بها تلكم الحركات، خلال هذه الحقبة من الزمن الممتدة من القرن العاشر الهجري حتى عصرنا هذا، وهي :

- العهد العثماني .

- عهد النقلة. -العهد الحديث .

ففي العهد العثماني، كما هو معلوم، اعتمد الأسلوب الأدبي في الشعر والنثر، معطيات علوم البلاغة العربية التي ذكرت في أمثال كتب الزمخشري والسكاكي والتفتازاني، حيث التأكيد على اللفظ على حساب المعنى، والذهاب في تقديس اللفظة إلى حد الإسراف، حتى هيمنت على الصورة الأدبية، شعراً ونثراً، الألوان البديعية ذات الجمال المصنوع.

وقد استمرت هذه المرحة إلى بدايات القرن الرابع عشر الهجري حيث داخلت مرحلة النقلة الأدبية.

وقد كنت أطلقت هذا العنوان، (مرحلة النقلة الأدبية)، في بحث لي سابق عن هذه الحقبة الأدبية من الزمن، لخضرمة أعلامها من الأدباء بين العهد العثماني وعهد النهضة العربية الحديثة، ولتطعيم نتاجاتهم الأدبية بشيء مما عرف فيما بعد إنه من سمات الأدب العربي الحديث، بما ساعد على تحول الأدب العربي مما كان عليه في العهد العثماني إلى ما آل إليه في العهد الحديث.

ولأن الدوريات الأدبية كان لها الدور الأهم في التطورات الأدبية، لنا أن نطلق على مرحلة النقلة الأدبية عهد العروة الوثقى، المجلة الثقافية التي كان يصدرها في باريس السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده منذ عام 1884 م ، وقد (( صدر منها 18 عدداً ، وكانت لسان حال جمعية العروة الوثقى الداعية إلى عزة الإسلام وحرية العالم الإسلامي ))، وذلك بالنظر إلى انتشارها بين أبناء العرب آنذاك ، ولدعوتها للتجديد علمياً وأدبياً، وللنهضة من الجمود على القديم الذي لا قدرة له على التفاعل مع الحياة العربية الإسلامية وما يدور في فلكها من أحداث تستدعي التغيير إلى ما هو أفضل .

فقد تأثر بها جلُّ العلماء العرب المعاصرين لها ، وكان خاتمتهم في النجف الأشرف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ( ت 1373 هـ) ، وتمثل طابع النقلة فيما نشر من شعره ، وفي كتابه الشهير الدين والإسلام ، فقد لمسنا فيهما صدى الفنون البلاغية العربية كالسجع والجناس ، وهو من القديم ، وقرأنا فيهما بعض ما أفرزته الثقافة الحديثة ، وهو من الجديد .

وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري كانت بدايات العهد الأدبي الحديث في النجف الأشرف .

ولنا أن نسمي هذه البدايات بمرحلة أدب الرسالة ، المجلة الأدبية التي كان يصدرها في القاهرة الأستاذ أحمد حسن الزيّات ( ت 1388 هـ / 1968 م) ، منذ عام 1933 م حتى عام 1953 م حيث احتجبت ، ثم عادت للظهور عام 1963 م ثم بعد فترة احتجبت .

وفي عام 1351 هـ ، هاجر شيخنا زين الدين من مسقط رأسه مدينة البصرة إلى النجف الأشرف ، لإكمال متطلبات دراسته الدينية في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف ، والتقى فيها بأدبائها وحضر مجالسها الأدبية الخاصة والاحتفالات بذكريات أهل البيت عليهم السلام العامة ، واختص أدبياً بصديقة الحميم ورفيق دربه في مسيرته الأدبية الشيخ سلمان الخاقاني (1332 هـ - 1408 هـ)، واستقر في النجف مستوطناً حتى وفاته، رضوان الله عليه.

وسأعود إلى هذا بعد أن أحاول تعريف الأدب النجفي في أهم خصائصه وأنواعه وعوامله.