مؤسسة الشيخ زين الدين ( قدس سره ) للمعارف الاسلامية

شخصية الشيخ زين الدين الأدبية

وكما مر بنا، هاجر أستاذنا الشيخ زين الدين من البصرة إلى النجف عام 1351 هـ، حيث البدايات الأولى للصراع الثقافي بين القديم والجديد في دنيا أدب النجف، فكان عليه، وهو الطموح الذي يتطلع لأن يكون أديباً من أدبائها، أن يدخل هذا المعترك، ولأنه كان ابن الثامنة عشرة في حينها كان عليه أن يكون في صف الشبان، أي مع الجديد.

وكما ألحمت، ففي النجف التقى بصديقه الحميم ورفيق دربه في مسيرته الأدبية الشيخ سلمان الخاقاني.

والخاقاني من الشبان القلائل الذين كانوا يعنون بمتابعة الكتب الأدبية الحديثة أمثال مؤلفات الدكتور طه حسين، والدكتور زكي مبارك، وعباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، ومصطفى صادق الرفاعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وأحمد حسين الزيات، وأحمد أمين، ويوسف السباعي، وسيد قطب، ويحيى حقي، ونجيب محفوظ، ومارون عبود، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة...الخ.

وكذلك الدوريات الأدبية الحديثة أمثال: الرسالة والرواية والثقافة والهلال والكاتب المصري والكتاب والعرفان والعروبة والهاتف والاعتدال ...الخ.

وممن كان يتابع النتاج الأدبي الحديث من قرناء الخاقاني سناً : الأستاذ صالح الجعفري ، وأستاذنا السيد محمد تقي الحكيم ، والسيد محمد جمال الهاشمي ، وآخرون قليلون .

وكان لأستاذنا زين الدين متابعة أيضاً ، ولكن ليس عن طريق الاقتناء شأن من قدّمت أسماءهم لقلّة ذات يده ، فكان متابعة لما تصدره المطابع من إنتاج أدبي حديث عن طريق الاقتناء في حدود الميسور ، وعن طريق الاستعارة من زميله الشيخ الخاقاني .

وبطريق الاقتناء استطاع ، مع مرور الزمن ، أن يكوّن لنفسه مكتبة أدبية مغنية كمرجع أدبي خاص.

نثره:

وكان لمجلة الرسالة دور العامل الأهم في تكوين أسلوبه الأدبي لكتابة المقالة ، فقد تأثر بافتتاحياتها تلك التي كان يحررها صاحب الرسالة الأستاذ أحمد حسن الزيّات ، والتي طُبعت فيما بعد تحت عنوان وحي الرسالة بأربعة أجزاء ، وكانت من مقتنيات شيخنا زين الدين ومحفوظات مكتبته الخاصة ، وقد رأيته كثير القراءة لها والتأثر بها في كتاباته، لاسيما مقالاته الأولى .

وبعد أن استقلّ بشخصيته الأدبية استقلّ بأسلوبه الخاص به الذي ينتمي أدبياً إلى أسلوب الزيّات ، أو قل إلى مدرسة الرسالة في أسلوب المقالة.

والعوامل التي ساعدت أستاذنا زين الدين على الاستقلال بأسلوب أدبي اختصّ به في كتاباته النثرية هي :

1- طموحه ، فقد كان بعيد الطموح وذا نزعة قوية في الطلوع إلى قمة الكمال.

2- ثقته بنفسه، في القدرة على الفهم والإدراك، والنقد والرد ، والتحليل والتعليل، وعلى الاختراع والإبداع.

-3 اعتداده بشخصيته بعمق وقوة .

وكل هذه عوامل نفسية تساعد مساعدة فاعلة على الوصول إلى الهدف المنشود.

وتمثّل أبعاد أسلوبه في النثر الفني بالتالي :

1- اهتمامه بانتقاء اللفظة المناسبة لموضعها في سياق الجملة والكلام .

2- حرصه على أن تكون اللفظة خفيفة الإيقاع ، حيث تتطلب الفكرة ويقتضي السياق ، وثقيلة الجرس عندما تفرض المناسبة أو الموقف ذلك ، مع المحافظة على عذوبتها ذوقاً ، وسهولة أدائها نطقاً .

3- محافظته على العفوية ، أي البعد عن التكلف ، في انسيابية الألفاظ ضمن عقد تعبيري متناسب ومتناسق .

4- تأكيده على صفاء العام للمقالة، إلى مستوى لا يرى القارئ فيها إلا ترابطا ً عضويا ً في اللفظ والمعنى، فلا نبوة للفظ ولا كبوة لمعنى.

وقد أكثر من كتابة المقالات، وبخاصة في مناسبات ذكريات أهل البيت (ع) التي كانت تقام في البصرة والنجف الأشرف وسامراء، حيث يُقيمُ موكب النجفيين، الذي اعتاد أن يذهب إلى سامراء بمناسبة وفاة الإمام الهادي (ع) ، في اليوم الثالث من شهر رجب من كل عام، مهرجاناً كبيراً بالمناسبة.

نموذج من نثره الأدبي ((بلال يؤذن)) :

من أروع مقالاته الأدبية مقالته بعنوان "بلال يؤذن"، التي نشرها الأستاذ علي الخاقاني في مجلته البيان، وفي كتابه شعراء الغري ضن ترجمة الشيخ.

وقد لاقت عند نشرها استحساناً كبيراً من طبقة الأدباء القدامى وطبقة الأدباء المحدثين، وأعطته شهرته الأدبية في الوسط الأدبي النجفي كأديب له أسلوبه النثري المتميز.

ولأنها النموذج الممثل لأسلوب أستاذنا الجليل، رأيت نشرها هنا لتسليط بعض الضوء على ما فيها من أبعاد فنية... وها هي:

((ينعقد الحفل ويكتظ النادي بالمجتمعين، ويعم الجميع صمت رهيب وسكون خاشع، ومحمد يتحدث بصوت متزن الإيقاع، سماوي النبرات، يأخذ بالقلوب قبل الإسماع، ويمتلك العقول قبل النفوس، وكأن المجتمعين أهل طبقة واحدة، قد سوّت بينهم أخوة الدين الجديد، وجمعتهم سياسة النبي الحكيم، فلا فوارق ولا مميزات)) .

((تلك هي الجامعة المثالية التي أسسها محمد يوم وصوله إلى يثرب، فهي مجلس التشريع ومحكمة العدل، وهي هيكل العبادة ومسجد الصلاة، وهي مدرسة التهذيب ومعهد الثقافة، ومصدر جميع ذلك قرآن محمد وإرشاده)) .

 ((وللمسلمين كل يوم في ذلك المحفل أكثر من اجتماع واحد ، تتزاحم فيه المناكب ، وتتطاول فيه الأعناق ، وترهف فيه الأسماع لاستجلاء حكمة جديدة ، واستطلاع رأي سديد)).

((يتحدث محمد ويشير، والقلوب رهن إشارته وحديثه، والعيون تحصي كل لمحة من طرفه، وكل إشارة من كفّه)).

((وينتهي النبي من حديثه فيسكت، وسكوته إذنٌ للقوم بالكلام، فيبتدئون القول، ويستعرضون في كلامهم أمر الصلاة، وأي عمل عند المسلم أعظم من الصلاة، وأي حديث أشهى إليه من حديث الصلاة)).

((إنها اجتماع أرواح وائتلاف أبدان وقلوب، ثم هي تَحوّلٌ من حال إلى حال، وارتفاعٌ من كون إلى كون، حيث يلتقي العابد بالمعبود، ويتصل الخالق بالمخلوق)).

((ويذهب القول شعوباً، ويتخذ فنوناً وطرائق، ثم يلتقي عند الأذان فيتساءل الحاضرون باستغراب: إن لكل دين من أديان السماء شعاراً يبلغ أهله أمر الصلاة إذا أوكلناه إلى الصدفة، ولم لا يتّخذ المسلمون إحدى هذه العبادات شعاراً لصلواتهم)) ؟!

((فيقول أحدهم: إني رأيت أبواق اليهود أبلغ في إيصال الدعوة إلى المصلين)).

 ((ويقول الثاني: ولكن ناقوس النصارى أشجى نغمة، وأكثر اتصالاً بخشوع العبادة)) .

((ويقول الثالث: ولكن عرب قبل اليهودية والنصرانية، فهلا ّ نتخذ لصلاتنا ناراً كنار القرى، ولنسمّها إذا شئنا)) نار الصلاة ((ويقترح آخرون طرائق أخرى)).

((يقولون هذا، ومحمد مطرق لا يفوه بشيء، لأن الوحي لم يزوّده بشيء، ولنه يكبر دينه أن تدخله أمثال هذه العادات التي لا تشبه العبادة ولا تمتّ إلى العقيدة)).

((ليكن نداء الصلاة نداء أرواح لأنها اجتماع أرواح، ولكن الوحي لم يأته بعد بشيء، فهو مطرق)).

((وينفض الحفل والأذان حديث كلّ فم، و فكرة كلّ قلب، وتمرّ على المدينة ليلة قلقة يتناول الرأي فيها كلّ أحد، ويشترك في القول كلّ فرد، لأن الصلاة حق للجميع فالتفكر في شأنها من حقوق الجميع ما دام النبي لم يصدر رأياً، وما دام المحي لم يعيّن أمراً)).

((وينتهي الهزيع الأول من الليل، فتسري في المنتديات همسة من الرجاء، وتطوف عليها بارقة من الأمل، إنهم سيسمعون عند الفجر أول نداء للصلوات، ولكن ماذا يكون ذلك النداء، ويبيت الجميع في نشوة من الأمل، ووله من الانتظار، يتطلعون بشائر الفلاح عند الصباح)).

((ويتقلص ظل الليل الطويل، وتبدو طلائع الفجر الأول، تحمل تباشير النور، فيزدحم المسجد الأعظم، وتكتظ الشوارع القريبة، وتمتلئ الأفنية والسطوح)).

((ماذا يتأمل هؤلاء المزدحمون))؟

((إنهم ينتظرون نداء الصلاة، وعظم نداؤها، وعظمت القوة التي تملك الموجودات قبل وجودها)).

((ويبتسم الفجر، فينطلق صوت بلال بالأذان الأول (الله أكبر)، فتهتز قلوب، وتجري دموع، وترتفع إلى السماء أصوات متشابكة، هي مزيج من زغاريد النساء، وتكبير الرجال)).

((ويبدو وجه محمد أمام المسلمين، ويقيم الصلوات، فترتد الأنفاس، وتسكن الأصوات)).

(( يقول التاريخ: الأذان رؤيا صالحة رآها عبد الله بن زيد ((.

(( ويقول الأئمة من أهل البيت: الأذان وحيٌ تنزّل من السماء (( .

(( فهل لنا أن نصدق التاريخ إذا لم يعترف بصحته أهل البيت)) ؟!

(( وهل لنا أن نجوّز على النبي أن يعتمد في الأذان على الرؤيا، وهو المقيّد بالوحي فيما يقول وما يفعل ((.

(( الدين الإسلامي أبعد من أن يؤسس أحكامه على الرؤى مهما كان الرائي عبداً صالحاً ((.

(( ومن لنا أن نجعل رؤيا الأذان نوعاً من أنواع الوحي حجب عن محمد ليراه عبد الله بن زيد))؟!

(( وسواءً أكان الأذان رؤيا صالحة أم كان وحياً إلهياً، فقد أصبح شعيرة من شعائر الدين، وأصبحت لبلال مكانة جديدة عند المسلمين يوم كلّل جبينه وسام المؤذن الأول، واعتمده الرسول أميناً على أوقات الصلوات ((.

(( يسمع المسلمون صوت بلال في اليوم الواحد خمس مرات، ثم لا يزيد هذا التكرار أذانه إلا طلاوة، ولا يؤثر في قلوبهم إلا لهفة وشوقاً ((.

(( وتدول الأيام فيقبض الرسول، وينقطع الوحي، ويختم القرآن، وينقطع صوت داعي السماء ((.

(( وعاهد بلال أن يترك الأذان وفاءً لنبيّه، ولا بد له أن يفي ((.

(( ثم تمر على ذلك العهد أيام، وقلوب المسلمين متعطشة إلى صوت بلال ((.

(( وتمرض وحيدة النبي، (فاطمة)، فيعودها كبار المسلمين، ويأتيها الشيخ الوفي مع العائدين، فترحب به ثم تقول: لقد اشتقت إلى صوتك يا بلال، فيطرق بلال ثم يبكي ((.

(( إنه اقتراح عظيم بلال، ولكن لا بد له أن يجيب، لأن تقترحه هي وحيدة في الأمة)).

(( لقد ترك الأذان وفاءً لنبيّه، فليؤذن هذا اليوم وفاءً لنبيه أيضاً ((.
(( نعم سيؤذن بلال هذا اليوم، ولكن أذانه اليوم غير أذانه بالأمس)).
(( يشيع النبأ فتجتمع الأمة وتزدحم كازدحامها بالأمس، إلا أن الفراق جليّ بين اليومين، فإن الدموع لا تشبه الدموع، والخشوع لا يماثل الخشوع ((.

(( و بلال ينتظر الوقت وهو مطرق، لا يدري أيحسن الأذان هذا اليوم أم لا))؟!

(( ويجيل طرفه جولة ً في السماء فيعرف الوقت، ثم يجهد ليؤذن فلا يستطيع ((.

(( وبعد برهة يرتفع صوته مزيجاً من البكاء والتكبير، وتستحيل المدينة صرخة واحدة، يشترك فيها عويل النساء وبكاء الرجال ((.

(( ويجيء النذير إلى بلال، إن وحيدة رسول الله قد ماتت، فيقطع الأذان وينزل بين الحسرات والدموع ((.

(( لم تمت فاطمة يومئذٍ ولكنها ذكرى عهدِ حبيب تثير منها كامنا ً فتصعق، والوجد إذا تضاعف قتل ((.

إطلالة على نثره من خلال النموذج:

هذه رائعته الأدبية المشهورة، لوحة فنية تزهو بالألوان الجميلة، رسمت بريشة فنّان مبدع استمد فكرتها من التاريخ الإسلامي، وهنْدَسَ هيكلها من موحيات موهبته الأدبية، تلك الموهبة التي تحمل زخما ً عاطفيا ً ولائيا ًبتأثير ما كان يعيشه ) قدّس سره)، من عشق إلهي أخذ عليه كلّ أطراف تفاعله مع الفكرة، فأبرزها نوراً يرسل أشعته حزمة ضوء آسر، وقوة جذب ساحر، وكل هذا جاء نتيجة الأبعاد التالية:

1- عاطفة الكاتب: إن أستاذنا المقدس، الشيخ زين الدين، ممّن راضوا أنفسهم على

التقوى، فسما بنفسه روحانيا ً حتى تعلق بالملكوت الأعلى تعلقا ً إيمانيا ً واعيا ً أكسبه الولاء الخالص لله تعالى، ولمن أمر الله تعالى بولائهم وهم أولياؤه المصطفون الأبرار محمد وآله (ع)

وكان من نتائج هذا الولاء ما لمسناه فيه من رقة تأخذ عليه كل أبعاد عاطفته، عندما يكون بين يدي الله تعالى، وليس أجلى مصداقا ً لذلك من أن يكون عند فكرة إسلامية عبادية يكتب فيها قاصدا ً وجه الله تعالى والنصرة للحق.

وإنك إذ تقرأ هذه المقالة، (( بلال يؤذن ))، ترى عاطفته فيها واضحة وضوحا ً بيّناً، وذات مستوى واحد من أول المقالة حتى آخرها، وهذا يدلنا على أنه كتبها وهو مستحضر للغاية من كتابتها، وهي النصرة للحق والزلفى عليه تعالى.

أو قل تفاعل مع الفكرة وانفعل بها انفعالاً سايره في الكتابة عنها وفيها، مشبوب العاطفة حتى آخر حرف منها.

ومما أفادته التجارب في الكتابة الأدبية أن العاطفة المتفاعلة مع الفكرة تعمل وبقوة على تدفق الأسلوب على الكاتب، تدفقاً يستطيع معه الإجادة في التعبير كما يريد، وهو ما تجلّى بوضوح في صياغة هذه المقالة من ناحية تعبيرية.

2- إيقاع الألفاظ: إن النثر الفني لا يختلف عن الشعر الفني في ضرورة توافره

على العنصر الموسيقي، أو ما يعرف بالإيقاع.

وكما أن السعر عندما تتوهج عاطفة الشاعر أثناء نظمه يتناغم إيقاعه، ويتناسق جرسه، كذلك النثر الفني.

ولأن الشيخ زين الدين، كما أسلفت، كتب مقالته هذه وهو متوهّج العاطفة، جاء الجرس في ترابط الألفاظ كأنه إيقاع فاتن لقصيدة حب صوفية.

3- جمال التعبير: في المفردة والجملة، ثم المقالة كاملة، وهو ما يعبّر عنه في

الدرس النقدي بالصورة أو الشكل، ويقوم عنده، استخلاصاً من المقالة بين يدينا، على العناصر التالية:

أ- انتقاء الألفاظ الجميلة المناسبة وذات الإيقاع الفنّي المناسب.

ب- الموازنة والمواءمة بين الألفاظ في السياق الواحد، حيث اعتمد طريقة المقاطع القصيرة المتوازنة تنغيماً، وطريقة الفواصل المقفّاة سجعاً.

ج- توليد العبارة من الأخرى، للدلالة على معنى واحد، أو قل إعطاء المغنى الواحد بأكثر من عبارة واحدة، وهو ممّا يفرضه الأسلوب الخطابي، بغية شدّ المتلقي بالفكرة شدّاً قوياً لتدخل أعماق قلبه فتربطه عاطفياً إليها.

4- خطابية الأسلوب: هناك فرق جليّ بين أسلوب علمي يُصاغ بعبارة أدبية،

وأسلوب أدبي يحتوي فكرة علمية، حيث لا نلمس في الأول أثراً للخطابة، بينما تبين في الثاني بوضوح.

كما أن الأول يخاطب العقل مباشرة، والثاني يخاطب القلب أو العاطفة، وعن طريقها ينفذ إلى العقل.

والأسلوب في المقالة، موضوع الدرس، من النوع الثاني، ولكل واحد من الأسلوبين مقامه المناسب له، وهو ما يسمى في علوم البلاغة ب((مقتضى الحال(( أي ما يتطلبه الموقف.

وقد تفرد شيخنا زين الدين بهذا الأسلوب في حينه، بينما التزم معاصروه، كأستاذنا الشيخ محمد رضا المظفر، الأسلوب الأول.

ومن هنا يأتي دور الأستاذ زين الدين في الانتقال بأسلوب المقالة وكتابتها من مدرسة العروة الوثقى إلى مدرسة الرسالة – كما سيأتي.

وكما مارس الشيخ زين الدين كتابة المقالة، مارس أيضاً كتابة الرسالة، وقد تمثلت نماذجها فيما تبادله من رسائل مع صديقه وزميله الشيخ سلمان الخاقاني، وما أرسله إلى أخيه أستاذنا الشيخ علي زين الدين.

وهي- فيما أعلم – لا تزال مخطوطة.

كما أنها لا تختلف في أسلوبها الأدبي عن أسلوبه في كتابة المقالة. وربما كان فيها ميل إلى أسلوب الرافعي في رسائله المنشودة بعنوان أوراق الورد.

شعره:

كتب شيخنا زين الدين الشعر، ولكن على قلة، وكان يتحرج أن يعرف به لأنه في محيط لا يستسيغ ذلك، لأنه يريد من أهل العلم التفرغ للعلم.

وكأن قولة الإمام الشافعي:

ولولا الشعْرُ بالعُلماءِ يزري

 

لكنْتُ اليومَ أشعرَ من لبيدِ
 

لا تزال تأخذ مفعولها في الأوسط العلمية الدينية.

فمن غلب عليه الشعر من الفقهاء عُدَّ في رأي الناس في مصافّ الشعر، ونُسيت فقاهته، وأوضح مثال لهذا الشريفُ قديماً، والسيد الحبوبي حديثاً.

ومن هنا كان الفقيه يقول الشعر، ولكنه يعمل على أن لا يغلب عليه، وهذا بيّن في أمثال الشريف المرتضى قديماً، والشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء حديثاً، فقد غلبت فقاهتهما على شعرهما.

وللأستاذ علي الخاقاني- وهو ثورة على القيم الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، وهي غير قائمة على أساس متين يدعمها- موقف من موقف الشيخ من الشعر ذكره في كتابه شعراء الغري عند ترجمته له، قال:

(( وقد حباه الله بمواهب عالية في الأسلوب، فهو موفق فيه يستولي على الألباب الواسعة، ويهيمن على القلوب المتحجرة، وكتبه التي ألّفها دلّت على خبرته وإتقانه للأسلوب الأخاذ المشفوع بالخواطر الجليلة، وكتابه الأخلاق عند الإمام الصادق أبرزه بين مؤلفي العصر كعَلم على خلوده)).

(( وبقدر ما أوتي موهبة في الأسلوب النثري، فقد حاز على مقياس كبير في الشعر، ولكنه وقد أصبح زعيماً دينياً في قريته لا يستسيغ هذا اللون، ولا يحب نسبته إليه، وقد كلمته غير مرة بأن هذا الرأي لا قيمة له، وأن ما عندك أرجو أن أقف عليه، فكان يجاملني ويعتذر بوجود أشغال له تتعلق بدروسه وتدريسه، وكنتُ قد أحببت بأن أثبت روايته التي وصف بها المسلول وشخّص هذا الداء الذي استفحل في بلادنا، غير أنه كان يواصلني بنفس العذر، ناسياً أن هذا اللون من السلوك رجعي لا قيمة له، وناسياً أن الخلود لا يصيبه من ناحية رأيه السلبي بل من الطرق الإيجابية التي تخدم المجتمع بأس أسلوب، نثراً كان أو نظماً، وبهذا السلوك عرّفني أنه لا يزال في حظيرة الرجعية التي ستقضي على كثير من مواهبه وتقبره)).

ولكل محيط اجتماعي، علمياً كان أو غير علمي، أعرافه السائدة التي وجدت بسبب عوامل فرضتها، قد تكون تلك العوامل ناهضة بالتسبيب، وقد تكون غير ناهضة.

ويرجع واقع استمراريتها وعدمه إلى أن الأعراف إذا كانت في مجتمعات سريعة التغيّر سرعان ما تتغير، وإذا كانت في مجتمعات بطيئة التغير تبطئ في تغيرها، وربما لا تتغير حتى مع وجود ما يتطلب تغيرها، ومن هذه العرافُ الاجتماعية في الأوسط الدينية.

والحق أنه لا بد من الجمع بين الفقه والأدب، ذلك أن الفقيه في مجال الاستنباط يتعامل مع النصوص الشرعية من القرآن الكريم والحديث الشريف، والأدب يساعد مساعدة مباشرة وفاعلة على فهم دلالات النصوص الشرعية ومؤدياتها، فالفقيه الأديب أدرى بشعاب مكة لأنه من أهلها.

ومن هنا صنّف المعاصرون الفقيه إلى:

- فقيه ذوقي، وهو الذي يصل إلى مؤدى النص ودلالته عن طريق ذوقه الأدبي.

- فقيه صناعي، وهو الذي يعتمد القواعد العلمية، بعيداً عن الأدب في فهم النص.

يقول الشيخ عبد الحسين الحلّي، وهو من الفقهاء الأدباء:

(( إن طالب العلم الأديب عارف بأخبار ( أحاديث) الأئمة (ع)، إذ إن لديه ذوقاً أبياً يميز به الإمام من غيره، ويعرف بذوقه سبك العبارات وتراكيبها، فالعالم الأديب أعرف بكثير من العالم غير الأديب ((.

ولكن القضية، كما يقال، أمر مرفوض إلا أنه واقع مفروض.

ولشيخنا، ( قدّس سرّه )، قصائد قليلة جداً، منها:

1- قصيدة طويلة في ذكرى مولد رسول الله وآله، عنوانها ((شعلة من النور)).

2- قصيدة أخرى في طفلته الأولى عنوانها )) طفلتي الجميلة (( .

3- وله ديوان أسماه أمالي الحياة، وهو مجموعة من الثنائيات والثلاثيات

والرباعيات، أملتها عليه تجاربه في الحياة، أو التجارب أخرى تعرّفها من سواه، وهو – في حدود علمي- لم يطبع بعدُ، ومنه قوله:

إنما الدين وحدة القلوب
وإذا رثت العقيدة يوم
 

 

ربط الحب بعضهن لبعض
قلب الجور حبّهنّ لبغضِ
 

وقوله:

شدّ الزمان على يدي ليقول لي
حلم يمرُّ بفكرة مخمورة
 

 

إني بقية ظاعنين ترحلوا
قد ينطوي عَجلا ً وقد يتمهل

وقوله:

سِر في الظلام فقد تخامر فكرة
والحرُّ إن ركب الصعاب لغاية
 

 

للزيت حين يؤجّج المصباحا
في نفسه وجد الظلام صباح
 

وله رواية شعرية بعنوان المسلول، ويأتي الحديث عنها وذكر نماذج مما جاء فيها.

ولنذكر هنا قصيدته في المولد النبوي الشريف، لكي نحاول التعرف على أجوائها وأبعادها، وها هي:

شعلة من النور

أرج من الزهر المندّى
وعلا على الوادي ضيا
قبسٌ من النور استطا
من بيت هاشم والجوا
حيث المفاخر ليس تُحـ
 

 

قد ضوّع الآفاق ندّا
ء من قراراته تبدّى
ل فشعّ في الأجيال وقدا
هر من معادنها تبدى
ـصى والفضائل لن تُعدّ
 

 

***

 

ماذا بمكّة فهي تز
من زلزل الأصنام عن
نبأ يجلّ مقامه
نبأ له قلب الجزيـ
يا ليلة الميلاد والمجـ
يا غرّة التأريخ يشـ
لك منّة لسنا نو
ألْبستِ هذا الكون ثو
وبنيت مجد العرب بعـ

 

هو منظراً وتميس قدّ
أنصابها قسراً وأردى
عن أن يُعرّف أو يُحدّا
ـرة كاد أن ينقدّ قدا
ـد المؤثّل منك يبدا
ـرق نورها في الكون سعداً
فّي حقها شكراً وحمداً
باً للمحاسن مستجدّا
ـد أن انطوى زمناً وأكدى

 

***

 

بطحاء مكّة فاخري
بشراك يا مهد النبو
وطويت عهداً للشقا
واستقبلي الآمال با
عقدت على مهد الوليـ
وتوسّمت في الطفل أن
ومحمد يستقبل الوفّ
بادي البشاشة قد تلـ

 

شهب السما شرفاً ومجدا
ـوة قد سعدت اليوم جدّا
فاستقبلي للسعد عهداً
سمة فقد أمَّتك وفداً
ـد رواقها (كلفاً ووجداً)
ستنال في مسعاه قصداً
د تكريماً ووعداً
تفّع من جلال الله برداً

عهد النبوة

عهد النبوّة طبت عهداً
وبنورك استهدت قلو
والدهر إن دام الفخا
حيث الجزيرة والضلا
ونواقص العادات قد
والظلم عمّ فلا ترى
فاستأصلت حتّى البنيـ
وتفنّنت في الجهـ
سيل من الأوهام قد

 

لبست بك الأيام عقدا
ب في عمايتها تردّى
ر فمن علاك قد استمدّا
ل يعمّها سهلاً ونجداً
ضربت على الخلاق سدّا
إلا ظلوماً مستبدّا
ـن بظلّها قتلاً ووأدا
ـل حتّى ألّهت نسراً وودّا
غمر العقول وسال مدّا

 

***

 

وإذا بأحمد يملأ الأسمـ
وإذا به يتعرّض الأو
فرد يقود إلى الكفا
متدرّعاً بالصبر درعاً
وأقام يهتف بالجمو
عندت عن الحق الريـ
وأبت لها الأهوا

 

ـاع إيضاحاً ورشدا
هام تحليلاً ونقدا
ح من الحفاظ المرّ جندا
مرهفاً للعزم حدّا
ع فلا تعي للقول ردّا
ـح وأعلنت كفراً وجحدا
إلاّ أن تضلّ الحق عمدا

 

***

 

يا منقذ الإسلام قد
جهلت قريش فما رعت
ورمتك بالأحقاد حيـ
فبعين ربّ البيت ما
وبعين رب البيت تنـ
جهلت بأن البيت يثـ
فرحلت ميمون النقيـ

 

أوريت للإسلام زندا
لك بينها رحماً وودّا
ـث استهدفتك أذىً وطردا
قاسيته في الله جهدا
ـأى عن جوار البيت بُعدا
ـكل حين تبعد عنه صدّا
ـبة منجزاً لله وعدا

إلى المدينة

يا قبّة السلم خلداً
هذا محمّد يقطع ال
وأتاك والشرف الرفيـ
فاستقبليه وارفعي
لبّيت دعوته فكنـ
فتقدّمي للذبّ عن
ولترعي الأمم الرهيـ

 

(جدّي فإن الدهر جَدّا)
آكام تعريساً ووخدا
ـع يسير في مسراه حشدا
بذراك للإسلام بندا
ـت لسيف دعوته فرندا
إسلامه شيباً ومُردا
ـبة للثرى وجهاً وخدّا

 

***

 

هذي قريش أقبلت
فتجمّعي لتقاتلي
واستنهضي للزحف غُل
تبدو وقائدها الأميـ
يقفو بها سنن الهدى

 

لتفلَّ من علياك حدّا
من جهلها خصماً ألدّا
ـباً من جنود الله أسدا
ـن يشدها للحرب شدّا
ويدلّها الرأي الأسدّا

 

***

 

وأتت قريش تملأ الـ
زحفت بأفئدة تكا
وكواذب الأحلام تأ
فحبت لها أبطال يثـ
تستهدف الألباب طعناً
فاسأل قريشاً ما الذي
عرفت نتيجة جهلها
من حارب الأقدار كا

 

آكام إبراقاً ورعدا
د تفور بالأضغان حقدا
مل أن تعيد الحرّ عبدا
ـر كالهضاب الشمّ سدّا
والطلا ضرباً وحصدا
شهدت به بدراً وأُحدا
فتنكّدت صدراً ووِرْدا
ن لحتفه يسعى مُجدّا

إطلالة على شعره:

وبعد،

فإدخال أن القارئ الكريم يدرك، وهو يقرأ هذه الملحمة الشعرية الجميلة، أن أستاذنا ( قدّس سرّه) متأثر إلى حدّ بعيد بنثره، وبخاصة في الجوانب التالية:

- انتقاء الألفاظ.

- صفاء الديباجة.

- ترابط السياق.

- شبوب العاطفة.

- التفاعل مع الفكرة.

والقصيدة، عروضياً، من مجزوء بحر الكامل، وهو من الأوزان الراقصة التي تتناسب والمناسبة حيث السرور والحبور.

اعتمد فيها، حسبما تفرض المناسبة، طريقة السرد التاريخي، وتسلسل الحوادث منذ مولد رسول الله وآلr وما تلاه.

ويبدو أن المذكور في المصدر ليس القصيدة بكاملها.