لقد تراءى للإمام الحسين (عليه السلام) بعد الرسائل العديدة التي وصلته من أهل الكوفة أن يرسل مبعوثاً عنه الى أهالي الكوفة؛ ليمهّد له السبيل للوصول إليها، وليخبره بواقع الحال؛ كي يضع الخطة المناسبة لذلك. وليس بخافٍ أن هذا السفير الذي يرسله الإمام الحسين (عليه السلام) نائباً عنه الى الكوفة لا بد أن يتّصف بصفات عالية جداً, تمكّنه من تحمّل أعباء هذه السفارة والنيابة. فكان اختياره (عليه السلام) لمسلم بن عقيل، ليس لكونه ابن عمّه ولكن لما وجد فيه من الحكمة والشجاعة الفائقة, والإخلاص البليغ. فاتّجه مسلم بن عقيل (عليه السلام) سائراً صوب الكوفة من مكة المكرمة حيث الإمام الحسين (عليه السلام) بقي منتظراً نتائج وصول هذا النائب المجاهد عنه (عليه السلام)، وذلك في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك سنة 60هـ، مصاحباً لدليلين يدلاّنه على الطريق، وكان الوقت صيفاً ورمال الصحراء اللاهبة ترمي بشررها هذا الركب الماضي الى الكوفة. وفي هذا الطريق الصحراوي الأجرد هنالك صعوبات وأهوال ومخاطر جمة ومتاهات، خصوصاً في ذلك العصر الذي لم تتوفر فيه الطرق المعبّدة ووسائل النقل كما الآن. ولقد وقع هذا العبد الصالح والسفير الناصح مسلم بن عقيل (عليه السلام) في مأزق مرير حينما ضلّ الدليلان اللذان كانا معه يدلاّنه الطريق الأقرب والأسهل الى الكوفة طريقهما، فنفد الماء وماتا من عطشهما. مما تعذّر على سفير الإمام الحسين (عليه السلام) حملهما، فتركهما وجدّ السير حثيثاً حتى استبان له الطريق، ولاحت له منابع الماء، فحط الرحال عند ذلك المكان وهو في غاية التعب. ومن بعد استراحته واصل سيره نحو الكوفة لمفرده, فدخلها في الخامس من شهر شوال من نفس السنة، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي واتخذها منطلقاً للعمل السياسي الإسلامي في مدينة الكوفة، منها كان يخبر الإمام الحسين (عليه السلام) عن حالها وأهلها... فسلام على ثقة الإمام الحسين (عليه السلام) وسفيره يوم استشهد ويوم يبعث حيّاً. |