اليوم الثالث من صفر المظفر
شهادة زيد بن الإمام زين العابدين (عليه السلام)

سرعان ما وصلت أخبار دعوة زيد بن علي الناس للقيام بالثورة ضد الاُمويين، الى مسامع الخليفة الطاغية الاُموي هشام بن عبد الملك، فأرسل عليه الى الأمتثال بين يديه في دمشق حيث الخلافة الاُموية الظالمة، فلما حضر توعّده وهدّده هشام ليصرفه عن هدفه، فلم يعبأ زيد بذلك كله. فأراد هشام إهانته فاستدعى حشداً كبيراً كيلا يجلس زيد في مكان مناسب، بل كي يجلس حيث ينتهي المجلس، وكان الذي كان.
وسأل هشام زيداً عن الأموال التي ادعى أنّ خالد القسري قد أودعها عند زيد فأنكر زيد ذلك وقال له: (أحلف لك. فقال هشام: وإذا حلفت اُصدّقك؟. قال زيد: اتق الله. فقال هشام: أومثلك يا زيد يأمرني بتقوى الله؟. قال زيد: لا أحد بأن يوصى فوق تقوى الله، ولا دون أن يوصى بتقوى الله.
قال هشام: بلغني أنّك تريد الخلافة ولا تصلح لها؛ لأنك ابن أمة.
قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم (عليه السلام) ابن أمة، وإسحاق ابن أمة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم محمد (صلى الله عليه وآله). فعندها قال هشام الطاغية له: قم.
قال زيد الثائر: إذن لا تراني إلاّ حيث تكره. ولما خرج من الدار قال: ما أحبّ أحد الحياة إلاّ ذلّ).
وأمر بعد هذا الحوار هشام البغي والعدوان أن يرسل زيداً الى العراق، لمقابلة خالد القسري بزعم إيداع الأموال لديه، فلما وصل زيد الكوفة قوبل بخالد القسري، فأنكر خالد دعوى إيداع الأموال عنده. عند ذلك نفّذ يوسف بن عمر والي العراق أمر هشام بأن لايبقيه في الكوفة، ويسرع في إخراج زيد منها، وفعل ذلك وأمر الجند بمرافقة زيد الى المدينة المنورة.
ولما وصل زيد الى منطقة تسمى القادسية تركه الجنود وعادوا، والتحق به جماعة من أنصاره وأصرّوا عليه بالعودة الى الكوفة، وذكروا أن له أنصاراً كثيرين ينتظرونه. فعاد فعلاً، وبدأ الثورة ضد عرش هشام الاُموي وأبلى بلاءً حسناً. لكن والي الكوفة يوسف بن عمر الجزار استطاع إخماد هذه الثورة بعد معارك ضارية خلال يومين، واستشهد زيد فيها وجماعة من أصحابه، ودفن في ساقية ليعفى أثره بإجراء الماء عليه.
ولما علم الوالي الاُموي يوسف بن عمر أمر بإخراج جثمانه وقطع رأسه وأرسله الى الشام، وصلب جسده في الكوفة، وقد بقي على هذه الحالة لمدة أربع سنوات أو أكثر، ثم اُنزل من الصلب واُحرق وذُرّي ترابه في نهر الفرات.
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ استشهاده، وأرجح الروايات هي سنة مئة وعشرين للهجرة الشريفة.
ومضى زيد شهيداً سعيداً ومرقده ظاهر مدينة الكفل يناطح السحاب، ولم يبق لهشام الطاغية الاُموي أيُّ عين أو أثر.