اليوم الخامس عشر من شوال:
معركة اُحد وشهادة حمزة عم النبي (صلى الله عليه وآله)، سنة 3 هـ

كبر على قريش والمشركين دعوة النبي لهم للإسلام وانتصارته الإلهية العظيمة، في حين واصل النبي (صلى الله عليه وآله) عملية بناء الإنسان والدولة الإسلامية وفق توالي الآيات القرآنية المباركة، وهي تشرّع للإنسان سلوكه وحياته والنبي يضع التفاصيل ويطبق الأحكام.
فتظافرت الدواعي والادعاءات عند مشركي مكة ومن والاهم لخوض حرب جديدة لتقويض الكيان الإسلامي المبارك، وفي مقدمة اُولئك أبو سفيان زعيم البيت الاُموي، وكذلك التجار الذين فقدوا امتيازاتهم المحرمة.
فكانت الحرب محاولة لإضعاف المسلمين وتأمين طرق التجارة الى الشام، ومما أسهم في تأجيج الحرب أيضاً تحريض يهود ومنافقي المدينة لقريش وغيرها لغزو المدينة والقضاء على الإسلام.
وسارع العباس بن عبدالمطلب الى الكتابة للنبي (صلى الله عليه وآله) يخبره عن اجتماع قريش على الحرب، وتهيئتهم العدّة والعدد، واستنفارهم القبائل الاُخرى, وقد خرجت النسوة معهم أيضاً. ووصل الكتاب سرّاً الى النبي (صلى الله عليه وآله) فكتم الخبر عن المسلمين، حتى يتم له استيضاح الأمر ويعدّ له العدّة اللازمة.
وشارفت جحافل الشرك على المدينة, فبعث النبي (صلى الله عليه وآله)
الحباب بن المنذر سراً؛ ليستطلع أمر العدو ـ بعد أن بعث إنساناً ومؤنساً، ابني فضالة ـ فجاء الخبر متوافقاً مع كتاب العباس وخبر ابني فضالة، فأخبر الرسول عدداً من المسلمين بذلك واستعدوا وتأهّبوا للعدو خشية مداهمته.
ثم تشاور الرسول (صلى الله عليه وآله) مع أصحابه بعد أن أعلن قدوم قريش لحرب المسلمين، فاختلفت آراؤهم بين التحصّن بالمدينة أو الخروج لمجابهة العدو خارجها، ولم يكن ذلك عسيراً على النبي أن يحدّد الخطة الكاملة للحرب بعون الله, لكنه أراد أن يعدّ المسلمين نفسيّاً لذلك، وأن يشعرهم بمسؤولياتهم. ثم صار الاتفاق على ملاقاة العدو خارج المدينة صيانة لها ولأهلها المسلمين.
ثم صعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) المنبر يوم الجمعة وخطب المسلمين ووعظهم وأمر بالجد والجهاد والصبر، وبعد الصلاة دخل داره ولبس لامته، وخرج النبي (صلى الله عليه وآله) في ألف مقاتل من المسلمين، ورفض أن يستعين باليهود ضد المشركين، قائلاً: (لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك). وبقي المنافقون وعلى رأسهم عبدالله بن اُبي بثلاثمئة وبقي الرسول بسبعمئة، وكان عدد المشركين أكثر من ثلاثة آلاف.
وعند جبل اُحد وضع النبي (صلى الله عليه وآله) خطة محكمة وخطب المسلمين، ووعظهم بضرورة الوحدة والجهاد والصبر لينالوا الظفر بذلك، ثم نشب القتال، وكان المسلمون في أعلى الجبل، فتعاصى أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتركوا أماكنهم للحصول على غنائم الحرب بعد إذ ولى المشركون هاربين فزعين.
فكرّت قوى الشرك بعد إذ رأت المسلمين ينكبّون على الغنائم، وكان المشركون بقيادة خالد بن الوليد، دخلوا من الثغرة التي نهى الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تركها، حتى كادت قوى الشرك أن تصل الى النبي (صلى الله عليه وآله) لولا استبسال علي بن أبي طالب (عليه السلام) و حمزة بن عبدالمطلب (سلام الله عليه) وسهل بن حنيف، وقلة قليلة ثبتت في ساحة القتال، حتى نال حمزة بن عبدالمطلب (سلام الله عليه) الشهادة، فكان سيد شهداء زمانه.
ثم بلغ بعض المشركين الوصول الى النبي (صلى الله عليه وآله) فكسرت رباعيته وشقّت شفته، فكان يمسح الدم ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم...؟)، وقاتل حتى صارت قوسه شظايا. وأخذ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يذبّ عن الرسول ويكافح حتى هزم المشركين، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله، هذه المواساة, فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (إنه منّي وأنا منه).
فسمعوا صوتاً يقول: (لا سيف إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ عليّ).
وانسحب المشركون يجرّون أذيال الخيبة والخزي.
وأخذ الرسول والإمام علي (صلى الله عليه وآله) بدفن الشهداء وقد هالهم ما مثّلت به قريش, ولما أبصر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عمّه حمزة بن عبدالمطلب وقد مثل به واُخرجت كبده، فقال (صلى الله عليه وآله): (ماوقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا)، فدفنه. ثم عاد والمسلمين الى المدينة المنورة
(1).
(1) راجع أعلام الهداية، محمد المصطفى ص140ـ140.