الـحـوزة الـعـلـمـية

مدرسة النجف في دور البناء الجديد*

أخذت مدرسة النجف الأشرف موقعها العلمي الكبير في القرن الثامن الهجري واستعادت زعامتها الدينية في القرنين الخامس والسادس الهجريين ، وقد وقف الرحالة العربي المغربي ابن بطوطة على هذه الحالة عند زيارته للنجف عام 727 هـ بقوله : (( ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة )) [1] وكان بعض طلاب النجف في هذه الفترة من اسر علمية نجفية حملت لواء العلم والمعرفة عدة قرون من الزمن كالعلويين من آل الآوي وآل طباطبا وآل الخرسان ، وبرزت في هذه الفترة أسر علمية أخرى قد تتلمذ بعض رجالها على العلمين الكبيرين ( المحقق والعلامة ) الحليين ومنهم آل الأعرجي وآل الأفطسي وآل الحسيني وغيرهم .
وكان بعض الأعلام يوقفون كتبهم على خزانة المرقد الشريف ، وأصبحت نواة لأكبر مكتبة شهدها العالم الإسلامي في فترة غلب عليها الظلام والركود العلمي ، فقد أوقف أعلام أسرة " آل الآوي " كتبهم على الخزانة الحيدرية [2] . كما أودع الشيخ عبد الرحمن بن محمد العتايقي مؤلفاته التي بخطه في هذه الخزانة .
ولقد لقيت مدينة النجف الأشرف في القرن الثامن الهجري عناية متخصصة من السلطان المغولي محمد خدا بنده وولده السلطان أبي سعيد ، فقد كانا يقومان برعاية العتبات المقدسة ، وفي عهدهما بنيت مدرسة للعلوم الدينية في مدينة النجف [3] .
وقدمت السلطة الجلائرية التي أعقبت السلطة المغولية الأيلخانية خدمات لمدينتي النجف الأشرف وكربلاء ، فقد ازدهرتا تحت رعاية السلاطين الجلائريين الذين بنوا عددا من الأبنية والعمارات [4] ، وفي الوقت الذي أخذت مدينة الكوفة يستولي عليها الخراب [5] مما يجعل الكثير من أهلها يهاجرون إلى الأطراف القريبة منها ، وإلى مدينة النجف على وجه الخصوص [6] .
ومما يؤكد إعادة مدرسة النجف وجودها في هذه الفترة هو إن بعض علماء الشافعية قصدوها للإستماع إلى علمائها ومحدثيها ، ففي عام 716 هـ قصدها الشيخ تاج الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي بكر الأردبيلي المتوفى عام 746 هـ ، وأبو المجامع صدر الدين إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الجويني المتوفى عام 722 هـ [7].


*من كتاب المفصل للدكتور السيد حسن الحكيم ج4 .
[1] ابن بطوطة : الرحلة 1 / 109 .
[2] العزاوي : تاريخ الأدب العربي 2 / 322 .
[3] بحر العلوم : ( الدراسة وتاريخها في النجف ) موسوعة العتبات المقدسة / قسم النجف 2 / 54 .
[4] نوري العاني : العراق في العصر الجلائري ص 48 .
[5] ابن بطوطة : الرحلة 1 / 137 .
[6] العاني : العراق في العصر الجلائري ص 48 نقلا عن كتاب " صحائف الأخبار " 3 / 10 .
[7] إبن حجر : الدرر الكامنة 1 / 69 ، 3 / 145 - 146 ، السبكي : طبقات الشافعية 6 / 146 .