|
بحر النجف
عرف بحر النجف في العصور التاريخية القديمة بأسماء آرامية وسريانية
وعبرية وغيرها مما له دلالة على قدم البحر وتسميته . فورد لفظ
(فرثا) في اللغة الآرامية ويعني البثقة (1) . وورد لفظ (حاشير) في
اللغة العبرية ومعناه مجموع المياه ، وقد التقى هذا اللفظ بلفظ
(الحشر) في اللغة العربية ومعناه الجمع من أصل واحد (2) ، أي أن
بعض الأنهار كانت تصل إلى الحيرة . وقد أشار المسعودي بقوله :
(أذكر سفن الصين وراء هذه الحصون ، فلما انقطع الماء عن مصبه في
ذلك الموضع ، انتقل البحر برا فصار بين الحيرة والبحر في هذا الوقت
مسيرة أيام كثيرة ، ومن وراء النجف وأشرف عليه ) (3).
وقد أطلق المؤرخون والجغرافيون على تلك الصفحة العريضة من الأرض
والتي تغمرها المياه أسماء كثيرة منها : ( بحر النجف ، وهور النجف
، وبحيرة النجف ، ومستنقع النجف ، ومنخفض النجف ) لأن المشاهد اذا
وقف على مرتفع النجف أو على كتف البحر ، يبصر إمتدادا مائيا واسعا
لم يشاهده في أحواض الأنهار ومناطق السهول .
لذلك ، جاء لفظ (البحر) من باب التفخيم والتعظيم لتلك الصفحة
المائية العريضة . ولابد من الوصول إلى حقيقة ورود السفن من الصين
إلى بحر النجف كما اشارت بعض المصادر إلى ذلك ، فإن المحاورة التي
جرت بين خالد بن الوليد وعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني عام
12 هـ أكد فيها ابن بقيلة بأن سفن الصين كانت تمخر عباب البحر من
وراء النجف (4 ) . فقد سأله خالد بن الوليد : فما أدركت ؟ فقال :
أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا النجف بمتاع الهند والصين ،
وأمواج البحر تضرب ما تحت قدميك (5) . وقال أيضا : أدركت سفن البحر
ترفأ في هذا الجرف ، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع قلتها على
رأسها لا تزود إلا رغيفا واحدا حتى تأتي الشام ، ثم أصبحت خرابا
يبابا ، وذلك دأب الله في العباد والبلاد (6) . وأشارت بعض المصادر
إلى صلة بحر النجف بالخليج العربي (7) . وقد سلك هذا الطريق
اليونانيون والفرس والعرب في العصور المختلفة ، وكانت السفن
التجارية تغادر بحر النجف وهي محملة بالحديد والنحاس والقصدير من
منتجات العراق وسوريا وبلاد الروم واليونان ، وتعود من الهند
والصين و سريلانكا وشرق أفريقيا محملة بالحرير و الاستبرق والقرنفل
والفلفل والزعفران والصمغ والصدف والعاج والدر والمرجان وغيرها من
السلع (8) . وذكرت بعض المصادر أن الحيرة من ظهر البرية كانت على
مرفأ سفن البحر من الهند والصين وغيرها (9) .
ولكن يبدو لنا أن بحر النجف كان يتصل بالخليج ومن ثم بالعالم
الخارجي عن طريق الأهوار و البطائح ونهر الفرات . فالسفن المذكورة
في النصوص المتقدمة تأتي من البصرة إلى النجف عبر هذه الطرق
المائية . وإلى ذلك يذهب الأستاذ الدكتور مصطفى جواد بقوله : ان
بحر النجف ترفده الأودية التي تاتي من النجا والغربية من صحراء
السماوة القديمة ، ومن شمالي جزيرة العرب ، فيكون بطائح واسعة ترى
وكأنها البحر . وكان من بقاياه بحر الشنافية وبحر النجف ولا يبعد
إتصال هذه البطائح بالخليج العربي (10 ) .
ومما يدعم هذا الراي ، أن مدينة النجف الحالية تتصل بمدينتي
الشنافية والسماوة عن طريق البحر يوم كان عامرا ، وتتصل بهما عن
طريق الصحراء بعد جفافه . وقد ذكر ( المستر بارلو ) في عام 1889 م
قائلا : إن أكثر الزائرين الذين يقدمون من الهند لزيارة الأماكن
المقدسة في كربلاء والنجف يسلكون طريق الفرات فالعطشان فالشنافية ،
وإن سفن كثيرة ذات حمولة خمسين طنا تمر من هذا الطريق النهري الذي
ينتهي بالنجف (11) وان هذا النص الحديث الذي أرخ لبحر النجف في
القرن التاسع عشر الميلادي يؤيد ما ذهبنا إليه من أن بحر النجف
يتصل بالخليج العربي عن طريق نهر الفرات وبطائحه .
ويظهر من نصوص تاريخية عديدة سنعرض لها أن مساحة بحر النجف تغيرت
على طول التاريخ ، وكان بحر النجف في القديم أكبر مساحة بكثير مما
هو عليه في أزمان متأخرة ، ولذا فقد اختلفت تقديرات مساحته باختلاف
أزمانها . وما يرى اليوم عند حافة الهضبة الصحراوية إلى الجنوب
الغربي من مدينة النجف منخفضات كان وجودها يساعد على اندفاع المياه
وانحدارها من الفرات ، فأصبحت هذه المنخفضات محلا لاجتماع المياه ،
وقد تغير بسبب ذلك مجرى نهر الفرات عدة مرات. يقال عن هذه
المنخفضات بأنها من أراضي الطفوف التاريخية ، وربما تقدر مساحتها
السطحية بين 150 أو 200 ألف مشارة ، وتقدر مسافتها من حدود المشخاب
إلى رأس المنخفض الكائن غرب النجف بمسافة قدرها 30 كيلومترا ، وهذه
البحيرة تنخفض عن مستوى ماء الفرات بين الكوفة وأبو صخير بما يقدر
في أعمق نقطة منه 40 مترا(12).
قال الرحالة بارلو الذي زار النجف سنة 1307هـ -1889م : إن النهر
المسمى نهر الهندية يجري في الجهة اليمنى من الفرات وهو يحمل نصف
مياه نهر الفرات ، فيترك مدينة كربلاء على جهته الغربية وأطلال
بابل في الجهة الشرقية ، ثم يصل إلى مدينة النجف فيصب هناك في
بحيرة تسمى "بحر النجف" يبلغ طولها 60ميلا وعرضها 30ميلا(13).
أما الرحالة الإنكليزي "لوفتس" الذي زار النجف عام 1853م-1270هـ ،
فقد قال إن بحر النجف ممتد نحو الجنوب الشرقي إلى مسافة أربعين
ميلا ، وينشأ من نهايته السفلى نهران ، يقال لهما : شط الخفيف(14)
وشط العطشان(15) وحينما يطغى الفرات طغيانه السنوي المألوف يفيض
إلى بحر النجف فتصبح المسافة الممتدة بينه وبين السماوة كلها قطعة
واحدة من المياه يطلق عليها "خور الله" (16).أما ماء هذا البحر
فيكون عذبا صالحا للشرب حينما تصب فيه مياه الفرات كلها ، ويصبح
ملحا أجاجا حينما تنقطع عنه ، وعند ذلك يضطر أهالي النجف إلى جلب
الماء من الكوفة(17).
1 يوسف رزق الله : الحيرة ص 11.
2 الجنابي : تخطيط الكوفة ص 33 ، بول : دائرة المعارف الإسلامية (
مادة الحيرة ) 8/161 .
3 المسعودي : مروج الذهب 1/ 103
4 ن . م : 1/ 104 .
5 الشابشتي : الديارات ص240 ، الحميري : الروض المعطار ص 209 ، ص
575 .
6 الشريف المرتضى : الأمالي 1/ 261 ، الطوسي : الغيبة ص 82 .
7 ياقوت : معجم البلدان 2 / 328 ، أبو الفدا : تقويم البلدان ص 299
، القلقشندي : صبح الأعشى 4 / 333 ، الزبيدي : تاج العروس 3/ 165 .
8 يوسف رزق الله : الحيرة ص 91 - ص 92 ، أبو الريحة : الإستيطان
القبلي ص 96 .
9 البكري : معجم ما استعجم 2/ 479 ، الحميري : الروض المعطار ص 575
.
10 مصطفى جواد : ( النجف قديما ) بحث في موسوعة العتبات المقدسة /
قسم النجف 1/ 15 - 16 .
11 فؤاد جميل : هامش كتاب ( في بلاد وادي الرافدين ) ص 62 .
12 وادي الفرات ومشروع سدة الهندية : 2/266.
13 وادي الفرات ومشروع سدة الهندية : 2/265.
14 كذا في المصدر ، والصواب "شط الخسف" كما هو معروف بين عشائر
المنطقة وعليه الوثائق الرسمية.
15 يبتدأ هذا النهر من الجانب الأيمن للفرات غربي سدة الدغفولية (الدغافل)
السد العشائري القديم المنهار ، قبال "قرية الغرب" الواقعة على
الضفة اليسرى للفرات .
16 كذا ، والصواب "هور الله" كما في الوثائق الرسمية، والمشهور في
المنطقة نفسها.
17 موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) : 1/335
|
|