بنية الصناعة التحويلية (1)

كان النشاط الصناعي في محافظة النجف ولمدة طويلة مقتصراً على الصناعات الاستهلاكية التي تلبي حاجة سكان المحافظة منها وقد وجدت لبعض هذه الصناعات اسواق خارجية سواء اسواق خارج المحافظة او خارج العراق، لكن عموما ظلّت موجهة بشكل رئيس نحو سوق المحافظة، ذلك لان المنشآت الصناعية في المحافظة كانت صغيرة في طاقاتها الإنتاجية مما لايمكن من تلبية طلب الاسواق الخارجية بمنتوجاتها وباستمرار لذا كان النشاط الصناعي للمحافظة مقتصراً على فروع الصناعات الغذائية والنسيجية والإنشائية.
وينتج عادة التغيير في البنية الصناعية بسبب إستثمار الموارد الطبيعية والبشرية في الإقليم بشكل افضل مما يؤدي الى اقامة صناعات جديدة منسجمة بذلك مع خصائص الإقليم وقدراته على توطن الصناعة فية فضلاً عن عوامل خارجية وداخلية اخرى لها أثر في إحداث تغيرات فيها كما نلاحظ تباين مكاني في هذه البنية داخل الإقليم يعكس خصوصية مناطقة المختلفة الى حدٍ ما.
وحصل هذا التغيير في بنية الصناعة التحويلية في المحافظة خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي وما تبعه، حيث اقيمت المنشآت الصناعية الكبيرة فيها فضلاً عن اقامة بعض الصناعات الإنتاجية (الكيمياوية، الهندسية، المعدنية الاساسية).
استحوذت في محافظة النجف الصناعات الغذائية والنسيجية والخشب(2) على حوالي ثلثي عدد المنشآت والعاملين فيها عام 1982، أنظر جدول (30)، الا ان الاخيرة تراجعت بإعتبارات الإنتاج وحلت محلها الصناعات الاخرى لتستمر الصناعات الثلاث في احتلال المكانة نفسها في البنية الصناعية ويلاحظ ان الصناعات غير المصنفة وان كان لها نصيب محدود من المنشآت لم يزد عن (10%) منها ونحو نصف ذلك من العاملين الا انها اسهمت بحوالي (36%) من قيمة الإنتاج وحوالي (21%) من القيمة المضافة.
يأتي تطور هذه الصناعات في المحافظة اثر المقومات المحلية المتوفرة فيها من حيث توفر المواد الاولية والايدي العاملة ... ومع هذا يظل توازن الصناعات المتوطنة حالة مطلوبة على ان يكون للصناعات الإنتاجية فيها مكانة هامة وهذا ما لم نلحظه في البنية الصناعية فيها عام 1982 في حين كانت الصناعات الكيمياوية والمعدنية الاساسية والخشب تحتل مراتب متقدمة من حيث إعتبارات الإنتاج في البنية الصناعية على مستوى العراق للعام نفسه.
وفي عام 1993 وبعد ان تعرض العراق للعدوان عام 1991 وفرض حصار إقتصادي شامل عليه فمن الطبيعي ان تحصل تغيرات كبيرة في البنية الصناعية سواء كانت على المستوى الإقليمي او القومي حيث نجد في محافظة النجف قد تراجعت فيها الصناعات الغذائية مقابل الصناعات النسيجية والإنشائية التي مثلت الجزء الاكبر من الهيكل الصناعي للمحافظة مع ملاحظة تقدم الاولى على الثانية بشكل ملحوظ لذلك تميزت محافظة النجف بالصناعات النسيجية حيث استحوذت على (25%) من عدد المنشاة الصناعية في المحافظة وحوالي (36%) لكل من عدد العاملين وقيمة الإنتاج وقيمة المستلزمات والقيمة المضافة المتحققة في المحافظة عام 1993، بينما في عام 1982 وان كان عدد منشآتها كبيرة ولها الصدارة في المحافظة الذي بلغ حوالي (30%) الا انها لم تضم سوى (19%) من عدد العاملين ولم تحقق في مقدار قيمة الإنتاج وقيمة مستلزماته والقيمة المضافة سوى (19%) و(25%) على التوالي في المحافظة.
أما على مستوى العراق فقد تحقق توازن في البنية الصناعية عكس الحال على مستوى المحافظة , فبأعتبار عدد المنشآت ضمّت الصناعات النسيجية والخشب والهندسية حوالي (75%) منها. وتنافست الصناعات الغذائية والنسيجية والكيمياوية والإنشائية والهندسية لتقاسم اعداد العاملين وقيم الإنتاج والقيمة المضافة المتحققة.
 
و الصناعات الغذائية تراجعت مكانتها في البنية الصناعية جاء بسبب إيقاف مجموعة كبيرة من منشآتها لشحة توفر موادها الأولية المستوردة مثل السكر والزيوت, وبغية توفير هذه المواد لتوزيعها حسب نظام البطاقة التموينية قررت الدولة أغلاق المصانع التي تعتمدها كمادة أولية, كذلك بالنسبة لصناعات طحن الحبوب وجرش وتهبيش الشلب التي تتحمل خسائر كبيرة سنوياً جراء شراء الدولة للحبوب من المنتجين بأسعار مرتفعه وبيع منتجاتها الى المواطنين بأسعار منخفضةٍ جداً, فتقع على عاتق الدولة تحمل هذه الخسائر من خلال منشآت القطاع العام، وبسبب عدم توفر المادة الأولية المستوردة للصناعات الكيمياوية وأصابة بعض منشآتها بأضرار جراء العدوان تراجع نصيبها أيضاً, وهكذا الحال في الصناعات الإنشائية التي تعرض بعض منشآتها للأعتداء الآثم, فبقيت أسعار منتجات تلك الصناعات التي تخضع للقطاع العام منخفضة أمام منتجات القطاع الخاص وحالة السوق. والصناعات النسيجية التي حققت تقدماً واضحاً في هذه المدة يعود سبب ذلك الى توقف توريد المنتجات المماثلة لها من الخارج, مما شجع مصانعها القائمه لتطوير إنتاجها في محاولة سد حاجة السوق المحلية منها.
 
أما في عام 2004 وبعد التغييرات التي طرأت على العراق عقب نيسان 2003 من حرب مدمرة وتغيير في النظام السياسي والإقتصادي, حصلت تغييرات كبيرة في البنية الصناعية في العراق عموماً وفي المحافظة خصوصاً. حيث أستحوذت الصناعات الغذائية في محافظة النجف على أكثر من ثلث عدد المنشآت ونحو(18%) من عدد العاملين وحوالي (30%) لكل من قيمة الإنتاج والقيمة المضافة بنسبة (15%) لكل منهما من حيث عدد المنشآت,ألا أن الثانية حققت نسباً أكبر من حيث عدد العاملين وقيمة الإنتاج والقيمة المضافة بواقع(28.5%) و(59%) و (65%) على التوالي في المحافظة, وجاءت صناعات الخشب بالمرتبة الثالثة بإعتبارات الإنتاج بحوالي(4%) و (2%) للقيمة المضافة المتحققة في المحافظة. لذلك نجد أن الصناعات الأربعة (الغذائية والإنشائية والخشب والنسيجية) مثلت نحو (80%) من عدد المنشآت الصناعية, ونحو (73%) من عدد العاملين, فيما أستحوذت الصناعات الغذائية والإنشائية فقط حوالي (90%) و (95%) من حيث قيمة الإنتاج والقيمة المضافة على التوالي في المحافظة, مما يشير الى خلل في البنية الصناعية من خلال ضعف دور الصناعات الإنتاجية في المحافظة, ونجد الحال في نفسه الى حد ما على مستوى العراق,إذ جاءت الصناعات الغذائية بالمقدمه من حيث عدد المنشآت وعدد العاملين بنسبة (42%) و (23%) على التوالي في العراق, وجاءت الصناعات الإنشائية والخشب والنسيجية بالمرتبة الثانية من خلال أستحوإذها على نسبة(13%) لكل منهما.
في حين إنفردت الصناعات الإنشائية بالمرتبة الثانية بالنسبة لعدد العاملين التي بلغت (20%) وجاءت متصدرة الصناعات من حيث قيمة الإنتاج والقيمة المضافة بنسبة (31%) و (33%) على التوالي, وأحتلت المرتبة الثانية الصناعات الغذائية بنسبة (29.5%) و (22%) على التوالي أيضاً, وبالمرتبة الثالثة الصناعات الكيمياوية من حيث عدد العاملين وقيمة الإنتاج والقيمة المضافة بحوالي (19.5%) و(18%) و (23%) على التوالي في العراق. لذلك إن البنية الصناعية للعراق أعتمدت بالدرجة الأساس على الصناعات الغذائية والإنشائية والكيمياوية مما يشير الى حالة الخلل في الهيكل الصناعي سواء كان ذلك على مستوى العراق أو على مستوى المحافظة. حيث أن التغييرات الحاصلة في البنية الصناعية أفرزت تقدم الصناعات الأستهلاكية وفي مقدمتها الغذائية والنسيجية والخشب.., مقابل تراجع الصناعات الإنتاجية (الكيمياوية والمعدنية الأساسية والهندسية), نجد من بين أسباب ذلك هو التوجه الإستهلاكي العام, وتوجه الإستثمارات الصناعية الخاصة نحو الصناعات التي تحقق أرباحاً أكثر وأسرع منسجمة مع هذا الإتجاه بسبب ضعف الوعي الصناعي, فضلاً عن أن منشآت القطاع العام قد أثرت عليها ظروف ما بعد نيسان عام 2003 فتراجع إنتاج بعضها وأخرى توقفت عن العمل. لاسيما وأن الصناعة في العراق قد مرّت بمراحل صعبة تمثلت بالحروب المدمرة وفرض الحصار الإقتصادي الشامل عليه لم تمكنه من مواكبة التطور الحاصل بالميدان الصناعي في العالم, بل كان العكس من ذلك بتوقف بعض الصناعات عن العمل وتراجع إنتاج البعض الآخر.

 


(1) الصناعة وأثرها في التنمـية الإقليمية في محافـظة النـجف رسـالة قـدّمها إلى مجلـس كليـة الآداب فـي جامعـة الكوفــة    محـمد جواد عباس شــبع ( بتصرف ).
(2) اتخذ الباحث من التصنيف الدولي المعتمد لدى وزارة التخطيط اساساً لتصنيف الصناعات والتي ياخذ كل منها اً رئيساً يبدأ من (31) وهو الغذائية وينتهي (39) وهي الاخرى غير المصنفة وكل منها يتفرع لفروع ثانوية وبمراتب إضافية تضاف أمام أرقامها الرئيسية اعلاه علما بأن صناعة الورق والطباعة قد دمجت مع صناعات الخشب والاثاث الخشبي هذا العام دون الأعوام اللاحقة.